روبورتاج

مع الحدث | جائحة “كورونا” تفضح جشع وتلاعبات الأبناك

مناورات الأبناك في زمن "كوفيد 19"

الرباط. الأسبوع

    إذا كان المثل الأكثر تداولا بين أغنياء العالم هو العمل بالقاعدتين الأساسيتين: القاعدة الأولى: “لا تخسر المال”، والقاعدة الثانية: “لا تنسى القاعدة الأولى”، فإن الأبناك المغربية تعد أكبر مجسد للقاعدتين مع تحريف بسيط في مضمون الأولى التي تقول عند الأبناك “لا تساهل ولا ليونة ولا مغامرة في منح المال، وأحيانا حتى في إعادته لأصحابه”.
قصة جشع الأبناك وتماديها في مص دماء المواطنين، ليست وليدة اللحظة، أي زمن مواجهة وباء “كورونا”، بل إن امتحان مواجهة هذا الفيروس القاتل قد كشف للمغاربة مدى تعنت هذا القطاع ومدى “انتهازيته” وعدم انخراطه في الجبهة الوطنية العامة التي تواجه هذا الوباء القاتل.

بداية القصة..

منذ بداية شهر مارس، وحين تيقن الجميع بأن الفيروس حقيقة وليس خدعة، وبأنه قادم لا محالة نحو المغرب، تجندت الدولة برمتها ملكا وحكومة وبرلمانا وشعبا وسلطات ومجتمع مدني لمواجهة هذه الجائحة، بعدما تأكد للجميع أنها جائحة كاسحة لا تبقي ولا تذر، وأنه مستحيل على قطاع الصحة مواجهة هذا التحدي بشكل مفرد في ظل استمرار دوران الحياة الاقتصادية والمالية، فكان قرار المغرب التضحية بالاقتصاد وبالمال مقابل الصحة، فانطلقت القرارات الاستراتيجية الكبرى، على رأسها خلق صندوق خاص لمواجهة هذه الجائحة، صندوق من شأنه مواجهة تداعيات وباء “كورونا”، ولأن التحدي كبير على دولة بسيطة مثل المغرب، كان لابد أن يفتتح الاكتتاب فيه بين المال العام والخاص والمتبرعين والمحسنين لجمع ما يكفي من العدة لمواجهة الوباء، فجاءت محطة القرارات الاقتصادية المخففة للأزمة التي أوكل للجنة اليقظة اقتراحها وتنزيلها عبر مراسيم وقرارات حكومية.
وبمجرد شروع هذه القرارات في الخروج للعلن وترحيب الجميع بمضمونها، بل انخراط عدد من المؤسسات والأفراد في تنزيلها، ستنطلق عرقلة الأبناك لهذه القرارات، وستشرع في “وضع العصا في الرويضة”، وتلكأت في تطبيق هذه القرارات رغم تحصين الأبناك بمختلف الضمانات كي لا تتعرض لأي خسارة، غير أن عقلية مص دماء الشعب والمواطنين واحتكار عمليات مراكمة الثروات وطرق الربح السريع بدون مغامرة، جعل عقل الأبناك مع الدولة وقلبها مع أموالها وخزائنها، وما زكى هذا الطرح، هو عملية التبرع نفسها، حيث لم تكن بالمستوى المطلوب من طرف الأبناك بالمقارنة مع ما قدمته الشركات والمؤسسات الخاصة، إلا القطاع الغارق في المال، حيث قدم الفتات لمساعدة الشعب المغربي، مقدما أقل مما يقدمه لدعم مهرجانات الرقص على الحياة، أما الرقص فوق جثث الأموات، فتلك قصة أخرى.

انطلاق القصف بين البنوك والباطرونا

إذا كان رأس المال عادة ما يكون جبانا، ففي وقت الأزمات يتحول إلى أسد، وهذا ما بدا عند أول محطة للجنة اليقظة وهي تواجه جائحة “كورونا” بقرار وقف المقاولات والشركات لأداء أقساط قروضها من طرف الأبناك بسبب تداعيات الجائحة، هنا الأبناك سترفض تطبيق القرار سرا، قبل أن يخرج صراعها ومشاداتها مع “الباطرونا” للعلن، عبر القصف المتبادل بالبيانات في عز أزمة “كورونا”، وكادت الأمور تتطور لولا تدخل جهات في الدولة لإخماد نيران الحرب بين الطرفين، والتي جسدها البيان الساخن الصادر من “الباطرونا” في حق تجمع البنكيين والذي فسروه بأنه مجرد “إثارة الانتباه إلى مجموعة من المشاكل التي تعترض القطاع الخاص بالمغرب، بسبب بعض الممارسات والقرارات التي تهم التسهيلات المالية المقدمة للشركات، والتي تم إيقاف البعض منها، إلى جانب المصاريف الناجمة عن تأخير أداء الأقساط الشهرية للشركات المستحقة للمصارف” في إشارة إلى عراقيل البنوك.
الانفجار الثاني الذي سيكون هذه المرة بين المواطنين والبنوك على مستوى تطبيق القرار الذي أقرته لجنة اليقظة، والذي يسمح للمواطنين الذين توقفوا عن العمل بإمكانية تأجيل سداد قروضهم لدى الأبناك، هذه الأخيرة التي قبلت على مضض هذا القرار، ستشرع في زرع الألغام في طريق تنزيله، بدءا بمطالبة المعنيين بالأمر بتقديم طلباتهم مفصلة في الموضوع، ثم تعزيزها بما يكفي من الوثائق، وثالثا انتظار دراسة الطلبات والموافقة عليها مركزيا، وهي مساطر كلها كانت تتم حتى وصل نهاية شهر مارس، فاقتطعت الأبناك من ما تبقى من أجور المواطنين على أساس أن الطلبات لم يوافق عليها بعد، وإن تمت الموافقة عليها، فسيتم التفعيل نهاية شهر أبريل، الأمر الذي جعل المواطنين يصرخون من تلك الأبناك وعدم انخراطها في هذه العملية.
أما الصدمة من جشع الأبناك حتى في الظروف الحالكة التي تمر منها البلاد، فكانت في شروط الإذعان التي ترفق بها هذه العملية، حيث ألزمت المواطنين بالتوقيع على “باب الغرامات والزيادات”، حين فرضت شرط توقيع المواطنين على العبارة القاتلة “أنني أقبل بشكل غير رجعي وغير مشروط جميع التغييرات التي ستنتج عن هذا التأجيل، والتي قد تؤثر على جدول الاستخدام المتعلق بهذا القرض، كمبلغ القرض المتبقي رأسمالا وفوائد مترتبة عنه”.
الجبهة الثانية للمواجهات مع الأبناك، تمت هذه المرة على مستوى بعض المهنيين والمقاولات التي أصرت البنوك على تصنيفها خارج المقاولات والمؤسسات التي كانت تعنيها قرارات لجنة اليقظة، فكانت صرخة مهنيي شركات كراء السيارات بشكلها العادي لفائدة المواطنين أو في علاقتها بالقطاع السياحي، أي كراء السيارات العادية وذات الدفع الرباعي للسياح فقط، هذا القطاع الذي توقف نهائيا بسبب الجائحة التي أوقفت عجلات السيارات العادية والسياحية والطائرات والبواخر عن الدوران، فقط عجلات سيارات الإسعاف والشرطة، ورغم ذلك لم تدخلهم الأبناك في عداد المقاولات المتضررة.

“باي باي” دعم أرباب المقاهي والمطاعم

قصة رفض الأبناك أو تلكؤها في الانخراط في هذه المهمة والذي كان جليا منذ البداية، سيستمر هذه المرة مع شريحة جد موسعة تعتبر شريان اقتصاد الطبقات الشعبية والمتوسطة، ألا وهي شريحة أرباب المقاهي والمطاعم التي قررت السلطات إغلاقها نهائيا، وبذلك أغلقت حوالي 270 ألف مطعم يشغل مئات الآلاف من الأسر ويعيل ملايين المواطنين، هذه “المقاولات والشركات” الصغيرة والمتوسطة، لم تنسها لجنة اليقظة، حيث خصصت لها نصيبا هاما من الإجراءات وعلى رأسها قرار إحداث آلية جديدة للضمان على مستوى صندوق الضمان المركزي، تحت اسم “ضمان أكسجين”، يهدف إلى تمكين المقاولات التي عرفت خزينتها تدهورا بسبب انخفاض نشاطها، من الحصول على موارد استثنائية للتمويل، حيث يغطي “ضمان أكسجين” 95 في المائة من مبلغ القرض، مما يجعل الأبناك تمد المقاولات (ومنها المقاهي والمطاعم) بقروض استثنائية تغطي إلى حدود ثلاثة أشهر من المصاريف الجارية والمتعلقة على وجه الخصوص بالأجور وواجب الكراء وتسديد أثمنة المشتريات الضرورية، وفي هذا السياق، استبشر أرباب المقاهي ومعهم المستخدمون خيرا من هذه البادرة، فتقدم إلى حدود اليوم أزيد من 10 آلاف رب مقهى ومطعم إلى البنوك، بهدف الاستفادة من هذا الإجراء، فكانت الصدمة كبيرة، إذ تم رفض أزيد من 95 بالمائة منها، بذريعة غياب الضمانات، وحتى لو توفرت الضمانات وقبلت الطلبات، فالصدمة كانت أقوى بعدم الاستجابة لها، لأنه ليس هناك موظفون على مستوى الإدارة المركزية للأبناك لدراسة هذه الطلبات والموافقة عليها نهائيا بسبب حالة الحجر الصحي، فكانت الصرخة الأخرى من طرف المعنيين ضد سلوك الأبناك الذي يعرقل كل جهود وقرارات لجنة اليقظة ومعها قرارات الدولة المغربية.

