تحليل إخباري

تحليل إخباري | الفيروس الذي “قتل” الصحف الورقية وخلق أكبر أزمة بين الصحافيين

"كوفيد - 19" ينجح في المعركة التي فشل فيها الاستعمار

إعداد: سعيد الريحاني

    دخل فيروس “كورونا”، الوافد من الصين، إلى بيت الصحافة دون استئذان، ليقتل الأم في بيتها، أمام أبنائها، والخطير في الأمر أن الأبناء الذين انشغلوا عن والدتهم بتتبع أخبار مواقع التواصل الاجتماعي، لم ينتبهوا لأمهم وهي تحتضر، ففيروس “كورونا” يتفوق على باقي الفيروسات في كونه يمنع الأم والأب من معانقة أبنائهما في اللحظة الأخيرة.. تلك هي حال الصحافة الورقية هذه الأيام، فلأول مرة، لن يكون بإمكان قراء الجرائد متابعة صحفهم المفضلة وغير المفضلة إلا من خلال الأنترنيت، بعد أن فرضت حالة الطوارئ الصحية إغلاق كافة الأكشاك.

دون سابق إنذار، ودون أدنى احترام لإجراءات الدفن(..)، ولأن الظرفية استثنائية، فقد صدر يوم الأحد الماضي، بلاغ دعت من خلاله وزارة الثقافة والشباب والرياضة، جميع ناشري الصحف والجرائد الورقية، إلى تعليق إصدار ونشر وتوزيع الطبعات الورقية، وذلك ابتداء من يوم الأحد 22 مارس 2020، وحتى إشعار آخر، قبل أن تكرر الوزارة نفس العبارة التي تكرر في كافة بلاغات هذه الأيام: أن ((هذه الدعوة تأتي في إطار حالة الطوارئ الصحية المعلنة في المملكة، وتفعيلا للإجراءات المتخذة من أجل مواجهة انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19))).. هكذا تحدثت الوزارة التي يوجد على رأسها الوزير حسن عبيابة، قبل أن تهيب بجميع المؤسسات الصحفية المعنية، بـ((الاستمرار في توفير خدمة إعلامية في صيغ بديلة في الظروف الحالية، والمساهمة إلى جانب باقي مكونات الإعلام الوطني، في جهود الإخبار والتحسيس والتوعية الموجهة للمواطنين)).

“قتل” الصحافة الورقية حتى إشعار آخر، كان بمثابة قتل للأم، لكننا لم نسمع أي نحيب أو بكاء(..)، رغم أن الصحافة الورقية هي التي ساهمت في حماية الأبناء قبل أن يتعرفوا على تقنيات التواصل الاجتماعي وأدوات العمل في “غوغل” و”الفيسبوك”..

أين نحن من ذلك الزمن الذي كانت فيه أقلام أيدي الصحافيين الحاملين للأقلام على أبواب مقرات الجرائد والطبع، وأماكن الاختطاف والتعذيب؟ أليس منع الصحف الورقية حلما استعماريا؟ ألم يكن أول تعديل جوهري على الظهير المتعلق بالصحافة، والذي اتخذه المقيم العام سنة 1919 هو إلزام كل مغربي يريد إصدار دورية أو جريدة، أن يكون حاصلا على رخصة مسبقة بدلا من مجرد التصريح بذلك؟

ألم تكن الصحافة الورقية هي أم التواصل فيما يتعلق بالسلطان وشعبه؟ ويا غرابة هذا الزمان، فوسائل التواصل أيام زمان، كما أحصاها المؤرخون، كانت هي: “البراح، الذي يتجول رافعا صوته بالأخبار الجديدة في الأحياء والأسواق حيث تتبادل السلع والمعلومات”، و”المسجد والزاوية والمدرسة العتيقة حيث يتجمع المصلون والمتعلمون لتلقي الأخبار ومناقشة قضاياهم”، أما اليوم، فلا أخبار غير أخبار وباء “كورونا”، وياله من مكر الزمان، حيث تزامن إغلاق الجرائد مع إغلاق المساجد(..).

الزمن ليس هو الزمن، لكن الإغلاق واحد والنتيجة واحدة(..)، كل هذا بسبب فيروس “كورونا” المستجد المعروف بـ “كوفيد – 19″، أين نحن من ذلك الزمن الذي كان فيه الزعماء كالمهدي بنبركة، ومحمد بن الحسن الوزاني، وعلال الفاسي، وعبد الله إبراهيم، وعبد الرحيم بوعبيد، والمكي الناصري، وأحمد بنسودة، وعبد الهادي بوطالب، وآخرون.. يدبجون المقالات في نهاية الخمسينات وبداية الستينات من القرن الماضي؟ ويالها من مفارقة.. فالذين كرسوا حياتهم لخدمة الصحافة الورقية، لم يكن لهم إلمام بأداوات العمل الصحفي، علما أن الصحافة الورقية لم تكن صحافة مقاومة فحسب، بل إن النظام والمستعمر كانت لهما صحافتهما أيضا، وكان من أبرز تجليات المواقف والصحافة، هو الورق(..).

