المنبر الالكتروني

رحلة التشافي من فيروس كورونا (5)…

بقلم : أمل مسعود

 

(الجزء 5) 

الصمت لغة لن يدركها إلا الأتقياء

 

    أتصفح الواتساب، أضحك على بعض الفيديوهات، يصيبني القلق من منشورات أخرى، ثم أرسل بعضا منها للأصدقاء، كأني أريد أن أشاركهم بهجتي وقلقي.

أذهب إلى مملكة الفايسبوك، أنشغل بإحصاء عدد الموتى بكورونا ومن هم، وأقارنها بمن تعافوا. ينتابني الحزن والهلع وبعض الدوار. أقرر أن أغلق الفايسبوك وألا أتصفحه إلا مرة واحدة كل يوم أو ألا أتصفحه أبدا. أمضي بعض اللحظات في معركة أنا الخصم فيها، أشعر فيها كأني لست أنا ولكني “أنانين” اثنين: أنا تريد أن تعود إلى حضن الفايسبوك، وأنا تدرك أن الفايسبوك أكبر خطيئة. أنهزم في بعض الأحيان وأنتصر في أخرى. ثم أبدأ أفكر في الموضوع ببعض الجدية، وأتساءل مع نفسي لماذا في الأزمات يجذبني الفايسبوك كالمغناطيس؟ لماذا تريد نفسي أو جزء منها لا أعرفه أن تتغذى على الأخبار. أخبار أخبار أخبار… أخبار زائفة، أخبار متشائمة، أخبار حزينة، أخبار تبعث الأمل، أخبار تدعو للقنوط… أي متعة أشعر بها من كل هذا؟ هل أشعر بالأمان في الاآمان؟ هل أحاول أن أسيطر على المجهول؟ هل خوفي مما يمكن أن يحصل يدعوني إلى أن أجتر أي شيء وكل شيء؟ ربما الفايسبوك يغذي ضعفنا الداخلي: الخوف والقلق. فالفايسبوك هنا يصبح صديقا ومدعما لقلقنا وخوفنا لأنه يمدنا بجميع أنواع المبررات لنخاف ونقلق. إنه يشبه صديق السوء الذي يقول لنا بالضبط ما نريد أن نسمعه بدل أن ينصحنا ويرينا الأشياء الغافلة عنا فينتهي المطاف بأن يحطم حياتنا وهو يدعي الصداقة.

بعد أن أقتنع مع نفسي بأنه لا جدوى من تصفح مواقع التواصل الاجتماعي، أحمل يعض الكتب والروايات من الأنتيرنيت لأقرأها، أكتشف أني جشعة وأحب التملك. أقوم بتحميل عشرات الكتب والروايات وكأني سأقرؤها جميعا. معظمها يظل في جهازي المحمول لأشهر عدة إلى أن أنساها ثم أحذفها لأني أحتاج إلى مساحات فارغة بمحمولي.

وفي كل هذا وبينما أنا أنتقل كالفراشة من فعل إلى فعل، من رغبة إلى رغبة، من فكرة إلى فكرة، تذكرت مقطعا من كتاب نور العشق الذي يحكي عن قصة جلال الدين الرومي وشمس الدين التبريزي. كنت قرأته قبل بداية الحجر الصحي بأسبوعين تقريبا.

في أحد مقاطع الكتاب، طلب شمس الدين التبريزي من العلامة جلال الدين الرومي أن يكف عن قراءة الكتب وأن يلتزم الصمت. بدا لي طلبه غير مفهوم البتة. كيف يطلب من علامة وفقيه أن يحرق كل الكتب وأن يكف عن القراءة وألا يفعل أي شيء لشهور عديدة؟ لا يقرأ… لا يكتب… لا يفتي… لا يتحدث… فقط أن يصمت. هل يطلب منه أن يصبح إنسانا فارغا كسولا بعد أن كان يسعى للعلم ويدرسه؟

في هاتين الأسبوعين اللتين قضيتهما في الحجر الصحي، فهمت مغزى مطلب شمس الدين التبريزي لجلال الدين الرومي. فألا أفعل شيئا على الإطلاق أصعب بكثير من أن أقرأ أو أتصفح الجرائد أو أو أو…

فكأنني أريد أن أملأ الفراغ فقط، فكل ما أفعله هو هروب من ذاتي الحقيقية. هروب من ذاتي إلى نفسي.

لا أعرف من قال ” الطبيعة تخشى الفراغ”؟ ولكني تفاجئت عندما أردت أن أعرف هل يوجد الفراغ في الكون؟ فاكتشفت بأن عشرين في المائة من الكون يتكون من الفراغات. إذن إذا كانت الطبيعة تخشى الفراغ فإن الكون يعيش بالفراغات.

ماذا يعني هذا؟ ربما يعني أن نفسي تخشى الفراغ ولهذا تجدها تبحث عن أي شيء تنشغل به ولكن ذاتي لن تبرز إلا بالصمت والفراغ.

 فبالكتب والأخبار والأحداث والأفلام والأفكار والكلام تتغذى الأنفس ولكن بالصمت تتغذى الأرواح. وربما شمس الدين التبريزي بهذى المعنى، أراد من جلال الدين الرومي أن يغذي روحه بعد أن أفرط في تغذية نفسه. فالصمت لغة لن يدركها إلا الأتقياء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق