المنبر الحر

المنبر الحر | زلات رئيس الحكومة في توقيع مرسوم رفض ترقية الموظفين 

بقلم : نور الدين الطويليع

    تقتضي الممارسة السياسية، تحلي السياسي بالحكمة وحسن التصرف، وتفرض المسؤولية السياسية على صاحبها، التوفر على قدر كبير من الحنكة والذكاء في اختيار الألفاظ والعبارات أثناء مخاطبة المواطنين، وعند الرغبة في استصدار قرار معين، لأننا «في عصر صار فيه الحكم فنا في القول، قبل أن يكون شيئا آخر»، فامتلاك ناصية اللغة، وامتطاء صهوة البلاغة، من شأنهما رفع شعبية السياسي وتمكينه من تدبير شؤون الحكم، وتنزيل قرارات قد لا تكون شعبية، ولكن سحر الكلمة وبريق العبارة ودقة الوصف، يمنحها طابع القبول والانسيابية.

من أهم العناصر البلاغية التي يجدر برجل السياسة الحرص على استحضارها دائما قبل أن يقدم على اتخاذ أي قرار من القرارات، مراعاة مقتضى الحال، وهو «الاعتبار المناسب الذي يستدعي اشتمال الكلام على سمات وخصائص أسلوبية تناسب المقام أو الحال الذي يلقى فيه»، بما يعني وجوب استحضار السياق وحال المتلقي قبل الإقدام على اتخاذ أي قرار، وإلا تلاشى التواصل، وتقطعت عراه، واستحالت اللغة لغوا، وصار المتكلم لاغيا فاشلا في مسعاه الإقناعي بسبب الفشل في إثارة مشاعر المتلقين، يقول أرسطو: «إن الاقتناع يمكن أن يتم بواسطة السامعين إذا كانت الخطبة مثيرة لمشاعرهم، فأحكامنا حين نكون مسرورين ودودين ليست هي أحكامنا حين نكون مغمورين معادين»، لذلك، فحال المتلقي يؤدي دورا حاسما في قبول الرسالة أو رفضها.

وفي هذا السياق، نتساءل: هل راعى رئيس الحكومة السياق وهو يصدر منشور توقيف ترقية فئة عريضة من الموظفين؟ وهل كان موفقا في اختيار اللحظة المناسبة لتمرير هذا القرار؟ وهل كان حال المتلقي وظروفه حاضرين في مخيلته وهو يهم بإصدار بلاغه؟

نشير بداية إلى أن إصدار المنشور صادف لحظة استثنائية أملتها الأوضاع العالمية المشوبة بالخوف والهلع وترقب الأسوإ جراء انتشار وباء «كوفيد 19»، واتخاذ سياسة تقشفية لمواجهة هذه الجائحة، فهذه الحيثيات تمثل أسباب النزول التي خالها المنزّلُ صمام أمان قوي تمنح منشوره صفة الشرعية، وتعطيه جواز الاستقرار في نفوس الفئة المستهدفة دون مقاومة أو رفض، في ظل جو سائد يغلّب المصلحة الوطنية، وأمام واقع عبر فيه المغاربة عن روح وطنية عالية بانخراطهم الإيجابي في خدمة وطنهم لتجنيبه الكارثة من جهة، ومن جهة ثانية، لإنقاذ أبنائه من الهدر المدرسي، وتمكينهم، بالمقابل، من تلقي دروسهم عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي.