أين نحن من ذلك الزمن الذي اجتمع فيه الراحل مصطفى العلوي، مؤسس جريدة “الأسبوع الصحفي”، باعتباره صاحب جريدة “أخبار الدنيا”، مع رؤساء تحرير، من قبيل رئيس تحرير جريدة “العلم” عبد الكريم غلاب، ورئيس تحرير جريدة “التحرير” عبد الرحمان اليوسفي، وامحمد بوستة رئيس تحرير جريدة “الاستقلال”، وإدريس الفلاح رئيس تحرير جريدة “لاناسيون”، وأحمد بن كيران رئيس تحرير جريدة “ماروك أنفورماسيون”، وهاشم أمين رئيس تحرير جريدة “العمال”.. الذين اجتمعوا يوم الجمعة 25 يناير 1963 بفندق حسان بالرباط ليؤسسوا النقابة الوطنية للصحافة المغربية، كإطار نقابي مستقل عن الحكومة(..)؟

فيروس “كوفيد – 19” مسح بين عشية وضحاها كل هذا الورق، وكل هذا التاريخ، ولم يتذكر سوى عدد قليل من الناس الأيام الجميلة للكفاح والمواقف بعدما انشغل الجميع بتدبير الخوف(..) والخلافات، وها هو فيروس “كورونا” يتسبب في أكبر أزمة للجسم الصحافي، بعد أن أعلنت الوكالة المغربية العريقة للأنباء سحب اعترافها بالمجلس الوطني للصحافة، وهي الوكالة التي تضم مئات الصحافيين وعشرات المكاتب عبر العالم.

تقول وكالة المغرب العربي للأنباء، التي يوجد على رأسها خليل الهاشمي الإدريسي، في بلاغ تاريخي وصادم: “في إطار التعبئة الوطنية الحيوية ضد فيروس كورونا المستجد، والانخراط الإعلامي الحازم لوكالة المغرب العربي للأنباء ضد تفشي كوفيد – 19، تطلق وكالة الأنباء المغربية، طبقا لقانونها رقم 02 – 15، في فصليه 3 و14، بطاقتها الصحفية المهنية الخاصة بها.. ولا يمكن فرض الشروط التي وضعها المجلس الوطني للصحافة، الهيئة غير الدستورية، أمام هذه الأزمة الصحية غير المسبوقة التي تعيشها البلاد، سيكون من اللامسؤول عدم تزويد صحافيي وكالة المغرب العربي للأنباء ببطاقة صحافة مهنية تمكنهم من أداء مهنتهم.. في انتظار تعديل القوانين التي تؤسس لهذا المجلس الوطني للصحافة”.

سحب الاعتراف ببطاقة المجلس الوطني للصحافة، هو سحب للاعتراف بالمجلس الوطني الذي يوجد على رأسه الاتحادي يونس مجاهد، هذا الأخير أصدر بلغة الأزمة، بلاغا لا يقل حدة من حيث اللغة الصدامية عن بلاغ “لاماب”، متهما الوكالة بخرق فصول القانون الجنائي، وقد قال وكأنه يدعو لسجن صحافيي الوكالة: “يؤسف المجلس الوطني للصحافة، أن يضطر في هذا الوقت الذي تتجند فيه كل القوى الحية في البلاد لمواجهة جائحة كورونا، للرد على قرار خطير  تدعو فيه مؤسسة عمومية إلى ارتكاب أفعال تقع تحت طائلة القانون الجنائي”.

فإدارة الوكالة تخرق، حسب المجلس بقرارها منح بطاقة صحافة بديلة، مقتضيات المادة 12 من القانون رقم 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين، الذي ينص على أنه “يتعرض للعقوبات المقررة في مجموعة القانون الجنائي، كل من انتحل صفة صحافي مهني أو من في حكمه، لغرض ما، دون أن يكون حاصلا على بطاقة الصحافة المهنية، أو قام عمدا بتسليم بطاقات مشابهة لبطاقة الصحافة المهنية المنصوص عليها في هذا القانون”، كما أنها تخرق مقتضيات المادة 3 من القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر الذي ينص على أنه “تمارس هذه الحقوق والحريات طبقا للدستور وفق الشروط والشكليات الواردة في هذا القانون، ووفقا للقانون رقم 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين، والقانون رقم 90.13 المتعلق بالمجلس الوطني للصحافة”، حسب بلاغ المجلس الوطني للصحافة.

هكذا دعت الوكالة إلى تغيير القانون(..)، فجاء جواب المجلس بالإحالة على القانون الجنائي.. أليس هذا نجاحا باهرا للفيروس؟ أليس هذا تحقيقا للرغبة الدائمة من طرف عدة جهات لمزيد من تفكيك الجسم الصحفي؟

إنها أزمة غير مسبوقة تضرب الجسم الصحافي، والمؤكد أن حلها لا يوجد في القانون الجنائي، بل في الحوار وصياغة قوانين يخضع لها الجميع، ولا تخدم فئة دون أخرى(..)، وقد أثبتت القوانين الجديدة عجزها في حل بعض الحالات، تفرض التعاون بين الجميع لتجاوز الاختلالات التي تسرب بعضها إلى القانون(..).

بين هذا وذاك، وفي عز الأزمة بين المجلس الوطني للصحافة ووكالة المغرب العربي للأنباء وعدة صحافيين آخرين.. أصدرت النقابة الوطنية للصحافة، دليلا للصحافيين للعمل في زمن “كورونا”.. إنه زمن “كورونا” حتى إشعار آخر.

 

 

 

تتمة المقال بعد الإعلان

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق