ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | الأخطاء الكبرى لتقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول حراك الريف

فصل "القضائي" عن "الحقوقي" أخطر ما تعيشه المملكة

أعد الملف: عبد الحميد العوني

 

إن نشر تقرير لمجلس الوصاية الحقوقية في المملكة، بعد إصدار حكم استئنافي قاطع مجرياته المحاكمون، لا يفيد سوى المزيد من “تسييس السياق”، تماما كما اعتبر التقرير أن “احتجاجات الحسيمة” جاءت في “سياق فريد يتجلى في الصعوبات التي واجهتها عملية تشكيل الحكومة”، فيما الاحتجاجات إعلان عن “فشل النموذج التنموي” الذي أقره النظام السياسي أخيرا، ويعمل جاهدا على بناء آخر عبر لجنة مكلفة من نفس صناع الأزمة يقودها وزير داخلية سابق.

تتمة المقال بعد الإعلان

إن ملفا يشهد المجلس أنه عرف “العديد من التحولات والاهتزازات” دون أن يبادر أحد إلى منعها أو الحؤول دونها، يعني بأن المحاكمة التي جاءت ثمرة لهذه الاهتزازات غير عادلة، خصوصا وأن المجلس لم يقم بمنعها، وإن كان المجلس الوطني قد حقق لفترة طويلة من أجل ضبط الحالة، فإن الأجهزة الأخرى التي سارعت إلى تكييف التهم، لم تأخذ الوقت الكافي لتحقيق العدالة.

وما حدث من تحوير لمبادرة الاستقبال والإنصات والتفاعل مع أسر وأقارب الضحايا، من فعل “الوساطة المؤسساتية” إلى إنجاز تقرير، هو استغلال ثقة ممنوحة لأهداف لا تفيد المصرحين، في وقت تكون فيه “مساواة الأطراف”، خصوصا بين المتظاهرين السلميين وعناصر الدولة المحتكرة للسلاح ضربا من العبث، لذلك، فإن محاولة بناء مقاربة موضوعاتية بعيدا عن “الوضعية أو القناعة”، يخرج المجلس عن دوره، لمساسه بوضعيته “المؤسساتية” وقناعته “الحقوقية”، فالقول أن “احتجاجات الحسيمة حدث لا نظير له في سياقات حقوق الإنسان في المغرب” يضع الجميع أمام أمرين: محاولة فرض “الاستثنائية” على احتجاجات سلمية، ثم اعتبار أن حقوق الإنسان في المغرب سياقات؟ وليس سياقا، يتطلب الجرأة لوضعه تحت الفحص.

إن صياغة الصفحة الأولى فقط من ملخص تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان، تحمل لغة “غير قانونية وغير إجرائية” تسير أبعد عن الدور المنوط بمهام المجلس مع كل سطور هذا التقرير، خصوصا في طريقة استعراض وتأويل الاجتهادات القضائية الدولية “المحدودة بحالات محددة” لا يستقيم وضعها المرسل في حدث يجب أن تكون له معياريته، لذلك، فالخروج بالاجتهاد الخاص والمحصور في نازلة إلى ما يسميه المجلس “النظرة العامة”، هو انزلاق، خصوصا وأن الرسميين مايزوا بشكل مفرط بين المقاربة القضائية والحقوقية بما اختلت معه قيمة “العدالة” في الميل “السريع و المتطرف” للإجراءات.

————

تتمة المقال بعد الإعلان

 

+ احتجاجات الحسيمة

 

رفض المجلس استخدام “أحداث الحسيمة” من دلالته اللغوية، و”حراك الريف” لنفس العلة، ولعدم رغبة إطلاق الكل على الجزء، وقد وصف الأحداث من أكتوبر 2016 إلى أكتوبر 2017 باحتجاجات الحسيمة، وهو ما يجعلها تحت ضمانات “حريات الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي” الموصوفة من البداية، وليس في النتائج، بأنها “عرفت طابعا عنيفا”، ويختلف هذا عن عبارة “عرفت عنفا”، فالقول بوجود “طابع عنيف”، يعني من البداية إلى النهاية، وهو ما لا يتفق مع المجلس في بعض فقرات تقريره، لذلك، ارتأينا أن نعرض الأخطاء الكبرى التي وقع فيها المجلس على التوالي:

1) إن صياغة “عرفت الاحتجاجات طابعا عنيفا”، تؤكد أنه من بدايتها تواجد العنف لأنه طبعها، رغم أن الدولة “مارست عنفا” في إجراءاتها منذ مقتل محسن فكري، على الأقل عند معارضيها، وردت الساكنة برفض عنف الدولة المتواصل عبر إجراءاتها، وعدم الاستجابة لمطالب ساكنة لشهور وصلت معها الأحداث إلى “أعمال شغب”، حسب المجلس، وذلك لـ”حدة العنف” الذي عرفته الاحتجاجات، فالطابع العنيف للاحتجاجات بدأ من  الانطلاقة وعرفت أعمال شغب في مرحلتها الأخيرة، ويؤكد المجلس شقين للاحتجاجات: “سلمي”، و”عنيف” في موضع آخر، ولهذا الخلط، على المجلس أن يحقق في من أخرج الاحتجاجات من طابعها السلمي إلى الطابع العنيف، وهو ما لم يتمكن المجلس من الإجابة عنه، هل الدولة هي المسؤولة، أم قيادة الحراك هي التي أخرجت الاحتجاجات عن سلميتها؟

2) لم يستطع المجلس قراءة بداية الاحتجاجات بشكل موضوعي، بسبب عدم تمكنه من أي خلاصة تجاه شرارة اندلاع هذه الاحتجاجات، أي مقتل محسن فكري، ولو كان تدخل المجلس الوطني لحقوق الإنسان فاعلا وقويا في هذا الاستشهاد، لأقبر هذه الأحداث في مهدها.

ومن لم يمتلك نظرة قانونية وحقوقية للبداية، لا يمتلك نفس النظرة في تقييم النهاية.

وقسم المجلس الاحتجاجات إلى سلمية لـ 6 شهور، أي طيلة أزمة تشكيل الحكومة مع بن كيران، وفور تنصيب حكومة العثماني، تقرر إنهاء الاحتجاجات، لذلك، فاليد التي تركت وحولت الاحتجاجات إلى احتجاجات عنيفة، يد سياسية.

3) الاعتراف بالتحاق بعض المواطنين من مدن المناطق المجاورة بالاحتجاجات، دون أن يؤدي ذلك إلى أي إخلال بالأمن أو تدخل من طرف القوات العمومية (بالحرف)، بما يؤكد أن حصر الاحتجاجات في الحسيمة خطأ، وقد ربط المجلس من حيث لا يريد العنف، بتدخل القوات العمومية.

وأشار التقرير إلى أن أعمال العنف بدأت مع أول محاولة اعتصام بنصب الخيام بساحة محمد الخامس، حيث خلق تفريقها إصابات مختلفة، وهكذا يحمل المجلس الوطني لحقوق الإنسان الدولة مسؤولية استخدام القوة غير المتناسبة لتفريق المعتصمين والانزلاق إلى العنف، دون أن تكون له الجرأة في إقرار ذلك في توصياته.

وشكل التدخل العنيف للدولة لمنع اعتصام ساحة محمد الخامس، انزلاقا يستدعي ترتيب المسؤوليات عما حدث، خصوصا بسبب استعمال القوة بشكل مفرط، وطابع الاعتقالات الذي شمل قاصرين.

4) التظاهر أمام مروحية مسؤولين قبل الإقلاع وأقلعت، ولن تكون لو رشقت بالحجارة (النقطة السابعة من كرونولوجيا الأحداث).

وقد قسم المجلس حالات “العنف الحاد”، بين التي نتجت عن المواجهة بين محتجين والقوات العمومية، دون تفصيل أو تسمية هذه القوات، وإن كان من داخلها من استخدم القوة أولا، وهل من كل حملة السلاح، ومن أصدر القرار بتفريق المعتصمين والذي تسبب، حسب المجلس، في هذه الكارثة، والشروع في أحداث نتج عنها رد فعل قاده تلاميذ بعيدا عن قادة الحراك في 26 مارس 2017 انطلاقا من مدنهم في اتجاه الحسيمة.

ولم ير المجلس أن قرار القوات العمومية بمنعهم من دخول الحسيمة وتفريقهم بالقوة مدعاة للذكر، وهو ما نتج عنه حريق تسبب في خسائر وصفت بأنها “بيد فاعل”، في حين أن هذه القوات من عناصر الشرطة قفزت من أعلى سطح البناية، ولم تستطع رغم تدابيرها في مثل هذه السيناريوهات، من التدبير الجيد لهذه الواقعة، لتعزز القوات من عديدها، ومن الخطأ تحميل خسائر قفز عناصر الشرطة لقادة الحراك، رغم أن قرار التفريق بالقوة جاء صادرا عنها.

5) دعوة المتظاهرين إلى “احترام القانون”، يفيد أيضا “الاستمرار في التظاهر السلمي”، لأن هذا التظاهر قانوني، فقرار التفريق إجرائي تمثله السلطة القانونية، ولكنه لا يعني لوحده “احترام القانون”.

6) عدم مواكبة القانون لحالات استشفاء تسبب فيها “العنف الحاد” الذي لم يأت من طرف واحد، فتكرار تفريق المتظاهرين بالقوة، هو العامل المتكرر والوحيد في كل الأحداث المسرودة في التقرير، ويوضح التقرير أن كل الاحتجاجات مرتبطة بالعنف، بما فيها التي حول مستشفى محمد الخامس.

إن هذه الأحداث تحملها، حسب النيابة العامة، قادة الحراك، لكن العنف الموجه للمتظاهرين لم يحمل أي طرف مسؤوليته لقادة الأجهزة الأمنية، في إطار مقاربة “المساواة” التي اعتمدها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وهي على كل حال، تضع الجميع ضحايا والجميع مسؤولين في تضبيب كامل للعمل الاستقصائي.

7) أن استخدام المتظاهرين للحجارة، يكون في نظر المجلس، بمجرد دعوة القوات العمومية للمتظاهرين بالتفرق، ومن الطبيعي أن المتظاهرين يواصلون ما اعتادوا عليه لستة شهور، ويأتي القرار، بعدها، بتفريق المتظاهرين بالقوة.

ولا يناقش المجلس في كل تقريره مدى شرعية تفريق تجمعات المتظاهرين السلميين بالقوة، ولا يرتب عن ذلك أي شيء، ورغم محاولة تصوير الحادث من زاوية الشرطي مطلق النار وزميله الذي ساعده في إطلاق الأعيرة التحذيرية، فإن عماد العتابي، أصيب بشظايا الرصاصة المرتطمة بالأرض فمات على إثرها، وأصيب الشرطي برضوض، فهل الرضوض الناتجة عن الحادث الذي قتل مواطنا حاصر فيه المحتجون سيارات الشرطة كفيل بالقول أن السيناريو المروي أقرب إلى الواقع؟

والاستفسار عن القوة “المستخدمة وغير المتناسبة” و”قرار استخدام القوة المفرطة” التي انتقلت من منع الاعتصامات إلى تفريق أي تظاهرات سلمية، هو الذي ساهم في تدهور الوضع، والتقرير تغيب عنه هذه الجوانب والإجابات.

وعرفت مراسيم دفن عماد العتابي مواجهات عنيفة دون إجراء أي تحقيق، لأن ترتيب المسؤوليات على حادثي وفاة محسن فكري ثم عماد العتابي، سببا في إحساس المواطنين بعدم المساواة أمام القانون.

8) عدم توضيح الأجسام الصلبة.

9) رغم اتهام المتظاهرين باستخدام العنف، فإن السماح لعناصر الشرطة بمغادرة السيارات المقذوفة، يكشف عن محدودية استخدام “العنف الحاد” من المتظاهرين، إن وافقنا بتحفظ على اصطلاحات المجلس التي يجب تدقيقها، لأن العنف الذي حدث معقد، ولا ينطبق على هذه الحالات اصطلاح “العنف الحاد”، وإن بتعبير اجتماعي، كما توضحه ندوة باريس 2001 ومقال جاك سيملين(1)، لأنه يفترض مظاهرات “خارج المعايير”، والقياسان غير دقيقين، وإن حكمنا بذلك، فإن الاحتجاجات ستكون مناطقية، وتشمل الريف وليس احتجاجات خاصة بمدينة الحسيمة، لذلك، جاءت مقاربة المجلس شديدة المفارقة.

ولأن هذه النظرة لا تسمح بنعت النظام السياسي بـ”العنف”، فإنها تستبدله بـ”التوليتاري” حسب اصطلاحات حنا أردنت.

وقرار الدولة بمنع التظاهرات، جاء “ممنهجا وحاسما” لمنع وضعين: استمرار شهور أخرى من التظاهر السلمي، ومنع العودة إلى التظاهرات بعد منع الاعتصامات، وهو اختلال يؤكد لاعقلنة القرار السياسي، كما يقول سيملين في مداخلته بندوة 1998(2).

وحسب قاعدة القانون الجنائي الدولي منذ سنة 1936، فإن العنف هو استخدام للقوة دون موافقة الشخص أو الطرف المقابل(3)، خصوصا وأن ضحايا عنف النظام الاقتصادي والاجتماعي أصبحوا ضحايا إضافيين للعنف المباشر، وبين شرعية عنف الدولة وشرعية فعل الاحتجاج الجمعي، رأينا أن هناك من رأى أنهم ضحايا “العنف الرمزي” ضد منطقة الريف ولغتها وتاريخها القريب في شخص عبد الكريم الخطابي، وكما يقول والتر بنجامين، فإن “العنف الثوري يحمل وجها من الشرعية في مقابل عنف الدولة لماكس فيبر”، كي لا تكون الدولة “ذراعا عسكريا للبورجوازية” بتعبير ماركس وإنجلز، ويدخل حراك الريف في الاحتجاج الاجتماعي، لأن المشكلة بين “العنف البنيوي” و”اللاامساواة الاقتصادية”، حسب ميشيل أونفاي(4) ضمن تفعيل ميكانيزمات حماية المجتمع المستهلك(5).

ليست النازلة في تكييف نظريات وقوانين الإجرام، كما كيفتها محاكمات نشاط حراك الريف، بل في استيعابها عبر القانون العام، لتنازع شرعية التظاهر السلمي وحجم استخدام العنف الشرعي من طرف الدولة، لأن القانون يحمي نفسه، ويحمي الحرية العامة، لذلك، فالتكييف الحادث غير دقيق، وأهم ما في شرعية العنف، أنه “محدود ومتناسب” أو “دائما في حدود” (قانون سكوت 288، 4 بين إر 379)(6)، ولذلك، فإن منع التظاهر استتباعا لحظر الاعتصام، هو مساس بالحق الإنساني في التجمع والتعبير، وبالتالي، الاحتجاج الذي يجمعهما، وكيف لمنظومة قانونية تحرم استخدام القوة في المنزل (العنف المنزلي) أن تمارس العنف على ضوء الهيمنة؟

يقول أويستان سارات وتوماس كينز في كتابهما “قانون العنف”(7): “إن أخطر ما عند الدولة، أنها تستطيع أن تحكم على الإنسان بالموت أو الإعدام، فباسم القانون يمكن أن نقصي ظاهرة أو شخصا إلى الأبد، لذلك، فالدولة لا تستقيم فيها المعايير، وهي تستطيع أن تقتل باسم القانون”.

فنحن، كما يقول الباحثان، أمام عنف ظاهر وعنف باطن للقانون، وعنف أيضا من باقي الوسائط المرتبطة بذات المنظومة، ولا يمكن، بأي حال، مساواة سلوك الدولة والفرد، أو مساواة رجل القانون وناشط اجتماعي، ببساطة، لأن القانون والعنف والأمة مقولات(8) لا تتطابق فيها الدولة مع “قانون” للعنف، أو “عنف القانون”، منذ الأثينيين اليونان، ولا يمكن إعادة إنتاج هذه المقاربة في فترتنا المعاصرة، ومحاولة صنع مقاربة محلية في الدفاع عن الممارسة بهذا البعد، هو فشل في تحديث المغرب، لأن مؤسساته تؤول بطريقتها خارج المنهج العلمي.

10) احتساب شغب الملاعب في المنطقة على حراك الريف، وفي كل الحالات يقول التقرير: “وعندما نادى العميد بفض التجمهر، بدأوا يرشقون رجال الشرطة بالحجارة”، ولا يقيم المجلس قانونية عدم السماح للجماهير بالتظاهر، وأيضا قانونية الإجراءات المتبعة، وبذلك، يكون الأمر متعلقا بأن التجمهر ممكن إلى أن يأتي عميد من الشرطة، ويقرر فض الشكل الاحتجاجي.

ونستشف من هذه المعادلة، صعوبة تبني مبادئ دستورية وممارستها في الواقع المغربي.

11) عرفت الحسيمة 814 مظاهرة، و340 منها تطلبت تأطيرا خاصا، بتعبير المجلس، وطبقا  للقانون، فهي الوحيدة التي يمكن محاسبة المؤطرين عليها، يتقدمهم ناصر الزفزافي ورفاقه.

ومن الدقة أن نعرف أن أكثر من 474 مظاهرة لم تكن تحت أي قيادة، ولذلك، يصعب بهذا الجرد والتبويب، محاكمة الناشطين المعتقلين عليها.

والقول أن 10 في المائة من المظاهرات فرقتها السلطات العمومية، يكشف رغبة المجلس في عدم إعطاء شرعية لهذه الإجراءات وإن بارك نتائجها، وبالتالي، فكل ما حدث بعيد عن المهنية، وقد اعتمد المجلس على مصادر إعلامية عن محمد الحسين كروط، محامي المديرية العامة للأمن الوطني، في مرافعته أمام محكمة الاستئناف، لقوله أن الأحداث خلفت في المجموع 902 ضحية، رغم أن تدقيق هذه المعلومة كان ممكنا، وموقع المجلس يسمح باطلاعه على المرافعة والجلسات لمراقبة محاكمة نشطاء الريف، ويكون النقل من مصادر إعلامية خطأ، ثم أن محاولة تصوير الجرحى بـ”الضحايا” التي ترتبط أيضا بالقتلى، هو إيهام كبير لا يزيد عنه إلا عدم تصوير المدنيين كـ”ضحايا”.

والفارق بين إحصائية المجلس ودفاع المديرية العامة للأمن، هو 4 أفراد، وحالاتهم غير موثقة بين الجهتين، ثم معاناة 111 عنصرا من مضاعفات عقلية، 34 منهم تحت العناية الطبية النفسية دون ذكر الضحايا المدنيين.

وقد يكون الضحايا نتيجة عدم رغبتهم في التدخل ضد متظاهرين سلميين، خصوصا وأن عدد الأشخاص الموقوفين وصل بين المدنيين إلى 400 شخص.

 

+ الوسائل المستخدمة من قبل الشرطة محددة، حسب تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في الدروع الواقية والهراوات (تونغا) وقنابل الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه فقط، وفي مقتل عماد العتابي، يصرح بـ”موته جراء شظايا رصاصة”؟

 

قد تكون رصاصة عماد العتابي رصاصة بـ”وجه غير مكتمل قانونا”؟ والتقرير الذي ظهرت في تجميعه الكثير من التناقضات والحسابات الأحادية، يحدد خسائر الدولة في 10 في المائة من التظاهرات، وهي التي فرقت بالقوة، في حدود 30 مليون درهم، أي بمعدل خسارة تصل إلى 370 ألف درهم في كل اشتباك أو تفريق.

12) الاجتهادات القضائية الدولية تسمح بإدانة فعل اقتحام الكنائس، لكن العقوبة في المغرب، وقد وصلت العشرين سنة، لا تطابق المعيار الأوروبي كما في قرار نفس المحكمة الأوروبية سنة 2015.

13) توظيف الرمز، حق لكل شخص حسب قناعته وضميره، ولا يجوز لمجلس حقوقي القول بوجود “معاني حقيقية” للرموز، لأنها عبارة غير دقيقة وتحتكر الحقيقة في زاوية محددة، ورفضها الحقوقيون، لأن اعتماد الحقيقة عند طرف هو الحكم ببطلانها عند طرف آخر، وهو ما يمس التعدد، ولا يعكس ما يسميه التقرير “الهوية المغربية المتعددة”.

14) رفض المجلس ما يوحد المحتجين في الحسيمة وباقي الوطن، لقولهم أن مطالبهم تندرج في مختلف مناطق المغرب، وهو ما يسعى إلى فصل الريف، والحسيمة عن باقي المملكة، رغم أن رفض دعوى المحتجين، يعود في نظر المجلس، إلى كون المطالب جاءت “متصاعدة دون تراتبية”، وهذا المبرر لا يمنع من كون المطالب التنموية هي مطالب باقي الجهات.

ويشهد المجلس بـ”الحضور القوي لإقليم الحسيمة في أجندة السياسة التنموية للدولة خلال العشرينية الأخيرة”، وقد رأى في فقرة أخرى بطء استجابة الحكومة وبدرجة أقل، الهيئات المنتخبة، ثم أن المحاولات الأولى للحوار لم تعتمد على مقاربة تشاركية، بما يؤكد أن المقدمات التي يعتمدها المجلس متناقضة.

15) أن المقتضيات القانونية المتوفرة، ألغت ظهير 1.58.318 المسمى بظهير العسكرة، ولم يحدث أن ألغي ظهير في المملكة بشكل صريح، بما يعني مواجهته بتأويل تغيير أو تتميم، ولم ترغب المملكة في الاستجابة لتغيير هذا الظهير بظهير.

16) اعتبار احتجاجات الحسيمة ضمن “الأعمال العدوانية” على الدولة، لتبرير المأزق عبر ما سمي “العنف الحاد”، ولم يتمكن المجلس من إخضاع هذه الاحتجاجات للمعايير السبعة للعنف الحاد، ثم أن اعتماد مقولة “العنف الحاد” لما يسمى “الأعمال العدوانية”، هو تجاوز قانوني، وبعبارة العهد الدولي، فإن “الأعمال العدوانية لا تقبل الجدل ولا تخضع للشك”، ونصف المجتمع المغربي أو ما يزيد، لا يرى هذه المقاربة، بما يبطل هذه الدعوى، وخطاب التمييز بدأه خطيب الجمعة في نظر أنصار الحراك، ويجب في هذه الحالة، محاسبة كل المتورطين.

ومخاطبة الزفزافي المحكمة بالعربية، يؤكد عدم وجود أي عنصرية، وابتعاد المسجد عن أي خطاب غير ديني، رسالة لحماية المجتمع من العنف والكراهية، ولم يحدث بين المحتجين من الحسيمة وباقي المجتمع المغربي، أي مظهر من مظاهر الكراهية، بل إن ساكنة الحسيمة والمقيمين فيها، احتجوا دون أي فوارق تذكر.

وأورد المجلس الاجتهاد البريطاني في غير محله، لاعتماد المجلس على المقاربة الأنجلوسكسونية، بينما القانون الذي حوكم به النشطاء المغاربة يعتمد على الفرنكفونية، رغم الفجوة بينهما، ولأن مدينة الحسيمة ليست مغلقة على جنس أو طائفة أو عرق، فإن عدم إحساس أي قاطن بالذعر والضيق والخوف، إلا بعد نية الدولة وقف التظاهرات، دليل على عدم وجود ما يثبت هذه الحالة، ثم إن الكلمات “القتالية أو المسببة في العراك” لم تدفع لحمل السلاح أو استخدام العنف أو الرد على العنف الممارس، إذ لم تكن “العنصرية” جزء من المعركة ضد العرب أو غيرهم، ولذلك، فإن الخطاب ضد جهة محددة، هي البوليساريو، ولا يختلف الخطاب العام في المغرب عن خطابات الحسيمة في هذه النقطة، رغم أن البعض يتهم الصحراويين في جنوب المملكة بسبب النزاع بمقذوفات لا تخضع للمحاسبة.

وأسقط القضاء المالي المتمثل في المجلس الأعلى للحسابات، تهم التشهير في نقد المحتجين لمسؤوليهم الجهويين وعلى المستوى الوطني، وأقال الملك بعض الأسماء.

ووضع الاجتهاد القضائي الأمريكي المستشهد به في التقرير، أهمية للخطر “الواضح والوشيك”، وليس القائم كما في ترجمة المجلس، ولا تدخل أشكال التعبير في التظاهر ضمن هذه الحالات، ولا يمكن عد الخطر وشيكا في سنة ولا قائما، لأنه مستمر، ولم يحدد المجلس “الخطر” الحسيمي (الريفي)، ولا يجوز بناء المنع على الاحتمال الضعيف في ارتكاب أعمال العنف، لذلك، فالقياس على الأحكام في الولايات المتحدة، غير معياري، ولا يمكن إنجاح اعتماد معايير “براند نبورغ” على الشرطة، وباقي قوات الأمن، لأن قرار منع الاعتصامات وليس الخطابات، هو أساس التدخل، كما يورد المجلس.

وتشبيه الزفزافي بـ”براند نبورغ” خطأ جسيم، لأن براند نبورغ هدد بـ”الانتقام”، وهو ما لم يقم به زعيم حراك الريف، ويقول أرلوند مارغولا في مجلة “قانون الإجرام وعلم الإجرام” في شتاء سنة 1933(9): إن المسألة تدور مع “النية السيئة”، لكن عامل الزمن والضغط غير المفرزين لرد الفعل، يبطل فعل التجريم.

وفي سنة من التظاهر، وبعد الاعتقال والتعذيب والمحاكمة والحكم بـ 20 سنة وطلبه إسقاط الجنسية، لم يدع الزفزافي إلى “الانتقام”، ورفض “الانتقام” من العلم الوطني في تظاهرات خارج المملكة، لذلك، فالزفزافي ليس مجرما في القانون الدولي والعهود الحقوقية المتأخرة، وفي ظلها يجب إطلاق سراحه.

إن عدم احترام معيار “العدالة البدائية” أو “عدالة القصاص” ومعايير “العدالة التوزيعية” و”العدالة الإلهية” (لا تزر وازرة وزر أخرى) المؤسسة على عدم ثبوت وخلو خطاب الزفزافي من الانتقام، يعتبر إشارة قوية إلى براءته، بل إن المنطوق القانوني لا يؤسس العقوبة على “الدعوى إلى المحاسبة” أو حتى “الانتقام الجماعي”، بل “الانتقام” من منطلق فردي ليحاسب عليه كل فرد محدد من نشطاء الحراك.

وعدم إثبات الانتقام في خطاب حراك الريف، يفيد عدم وجود عنف(10) إرادي موجه ضد الدولة، وبالتالي، هناك مأزق قانوني في التكييف الذي أنجزه المجلس، ومحاولة مطابقة الزفزافي على حالة الإدانة في القانون الأمريكي، تنقصها “الدعوة إلى اعتماد الإرهاب”، ولم تتمكن النيابة العامة من إثبات مثل هذه الجرائم، ويمكن أن يكون الضغط المتواصل على نشطاء الريف “حافزا على ذلك”، لكن القانون يحمي السجناء الذين يجري الضغط عليهم، وأي انزلاق لهؤلاء النشطاء، هو رغبة دفينة لمدينيهم.

ورفضت المحكمة الأمريكية في هذه النازلة اعتماد “الرؤية التقليدية” وألغت الإدانة، وقضت بأنه لا يمكن أن يستقيم العقاب دستوريا على فعل مجرد من القوة، ومحاكمة الزفزافي في هذه الحالة يجب أن تجري تحت قانون الصحافة المحلي.

وبناء عليه، فإن “التحريض غير المنتج، غير معاقب عليه” في المرجعية التي استشهد بها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، أما في شأن حرية التجمع، فإن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان اشترطت السلمية بصفة حصرية من داخل الخطاب وتوجيهات التجمع، وليس ما وقع عليه من عنف، إن كان مشروعا، لذلك، فحصرية ما يسمى “السلمية” قائمة أساسا على ما ينتجه التجمع، وليس ما يقع عليه، وعندما يطالب المتجمعون بـ”مجتمع ديمقراطي”، فإنهم بذلك يكونون في سياق ما أقرته المحكمة بشأن حماية القانون للتجمعات.