يشي الظاهر والسطحي في هذه المحاولة، بالذكاء والفطنة، لكن على المستوى العميق، يعري الفعل خطوة غبية لم يحسن صاحبها التصرف، وعاكس السياق، وخالف مقتضى الحال، فالمنشور جاء ضد مجريات الأحداث، وأنزل في وقت كان فيه المستهدَفون منخرطين بحماس كبير في مهامهم الجديدة التي فرضها الوباء، وكانوا يتطلعون إلى تلقي رسالة شكر تعترف لهم بتضحياتهم، ولم يكن أحد منهم يفكر في ترقية أو ما شابهها، لأن تفكير الجميع، وبدون استثناء، منصب على إنقاذ الوطن، وقد لاحظنا كيف سارعت تنسيقية حاملي الشهادات العليا، التي تعد من أعند التنسيقيات التعليمية وأشرسها، إلى إصدار بلاغ أعلنت فيه عن تطوع أعضاء مكتبها بأجرة يومي عمل، ولم تأت على ذكر مطالبها، مما يعني من حيث المدلول، تجميد ملفها المطلبي تفاعلا مع الظرف العصيب، فلا أحد إذن طالب بالترقية، مما يعني أن الصمت كان هو البلاغة المناسبة التي ستحقق المطلوب، وأن هذا الموسم كان سيمر دون ترقية، وبتفهم الجميع، دون لجوء إلى مشرط قرار حفر جرحا عميقا في النفوس، وذكر المرابطين على خطوط التماس، أن رئيس حكومتهم يفكر بمنطق آخر بعيد عن انتظاراتهم، ولا يشاركهم انخراطهم الإيجابي في مشروع إنقاذ الوطن، ويفكر بطريقة براغماتية بغيضة تزرع الإحباط في النفس، وتفرمل الاندفاع، يقول المفكر الفرنسي لويس آلتوسير: «إن الجواب عن سؤال لم يطرح البتة، أو عن سؤال مكبوت، لا يمكن أن يكون إلا جوابا خاطئا»، فمنشور رئيس الحكومة بمثابة جواب عن سؤال ترقية لم يطرحه أحد، ولم يفكر أحد في طرحه، وبالتالي، فهو قرار خاطئ ينطق بحس بلاغي في درجة ما تحت الصفر لدى رئيس الحكومة، وبغياب القدرة على إثارة مشاعر المواطنين، والموظفين على الخصوص، لتحفيزهم على العطاء أكثر، وليس إحباطهم وزرع اللاثقة في نفوسهم تجاه الحكومة وقراراتها بلغة جافة هي أقرب ما تكون إلى لغة الحرب، يقول إبراهيم أنيس: «إن لكل كلام ظروفا ومناسبات، ويعرف المتكلم كما يعرف السامع ما تتطلبه هذه الأمور من تعابير لغوية، فليست اللغات مفردات ترد في المعاجم، ولا جملا منفصلة تدون في الصحف، وإنما الأصل في كل لغة أن تكون في صورة كلام يتصل اتصالا وثيقا بالمتكلمين والسامعين»، فجسر الاتصال الذي يقتضيه المقام التواصلي كان مغيبا تماما، لذلك اتسم المنشور بالجفاء الذي يبدو ناشزا غير مطابق لمقام يستدعي استخدام لغة العاطفة والاتكاء على الاستراتيجية الباتوسية المتوسلة بعبارات رقيقة شفافة تدندن حول الشكر والامتنان، ويبقي صاحبها على موضوع الترقية في دائرة المسكوت عنه، ولن يطالبه أحد بإخراجه منه في هذه اللحظة.

لقد افتقد رئيس الحكومة الحس البلاغي، مما جعله يسقط في مطب عدم إدراك بلاغة الصمت، ودورها الإيجابي والحاسم في أداء مهمة جسيمة مثل هذه، وفي هذا السياق، نذكر بتصور ابن المقفع للبلاغة التي يرى أن «منها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستمتاع، ومنها ما يكون في الإشارة»، فالصمت في هذه الحالة كان سيعد فعلا بليغا، لكن الجهل بالبلاغة، أدى بصاحبه إلى السقوط في دائرة المكشوف، ونطق بفجاجته، وأظهر ضمور حسه البلاغي و«بلادته» التواصلية.

تعليق واحد

  1. قالو واش كتعرف العلم ؟ قالو تنعرف نزيد فيه !
    أو كما يقال كذلك : فاقد الشيء لا يعطيه ! رئيس حكومة وحزب ركب على أحداث اجتماعية للوصول الى السلطة لا يمكن أن يؤدي دورا بعيد كل البعد عن إمكانيته وعن الهدف من وراء ذلك : لقد جاؤوا من أجل الاغتناء السريع والتسلق الاجتماعي مستغلين نقطة ضعف الشعب ألا وهي الجانب الديني !!!! أما الكريزمة والقبول المطلوب في السياسي أو الزعيم فذلك شرط بعيد المنال !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box
إغلاق
إغلاق