الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | قصة “الماما ليو” والعصابات التي وضعت نفسها رهن إشارة إسرائيل

تعالوا نتحدث عن الإرهاب..

التزام مصطفى العلوي مع قرائه مستمر :
يواصل الراحل مصطفى العلوي التزامه مع قرائه رغم وفاته، فقد كان الراحل حريصا على ترتيب مواعيده مع قرائه من خلال كتابة ما يجب أن يكتب، في انتظار نشره، بل إن طاقم “الأسبوع” بعد التنقيب في خزانة الفقيد، عثر على مقالات وروايات واقعية مكتوبة بخط يده، ولم تنشر من قبل، سنعمل على الإستمرار في نشرها وفاء لروح أستاذنا مصطفى العلوي في ركن “الحقيقة الضائعة”.

 

 

بقلم: مصطفى العلوي

   في إحدى الليالي الباردة من نونبر 1965، كان “موريس صهيون” جالسا كأحد أبطال الأفلام في مقصف “الكتكوت الأزرق”، حينما فتحت البوابة الزجاجية ووقف أمامه ثلاثة رجال أصلوه بنيران مسدساتهم.

وفجعت عائلة “اطلان”، وكان رئيسها، الأخ الأكبر “اطلان”، جالسا ليلة 20 دجنبر 1966، ينسق للانتقام من اغتيال أخيه “صهيون” في مقصف بزقاق “روديي” حينما دخل عليه مجهول وأرداه قتيلا برصاص مسدسه.

عمت الفوضى والرعب أوساط يهود باريس، وخصوصا أوساط اللاجئين القادمين منهم من الجزائر، لأن اغتيال حماتهم، الإخوة “اطلان”، لم يبق معه شك في أن أيدي جزائرية وراء الاغتيالات، لولا أن الأبحاث التي قام بها رجال الشرطة وجدت أن اغتيالات الإخوة “اطلان” كانت مدبرة من طرف عصابة يهودية أخرى ترأسها امرأة اسمها “ليوني بنعيم” وينادونها في الوسط “الماما ليو”.

“الماما ليو” يجب التوقف عندها قليلا، لأنها خليقة بالاهتمام، فهي نموذج بشري لا نجد له مثيلا إلا في إحدى قصص الروائية البريطانية “أغاتا كريستي”.

“الماما ليو”، اليهودية بنعيم، حاربت في جيش القائد البريطاني “باطون”، وتحمل وسام “فيكتوريا كروس” علقه لها إكبارا وتقديرا، السيد “ونستون تشرشل” شخصيا.

و”الماما ليو” التي صفت مجموعة الإخوة “اطلان”، هي رئيستهم، وهي في نفس الوقت رئيسة عصابة أخرى تسمى عصابة “كويا”، وعصابة ثالثة تسمى عصابة “المارشال”.

واستطاع رجال الشرطة القانونيين اكتشافها، عندما فشلت عملية السطو على متاجر “اللوفر” بباريس في احتفالات رأس سنة 1966، وقد استعملت “الماما ليو” في اغتيال جماعة “اطلان”، يهوديا آخر من الجزائر اسمه “لوسيان” ويعرف في الوسط باسم “بوبول” كان من جزاري الجنود الفرنسيين في أفراد الشعب الجزائري أثناء الحرب التحريرية، لكن اليهود الباريسيين، بعد أن اطلعوا على ملفات اغتيال حماتهم، الإخوة “اطلان”، وتيقنوا من براءة الإخوة “زمور”، أسلموهم قيادهم، وأصبح الإخوة “زمور” وحدهم أسياد الوسط اليهودي في باريس.

وتفرغ الإخوة “زمور” للعمل الجاد، وطلعت مانشيتات الصحف الباريسية في يناير 1967 معلنة أن باريس أصبحت شيكاغو قبل ثلاثين عاما، فقد بدأت  تصفية عصابات “الماما ليو” بالوسائل الناجعة، رجالها الشداد: “بيري” ثم اغتياله ليلة 26 يناير 1967، “بن لولو” عثر عليه في سيارته وقد تحول جسمه إلى غربال، “جان كلود” وجد مرميا في إحدى الساحات وقد قطعت أجهزته التناسلية.

إلا أن كل الاغتيالات كانت مقترنة بشهادات تثبت وقوف أو مرور أو دور سيارة من نوع “بوجو 404″، تأكدت الشرطة أنها مسجلة في اسم “روز زمور”، أم الإخوة “زمور”.. لكن رجلين يهوديين ذوا نفوذ كبير في فرنسا، هما “رفائيل دادون” و”جوزيف شقرون”، كانا يقفان دائما لدرء أية تهمة عن الإخوة “زمور” أو عن الأم المسكينة.

واستمر الوضع على هذا الحال سنوات طويلة، بقي فيها للإخوة “زمور” منافس واحد، هو البولوني “لوير” الذي اعتصم بمتجر لبيع الثياب في أحد الأحياء الراقية بباريس، ساكتا على ما يعرف من أسرار، قابعا على ما يملك من أموال، عارفا بما يجري من أحداث، إلى أن نسي نفسه، وكان منبسطا ليلة 28 مارس 1975 خارجا من مقصف ممتاز يسمى “برازا” في حي “اللونشان”، فوقفت أمامه سيارة “البوجو 404” وخرج منها شخصان أصلياه بوابل من الرصاص.

إن الانتقام أكلة تؤكل باردة

لقد أصبح الإخوة “زمور” أسياد الموقف، لا في فرنسا وحدها، وإنما في ألمانيا أيضا، وجاء الوقت ليكشفوا عن خباياهم، ويعلنوا وضع أنفسهم في خدمة إسرائيل، فانتقل واحد منهم إلى بروكسيل لاختراق أسرار الحلف الأطلسي، وانتقل “أندري” إلى جزيرة “بالما دي مايوركا” الإسبانية واشترى مقصفا اسمه “بينغو” ليفتح منه واجهة على البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا، وفتح نافذة في قلب إفريقيا، حيث الضعف الإنساني أمام العنصر النسوي، واختار أبيدجان عاصمة ساحل العاج كمركز لنشاطه.

وأصبحت التقارير السرية تتحدث عن “زمور كونيكشون” وعن هؤلاء اليهود الفقراء الذين أصبحوا يشترون العمارات العالية في باريس، وأسهم في بنك “إنترا بنك” القريب من بعض العرب، والذي عرف العالم قضية إفلاسه.

وفي السبعينات، كانت “زمور كونيكشون” في باريس وحدها تشغل 257 موظفا، وأصبح يقال أن باريس في الليل تصبح ملكا لـ”زمور”، وكان مصدر هذه الثروة، الأموال التي جمعوها بعد حرب السبعة وستين، بدعوى مساعدة إسرائيل في حربها ضد العرب.

واتصل بهم جهاز “الموساد” بواسطة ضابط يهودي سابق في الجيش الفرنسي بالجزائر، يمتلك متجرا في ساحة “ليطوال” بباريس، وضع “ويليام زمور” رهن إشارته، ثمانين من رجاله في خدمة إسرائيل.

وأرادت إسرائيل تقديم شكرها لعائلة “زمور”، وفي سنة 1970، استقبل “ويليام زمور” استقبالا رسميا في مطار تل أبيب، ومنح الجنسية الإسرائيلية، وفتح مطعما في قلب تل أبيب اسمه “لوفيزوفيو” شارك فيه معه أفراد من عائلة “بوطبول” من أصل مغربي.

لكن “زمور” اختلف معهم سريعا، ففتح الإخوة “بوطبول” مطعما خاصا بهم اسمه “مراكش”، وبغثة، وجد “زمور ويليام” نفسه في نفس الصراع الذي عرفه في أيام مجده بباريس، ولم يجد مناصا من استعمال نفس الوسائل التي تربى على ممارستها، وهكذا أرسل عصابات لتخريب مطعم “مراكش”، وعندما جاء البوليس الإسرائيلي، وجدوا في المطعم المخرب كميات من الدولارات المزورة.

واكتشف “الموساد” الفضيحة الكبرى، ذلك أن تلك الدولارات التي عثروا عليها، في جزء من كمية ضخمة من الدولارات المزورة التي كان “الموساد” يعمل على ترويجها في دول العالم العربي لإفساد اقتصاده، واكتشف “الموساد” أن أحد أفراد عائلة “بوطبول” هو ضابط في المخابرات الفرنسية، وعثروا في خزينة مكتبه داخل مطعم “مراكش” على رشاشة غير مرخص بها من نوع “أوزي” وعدة مسدسات، وتم اعتقال الإخوة “بوطبول” وأودعوا في السجن حيث مات واحد منهم.

وكانت الصحافة الإسرائيلية تتتبع هذه الأحداث باهتمام كبير، خصوصا بعد أن أشعل حريق في مطعم “زمور” المسمى “لوفيزوفيو” سنة 1972 وتحطم عن آخره.

ورجع “زمور” لفرنسا مطرودا من إسرائيل، وأراد العودة لإسرائيل، لكن محكمة إسرائيلية رفضت السماح له بالعودة.

وفي مارس 1976، نشرت يومية “يديعوت أحرونوت” الصادرة بتل أبيب، طلبا لوزير الداخلية الإسرائيلي، تطالب فيه بالسماح لـ”زمور” بالرجوع إلى إسرائيل.

واختار الإخوة “زمور” التوجه إلى الولايات المتحدة، وقرر “جيلبير زمور” الدخول إلى العالم الجديد عبر كندا، لكن ملفات هذه العائلة الإرهابية الكبيرة سبقتها إلى كندا، التي سألت الإخوة “زمور” عن مصادر هذه الملايين التي أحضروها معهم، للإسهام في مقاولات ضخمة أرادت بناء المدينة الرياضية الأولمبية لألعاب مونريال 1976.

وهنا تظهر أيادي “الموساد” التي أصبحت تهتم بالألعاب الأولمبية منذ “أحداث ميونيخ”، إلا أن إحدى البنات اليهوديات، وكانت ملكة جمال تونس سنة 1972، جلبت للشرطة الكندية ملفا كاملا عن ممارسات الإخوة “زمور” في الكندا، فتم إبعادهم من شمال أمريكا.

لقد مات “ويليام زمور” في فرنسا بالرصاص، وبقي أخوه “إدغار” مصابا بعاهات بعد إصابته أيضا بالرصاص سنة 1976.. لكن اسم “زمور” لازال يثير الرعب في الأوساط الفرنسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box
إغلاق
إغلاق