ولم تقم الدولة بحماية قانونية لهذه الاحتجاجات السلمية، بعد ما قررت رفض الاعتصامات، ورفضت بعدها وبالتبعية “التظاهرات الاحتجاجية”.

وحسب منطوق المجلس، فإن التظاهرات تعرضت لدعوة رسمية يحملها عمداء الشرطة لتفريق التجمع قبل كل مصادمة، وبناء عليه، فإن المغرب لم يحم قانونه احتجاجات الحسيمة حسب المعيار الدولي، بل صادم المحتجين عوض حمايتهم.

وبناء على قضية “ستانكوف” و”المنظمة المقدونية ضد بلغاريا” (2001)، فإن عدم وجود مجتمع ديمقراطي، يسمح للجماعة بالسير إليه.

ويقتنع الكثير من المغاربة بأن مجتمعهم غير ديمقراطي، ويجوز في هذه الحالة، وعلى خطوات المنظمة المقدونية، محاكمة حراك الريف للدولة المغربية، ولا تزال عائلات نشطاء حراك الريف لا تعمل في هذا الاتجاه، لأنها لا ترغب في تعقيد الملف أو تعقيد العلاقة بين الريف والقصر.

وقرار حل وتفريق تجمع بالقوة، وإن كان غير مرخص حسب المحكمة الأوروبية، يعد خرقا قانونيا، لأن الدولة لم تقم بتفعيل حماية القانون للتجمعات، وهو شيء يستبعده المواطنون المغاربة، خصوصا في الحسيمة وجرادة.

وطبقا للمادة 21 من العهد الدولي، فإن احتجاجات الحسيمة هي تجمعات اجتماعية غير مرخص لها، ويجب حمايتها القانونية.

ولم يكشف المجلس وجاهة و”ضرورة المنع” بمبرر أكثر إقناعا.

ولا يجب بأي حال أن يحاسب نشطاء الحسيمة عن العنف العفوي والمخالفات التي تحمل نفس الطابع، وبمنطوق قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

ولا يخفى عن أحد، أن نظام الإشعارات والتراخيص يفيد التضييق على حرية التجمع، لذلك، فإن الإقرار بوجود تضييق على التظاهرات السلمية في الحسيمة هو ما سبب في هذا الانزلاق.

وخضعت المصادمات للقانون الجنائي، دون إثبات السببية بين قادة الحراك والجرائم العفوية، وأيضا تقديم ملف عن الأضرار دون خبرات مضادة.

ورأى المجلس في موضع آخر، أن “الأحداث المعزولة لا تبرر تفريق المظاهرة”، فيما في مواضع أخرى، يدافع عن قرارات التفريق بمجرد إعلان الشرطي المكلف بتفريق المظاهرة.

وتبعا لهذه الروح:

1) لابد من تفريد العقوبات، ولا يجب محاكمة فرد بجرائم آخر أو آخرين.

2) لا يجب حرمان الفرد من حريته بمجرد مشاركته في مظاهرة عرفت “عنفا معزولا”.

3) التأكيد على خرق الموقوف للقانون وليس فقط لأنه وجد في مجال التظاهرة.

وهذه الصياغة مستمدة من تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان، غير أن هذه المعايير المذكورة بعيدة عن أرض الواقع.

وطبقا لإحصائيات المجلس، فإننا أمام 60 في المائة من مظاهرات في الحسيمة لم تكن تحت تأطير أمني خاص، و8 في المائة استعملت فيها القوة، وذكر المجلس في موقع آخر 10 في المائة، و”مع هذا الفارق المتمثل في 2 في المائة بين موضعين من التقرير، يظهر أن الدقة ليست جزء من التقرير”.

ومن حيث لا يدري، فإن التقرير يخدم الزفزافي ورفاقه، لأنه يركز على أعمال العنف في الحسيمة “معزولة”، ولا يمكن في هذه الحالة محاسبة الزفزافي ورفاقه عن هذه الأعمال، وبالتالي، فإن قدرة المجلس على إعادة تكييف الملف، حالة ممكنة، لذلك، يتوازن في هذه الحالة العمل القضائي والعمل الحقوقي بقرار من الدولة.

 

+ التعذيب.. الجزء المظلم في حراك الريف

 

حاول القضاء تعزيز دور قاضي التحقيق أمام المؤسسات الوسيطة المختصة كي ينتصر النص الجنائي القضائي غير المطابق للدستور، لتأخر مصادقة المملكة على مدونة جنائية معيارية تقوم بتنزيل دستور 2011.

وحاسبت الدولة نشطاء يدعون إلى “تعزيز الديمقراطية”، وبهذه المفارقة والممارسة التي لم تحتكم إلى القواعد الآمرة للقانون الدولي، يكون التزام المملكة غير وثيق بالحظر المطلق للتعذيب والمعاملة القاسية، ولذلك، فالأحكام العقابية في هذا الملف “تعذيب” ضمن منطوق المجلس نفسه.

و”لا يسمح، تحت أي مبرر، بهذه المعاملة والعقوبات القاسية التي حدثت”.

وبناء عليه، فإن العقوبات القاسية، حسب القانون الدولي، “تعذيب” يبطل شرعية الأحكام، مضافة إليها سمة “العار” في تعمد المعاملة لسوء الخلاف بين الدولة ونشطاء حراك الريف.

وحدثت معاناة من خارج السجن وداخله في السجون الانفرادية، وفي تسريب صور من داخل السجن لجسم ضحية، ونشرها بما يثبت التعمد بموافقة ضمنية من السلطة العمومية، لأن لا مسؤول على ما حدث، مع وجود تحقيقات لا تحدد المسؤول، بما تكون معه المسؤولية الكاملة للسلطة العمومية، وبالتالي الدولة، ومن ثم، فإن مرافقة المعاملة القاسية للعقوبة القانونية، يعد “تعذيبا”، ويجب تفسير مصطلح “العقوبات القانونية” في سياقات القانون الدولي لحقوق الإنسان، وليس القوانين التي يعتمدها البعض في سياق انتقالي، وغير مستقر أو معياري، لأن القانون الجنائي الحالي “انتقالي” ولا يتوافق مع الدستور، بما يجعله غير دستوري، ويمكن تأجيل دعوى الحكم بهذا القانون إلى حين المصادقة على القانون الجنائي الناجز في البرلمان، ولذلك، فالأفعال المكونة للتعذيب هي كل ضروب المعاملة الإنسانية المهينة (ترتبت عنها معاناة نفسية وعقلية)، والقاسية (لوجود معاناة بدنية)، لذلك، فإن القبول بمحاكمة تنكر هذه الممارسة وتؤولها أو لا تأمر بالقواعد الآمرة، يجعل كل التكييفات المقيدة باطلة، وقدم المجلس السلامة الجسدية قبل أي  شيء آخر، دونا عن السلامة النفسية ـ العقلية للضحايا.

وقد صنف المجلس مجموعات للضحايا، مرتكزا على “الأثر المادي الطويل الأمد”، مثل حالة الضربات على اليد بواسطة دباسة (كرافوز) التي جاءت متطابقة مع تصريحات الضحية، وبعد فحص أمر به قاضي التحقيق، لم تعد هناك أثار.

ونسب المجلس كل تعذيب ناتج عن مقاومة الإيقاف، وفي حالة ناصر الزفزافي، جاءت فقرة المجلس “صرح السيد ناصر الزفزافي، بأنه تعرض للضرب أثناء مداهمة الشرطة، مما أدى إلى إصابة فروة رأسه التي ستتم خياطتها في وقت لاحق”، وأضاف بأنه بعد تقييده ويداه خلف ظهره، تلقى لكمة على عينه اليسرى وأخرى على البطن، في حين أدخل شخص آخر عصا بين فخذيه فوق ملابسه، وأنه تلقى اللكمات والركل على طول جسمه، وصرح للطبيب أنه كان يفضل أن يعذب بدل أن يهان لفظيا، وأكد الطبيبان أن ما تعرض له يمكن أن يرجع للاستخدام غير المتناسب للقوة أثناء الإيقاف”.

ويطرح المراقب أن إمكانية استخدام الغاز المسيل للدموع في المقاومة، جزء آخر من المعاملة الممكنة، ولم يثبت تعرض أي شرطي في لحظة الإيقاف للعنف.

ولم تفرج السلطات عن الشريط المصور للإيقاف، ولقد أمر وزير العدل الأسبق بمواكبة التصوير لمثل هذه اللحظات، لذلك، فالقول بالقوة غير المتناسبة التي تتضمن استعمالها من طرف النشطاء، غير مؤكد، ولم يفرج عن أي دليل، وهو ما يتطابق مع شهادات أخرى لمراد الزفزافي وعبد الكريم بوكري ويحيى فقيه وإلياس تونيوش وبلال أحباطي وطارق لعنيسي وعبد الحق الصديق.

ووجد التكييف المغربي تبرير ممارسته لعناصر التعذيب أثناء الإيقاف، بما يؤكد حسب بروتوكول 2006 ضد التعذيب:

1) عدم وجود إرادة مؤسساتية تفي بالوقاية من “القطيعة مع هذا الأسلوب الجاري في الإيقاف والتحقيق”.

2) عدم وجود ميكانيزمات مراقبة.

3) عدم استخدام التصوير في الإيقاف.

4) عدم السماح بزيارة المنظمات الدولية الوطنية المستقلة لأماكن الاحتجاز،

بمنطوق المادة الأولى من البروتوكول الإضافي.

5) استخدام منطق التجزيء وعدم التجرد من المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومؤسسة قاضي التحقيق، بما يستدعي آلية وطنية للوقاية من التعذ يب، وهي التي تحسم الجهة المختصة.

 

+ إعادة المحاكمة لإثبات “عناصر التعذيب” في ملف حراك الريف، هو شرط النزاهة والتجرد القضائي

 

مع إثبات عناصر التعذيب في حراك الريف، لم يتمكن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، من دعم طي الصفحة، وإقرار العفو العام أو الخاص على نشطاء حراك الريف، أو إعادة المحاكمة دفاعا عن النزاهة والتجرد القضائي، بل انتهى التكييف الحقوقي من منظور مستتر إلى دعم  تكييف قضائي انتهى إلى الإدانة بعقوبات، وصفت عند الضحايا وأنصارهم بـ”القاسية”.

ومن المهم، يقول رودلي، أن يكون الضحايا غير مزدوجين، بتأمين معاملتهم كسجناء تحت القانون الدولي(12)، وليس تحت المعايير المحلية المشكوك فيها، لذلك، فضحايا حراك الريف بنفس ضحايا الدولة، يجب أن يكونوا تحت عناية خاصة، وليس بعضهم يخضع لتعامل قاسي في أداء العقوبة، وتعامل طبي في الجانب الآخر، لذلك، فإن ما حدث “تعذيب”، لأن حضور عنصر مادي وعقلي (أو نفسي) في المعاملة القاسية، يفترض “المساواة” في التعريف المستحضر لعلم السلوك، حسب مارتن باسوكلو في جامعة أوكسفورد(13).

ويثبت المجلس الوطني لحقوق الإنسان في تقريره، من حيث يريد النفي والتقليل، أفعالا ممنهجة توجب المحاسبة القانونية وعدم الإفلات في حق الملزمين العموميين، فالمسألة تتعلق بأثار طويلة الأمد، وهو ما يعني أن سوء المعاملة جزء من التعامل ليس مع قادة الحراك، بل مع عناصره.

من جهة، فأغلب قادة الحراك لم يعذبوا لعزل ناصر الزفزافي، لكن التورط في أعمال تتخللها عناصر للتعذيب في أكثر من حالة، يجعل المشكل أعوص، لأن التقرير لا يدفع إلى إعادة المحاكمة، بل أيضا إلى عدم تمكن عناصر القانون من القيام بالمهمة المنوطة بهم، لأن الحظر المطلق للتعذيب لا يسمح بتبرير ما حدث في لحظة التوقيف.

إن عنف الأجهزة الحاملة للسلاح في التوقيف، “أصبح منهجيا” في لغة التقرير، رغم أنه سيق مبررا، فأصبح منهجا في ورطة يمكن لأي قانوني أن يحاكم بها الدولة المغربية في المحاكم الدولية، انطلاقا من منطوق أحكامها وتقرير المجلس، لأنه في الواقع، برر إجراءات لا يمكن بأي حال الركون إليها في جميع الظروف.

والثابت، أن الزفزافي في كل أطوار الادعاء العام، لم يتهم بممارسة العنف أو الدعوة لممارسته، فيما يعد خطابه حادا أو عنيفا، ولكنه لا يبرر بأي حال العنف المضاد للدولة.

وانطلاقا من الاتفاقية الأممية لسنة 1984 ضد التعذيب، فإن استخدام العنف من أجل معلومات أو اعترافات، لم يتحقق في حالة الزفزافي، لأنه شهد أن الفرقة الوطنية للشرطة القضائية لم تعذبه، لكن فصل ممارسة الفرقة الوطنية عن الفرق المحلية، يؤكد أن الخلاف في القانون الدولي ليس حول الموظف العمومي والسلطة العمومية، أو الجهاز، مركزيا كان أو جهويا أو محليا.

وبناء عليه، فإن “عنف الإيقاف، كما أراده الجميع متواطئا بشأنه”، لتبرير العنف الممارس على قادة ونشطاء الريف، هو إعادة التكييف المحلي لإسقاط أحد المعايير الثلاثة، لعدم إثبات “ظاهرة التعذيب”.

والواقع القانوني ينطلق من حدوث “فعل التعذيب”، ولا يستقيم التمييز إلا بين عناصر “تابعين للدولة” وعناصر “غير تابعين للدولة”.

ويضيق هامش المناورة أكثر على الحاكمين، إلى حين طي الملف أو إعادة “المحاكمة” لإنتاج طريق للحل، إما عبر نقض الأحكام أو عبر ترتيبات أخرى.

وفي الجملة، استطاعت احتجاجات الحسيمة أن تختبر كل السياسات والإجراءات المعتبرة من طرف النيابة العامة، وبعد استقلالها، لم تتمكن من محاسبة المتورطين أو فتح تحقيقات أو تصل إلى نتائج، لذلك، فإن المنظور الأحادي، المعلق على المنظومة القانونية المحلية والاكتفاء بها، لا يخدم بأي حال التنمية، وقد وقعت المملكة في فصل خطير بين المنظور القضائي والمنظور الحقوقي.

إن هذه التطورات السلبية التي جعلت باقي المؤسسات تحاول تمرير وتبرير الأحكام القضائية، لا يفيد إصلاح العدالة الذي يجب أن يكون معياريا وإنسانيا ومطابقا بالكامل  والمطلق للقانون الدولي، كي لا تختلف المرجعيات، ويكون المنظور الاجتماعي للعدالة مطابقا لمحيطه، لأن العالم المتحضر لا يقبل الاستثناءات الموجهة ضد الحريات أو تحويل العقوبة إلى تعذيب “مؤقت” للإنسان، ومن المهم لمغرب الغد، طي هذه الصفحة السوداء.

 

هوامش :

1- introduction: violences extrêmes: peut on comprendre? jacques Semelin, revue internationale des sciences sociales, 4 (n° 174); 2002, p: 479.

2- colloque organisé dans le cadre de l’association française des sciences politiques, est fruit de séminaire lance a paris en 1998 au sain de la maison des sciences.

3- fait d’agir sans consentement de la personne intéressé (cap 1936).

4- Michel Orfay: les deux violences (in net).

5- jean Baudrillard, la société de consommation, édition donel, 1970 p: 281.

6- Alison pr.cr. law scott 228, 4 binn R. 379, 2 russ on CR 61, 1 hale P.C. 553.

7- Austin Sarat and Thomas R. kearn’s, law’s violence, university of michigan, 1997 p: 224.

8- David Cohen; law, violence and community in classical Athens, university of California; 1995, p: 10.

9- Arnold d. Margolin, the element of vengeance in punishment, journal of criminal law and criminology, article 8, volume 24, issue 4 nov – december, winter 1933 p: 755.

10- kate Gilbert; Stephan D. white; Emotion, violence and law in the middle age, essays in homour of William Ian miller brill, leiden- boston, 2018, p: 23.

11- Optitional protocol to the convention against torture and other cruel, inhuman or degrading treatment or punishment adopted on 18 December 2002 at fifty – seven the session of the general assembly of the united nations by resolution A / RES / 57 /199 intro force on 22 June 2006.

12 – N.S.Rodly: the treatment of prisoners under international law, 2 edition, oxford 1999 p: 37.

13 – Martin Baboglo, torture and its definition in international law: An interdisciplinary approach, oxford university press 2017.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق