الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | عائلة زمور والعصابات الإسرائيلية في باريس

تعالوا نتحدث عن الإرهاب..

التزام مصطفى العلوي مع قرائه مستمر :
يواصل الراحل مصطفى العلوي التزامه مع قرائه رغم وفاته، فقد كان الراحل حريصا على ترتيب مواعيده مع قرائه من خلال كتابة ما يجب أن يكتب، في انتظار نشره، بل إن طاقم “الأسبوع” بعد التنقيب في خزانة الفقيد، عثر على مقالات وروايات واقعية مكتوبة بخط يده، ولم تنشر من قبل، سنعمل على الإستمرار في نشرها وفاء لروح أستاذنا مصطفى العلوي في ركن “الحقيقة الضائعة”.

بقلم: مصطفى العلوي

قد يقول قائل، أن الفرنسيين لم يكن لديهم خيار آخر غير اللجوء إلى الإرهاب، وهم يواجهون الثورة الجزائرية، بعدما استسلموا للثورة التونسية والمغربية، واضطروا لضرب القيادات الوطنية في شمال إفريقيا، وفي بعض الدول الإفريقية – كما سبق ذكره – وهذه سنة الحرب، أرغمتهم على توسيع رقعة إرهابهم إلى أطراف أروبا، فاغتالوا في سويسرا وفي ألمانيا، وفي إيطاليا، وسيأتي الحديث عن اغتيالات أخرى في مناطق أخرى من العالم.

لكن قليلا من التأني سيظهر – بما لا يدع مجالا للشك – أن الإرهاب الأروبي لم يكن مبرره هو الثورات العربية في شمال إفريقيا، ذلك، لأن هذا الأسلوب الجديد في معالجة المشاكل عن طريق الإرهاب، كان اختيارا أروبيا في مرحلته الأولى، ولم يكن اختيارا عربيا على الإطلاق.

ولقد أصبح الإرهاب أداة جديدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وابتداء الاستعداد للحرب العالمية الثالثة عن طريق مرحلة الحرب الباردة، لكن التطور المثير للاستغراب، هو تهافت عناصر الإجرام على هذه “المهنة” الجديدة، وتنظيمها، وإدراجها في عداد الاختصاصات المريحة، بصرف النظر عن كون أهدافها سياسية أو اقتصادية.

فقبل الخمسينات، كانت عمليات الاغتيال متعارفة في أوساط أصحاب المصالح والمتنافسين، وحماة التجار، بواسطة عصابات المافيا، التي تأسست أصلا لحماية المستضعفين من المهاجرين الصقليين والإيطاليين إلى الولايات المتحدة، في وقت كان يجري فيه تشييد الإمبراطورية المالية في العالم الجديد، ولكن البوابة الجهنمية التي فتحها قدماء المحاربين الفرنسيين ورعاع الحرب العالمية الثانية ليدخل منها إلى عالم الإجرام عنصران حديثا العهد بالوجود، هما المستعمرون المطرودون من الجنات التي كانوا ينعمون بها، والإسرائيليون الذين قرروا نقل خطر الاصطدامات مع أصحاب فلسطين الشرعيين إلى الميادين الأروبية، حيث يتوفرون على رصيد بشري ومادي يفوق الخيال، لذلك نجد هذين العنصرين كالطيور التي على أمثالها تقع، يلتقيان على صعيد الانتقام، من العرب أولا، ومن منافسيهم على الساحة الأروبية، في مجالات الابتزاز “الراكيط”، والمساومة “الشانطاج”، والدعارة “البروكينيتزم”، والمخدرات “الدروغ”.

فلم تبق حدود بين الأهداف السياسية والأهداف الأخرى للإرهاب، بل إن المختبرات التي أقامتها أجهزة المخابرات العالمية، استطاعت أن تخلق ترابطا بين الأهداف كلها، لتبقى الغاية واحدة.

والقراءة لواحد من الملفات التي يتربع فيها الإرهاب على عرش الأحداث، خير من الإطالة في الحوم حول الموضوع.

الإخوة زمور

زمور، اسم لقبائل بربرية مشهورة بشهامتها ونخوتها وإسلامها، وكفاحها ضد الاحتلال، تتواجد جذورها في الأطلس المتوسط بالمغرب، وفروعها في الجزائر وتونس.

ولكن هذه القبائل المتأصلة في ميادين الشرف والأصالة، لا علاقة لها إطلاقا بعائلة “زمور” التي نفتح ملفها في هذا الموضوع.

“زمور” عائلة يهودية، نشأت في الحي اليهودي بمدينة سطيف بمنطقة القبائل في الجزائر، وكان أب العائلة “ريمون زمور” يهوديا وديعا فقيرا، لم يتصور يوما أن أولاده سيصبحون من أخطر العناصر في تاريخ أروبا والولايات المتحدة.

أولاده الخمسة: “إدغار”، “أندري”، “جيلبير”، “ويليام”، و”أولاند”، من أم واحدة هي “روز”، كانوا جميعا يتفرجون على مجازر 1945 بمدينة سطيف بالجزائر والتي كانت سلمية، فانطلقت رصاصة من بندقية وقتلت عربيا، كانت قطرات دمه ينبوعا لبحر من الدماء، إذ تقدر الإحصائيات الرسمية عدد ضحايا حوادث سطيف بخمسة وأربعين ألف قتيل.

وبقيت العائلة في الجزائر إلى سنة 1954، حين بدأت الثورة الجزائرية المسلحة، فقررت مغادرة البلاد، كالفئران التي تكون أول من يغادر المركب قبل غرقه.

ولم تلق عائلة زمور بأفرادها في البحر، وإنما في شوارع باريس، حيث بدأ أولاد زمور حياة من نوع جديد، وكانت مغامرات الابن الأكبر خطيرة في عالم الدعارة، فتم العثور عليه ذات يوم من سنة 1957 جثة طافية فوق مجاري مدينة باريس، وقد اخترق جسمه سيل من الرصاص.

واضطر الابن الثاني “إدغار” إلى الحيطة بالدخول في حماية الجالية اليهودية في باريس، لكن الأوساط اليهودية في باريس أخطر بكثير مما كان يتصوره “إدغار زمور” الذي أراد منافسة يهودي آخر اسمه “ماكسيم خليفة”، فكان هذا الأخير أسرع من الأول، حينما أطلق عليه سنة 1961 عدة رصاصات في وسط شارع الشانزيليزي بباريس.

وجمع الأب أولاده الثلاثة، رابعهم “إدغار” المجروح بالرصاص، ونصحهم بالاحتفاظ على شرف العائلة، والقناعة بما يحصلون عليه من ممارسة التجارة في عالم الدعارة.

وكان هذا المجال – بدوره – منطقة محرمة في باريس، “فتوتها” إخوة آخرون يسمون الإخوة “اطلان”، لم يسمحوا للإخوة “زمور” إلا أن يكونوا تحت إمرتهم، وكلفوهم بالاهتمام بهذا المجال المريح، خارج الحدود، وفي ألمانيا بالتحديد، واتصل الإخوة “زمور” في فرانكفورت بملك الدعارة الألماني “ريون لوير”، وهو بولوني الأصل، له نفوذ كبير في فرنسا أيضا، لأنه عضو عامل في جهاز الاستخبارات الفرنسية، وحامل لبطاقة مجموعة “لوساك” رفاق السلاح.

وكان هذا البولوني قد لجأ إلى ألمانيا بعد أن أقام عصابة لمساعدة الفرنسيين القاطنين في الجزائر على تهريب أموالهم بعد استقلال الجزائر، فكانوا يسلمون له في الجزائر أموالهم على أن يوصلها لفرنسا بطرقه الخاصة، على أن يأخذ نسبة مائوية.

ولكن أي واحد من أولئك الفرنسيين لم يتسلم مليما واحدا من الملايين التي سلموها لعصابة “لوير”، وقد كان محاميه في فرنسا “بيير لومارشان” من أكبر الأقطاب في مجال المخابرات، وهو الذي دبر عملية اختطاف السياسي المغربي المهدي بنبركة، ولا يستطيع أي رئيس محكمة فرنسية أن يواجهه.

وعندما أصبح النظام الفرنسي – بعد مجيء الجنرال دوكول للحكم – محتاجا إلى عصابات قوية لتصفية المعارضين الفرنسيين الذين نظموا انقلابا ضد الجنرال دوكول في فرنسا، وحاولوا اغتياله في منطقة “لوبوتي كالامار”، تطوع عدد من المرتزقة، مستجيبين لنداء الإرهاب.

وتسلم الإخوة “زمور” بطاقات الشرطة السرية الغير معترف بها قانونيا “بوليس باراليل”، وأصبحوا أسلحة فتاكة في يد الأجهزة الخاصة، وبذلك، أصبح اليهود في فرنسا يستنجدون بحمايتهم، خصوصا بعد أن كثرت العصابات التي تستنزف أموالهم بوسائل عدة، ومبررات شتى.

وكان يهود فرنسا في الستينات، يرتعشون خوفا، ويقتسمون أموالهم مع العصابات – اليهودية أيضا – والتي كانت تفرض عليهم ضرائب سرية لتمويل حكومة إسرائيل، إن بالعنف أو بطيب الخاطر.

هذه العصابات الاستفزازية التي كان يهود باريس يدينون لها بالولاء المفروض تحت طائلة الإرهاب، معروفة من طرف جميع الأجهزة، جاعلة مقرها في نزل يسمى “شمس الجزائر” – لأنهم أصلا من يهود الجزائر – وبمقصف هذا الفندق، كانوا يعقدون الصفقات، ومنه كانوا يصدرون القرارات، وكان أقوى رجال هذه العصابات يسمى “موريس صهيون” واحد من الإخوة “اطلان”، الذين لم يسمحوا للإخوة “زمور” بممارسة أي نشاط في مناطق نفوذهم.

وفي إحدى الليالي الباردة من نونبر 1965، كان “موريس صهيون” جالسا كأحد أبطال الأفلام في مقصف “الكتكوت الأزرق”، حينما فتحت البوابة الزجاجية، ووقف أمامه ثلاثة رجال أصلوه بنيران مسدساتهم.

وفجعت عائلة “اطلان”، وكان رئيسها، الأخ الأكبر “اطلان”، جالسا ليلة 20 دجنبر 1966، ينسق للانتقام من اغتيال أخيه “صهيون” في مقصف بزقاق “روديي” حينما دخل عليه مجهول وأرداه قتيلا برصاص مسدسه.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box
إغلاق
إغلاق