ملك البلاد يدق ناقوس الخطر


قصة الشكوى من تعنت وجبروت البنوك ليس وليد اللحظة، بل هو موضوع شكوى ومعاناة دائمة من طرف بسطاء الشعب من موظفين وحرفيين وتجار صغار، حيث التعاملات متعالية وبلغة موليير، في جميع المعاملات، خرقا للدستور الذي يقر اللغتين العربية والأمازيغية فقط، بينما كل تعاملات وعقود ومعاملات الأبناك باللغة الفرنسية، أما مبالغاتها في الضمانات الاحترازية والتعامل المتعالي، فقد عممته حتى على المقاولات، ولم يعد موضوع انتقادات المتعاملين والزبناء فقط.
وإذا كان الكثير من السياسيين يخجلون من انتقاد “غول” الأبناك، فإن تعجرفها سيصبح لأول مرة موضوع ملاحظات أعلى سلطة في البلاد.
فتعامل الأبناك “الجاف” مع قضايا المواطنين وعدم انخراطها بليونة في خدمة الرأسمال والاقتصاد الوطنيين، كان موضوع خطاب ملكي صريح، ولأول مرة في تاريخ الخطب الملكية، ستتم الإشارة إلى عدم انخراط الأبناك في التنمية، بل ربما افتقادها للالتزام الأخلاقي قبل الالتزام الورقي الموقع على الاتفاقيات.
ملك البلاد، وفي سابقة من نوعها، قال: ((أعرف جيدا صعوبة تغيير بعض العقليات البنكية)) معتبرا الأبناك في خطاب افتتاح البرلمان للسنة الماضية، ((حجر الزاوية في عملية التنمية، هذا القطاع رغم بلوغه من القوة والتطور والاستثمار في الخارج خاصة في إفريقيا، لايزال يعطي الانطباع السلبي لعدد من الفئات وكأنه يبحث فقط عن الربح السريع والمضمون)).
ولتوضيح المفضوحات، قال الملك وفي خطاب مباشر وواضح، أن هذه ((الأبناك عليها توفير الدعم المالي للمقاولات والشركات، خاصة الصغرى والمتوسطة، من خلال تبسيط مسطرة الولوج للقروض))، ليكون هذا الكلام تعليمات من الملك للأبناك بسبب تعنتها في أيام الرخاء العادي، فما بالنا بأيام الشدة التي تمر منها البلاد بسبب جائحة “كورونا”، إذ رغم وجود قرارات جاهزة، سواء من لجنة اليقظة أو من الحكومة، تبين مرة أخرى أن الأبناك لا تؤمن سوى بالأرباح، والأرباح فقط دون أدنى مغامرة ولا مساعدة.

جبن وصمت السياسي


هناك أمور عشعشت في عقلية ومخيلة السياسي، معارضة كان أم أغلبية، تتعلق بعدم الاقتراب من انتقاد الأبناك وكأنها “مؤسسات مقدسة” لا يسمح بالاقتراب منها، ومن خرق هذا العرف سيتعرض للعقاب والتضييق، بل إن مستقبله السياسي قد يصبح في كف عفريت.
جزء من جبن الطبقة السياسية أظهرته بعض من نقاشات البرلمانيين ما بعد الأزمة الاقتصادية العالمية التي ضربت العالم ابتداء من 2008، والتي وصل انعكاسها المغرب طبعا، هذه الأزمة الاقتصادية التي دخلها المغرب خاصة في علاقاته بشركائه الأوروبيين الذين بدت الأزمة الاقتصادية واضحة عليهم، سيلجأ القطاع المالي والبنكي ببلادنا لنفس الأساليب، أساليب التشدد وعدم المغامرة في إنقاذ المقاولات، وهو ما جعل بعض الأصوات المحتشمة داخل البرلمان تنبه إلى هذا السلوك غير المقبول في زمن الأزمات، فما كان حينها من عبد الإله بن كيران رئيس الحكومة، ووزيره المنتدب في المالية المكلف بالميزانية، إدريس الأزمي، سوى الصراخ في وجه من يطرح هذه الملاحظات، مقدسين في الوقت نفسه القطاع البنكي المغربي الذي اعتبروه حينها وطنيا أكثر من الوطن.
غير أن بادرة ملك البلاد في الجهر بالحقيقة، جعل السياسيين “الحربائيين” يغيرون من لغة مدحهم للقطاع البنكي إلى لغة انتقاد تعاملاته وعقلياته، بل وصل الأمر بسياسيي البرلمان إلى تشكيل، ولأول مرة في تاريخهم، للجنة استطلاعية خاصة برئاسة القيادي في العدالة والتنمية عبد الله بوانو، ستحقق في تعاملات القطاع البنكي وفي سبب مراكمته للأرباح بشكل غير قانوني أحيانا تقتطع من جيوب المغاربة، فهل تجرؤ لجنة بوانو على قول الحقيقة كل الحقيقة في قطاع الأبناك، أم هناك “مسامر الميدة” الذين سيزرعون للدفاع عن اللوبيات بدل الشعب كعادتهم في مهمة المحروقات؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق