تحليل إخباري

تحليل إخباري | عندما عزل السلطان المغربي بلاده عن المناطق الموبوءة

تاريخ الملوك في مواجهة الوباء

إعداد: سعيد الريحاني

    هل يراودك حلم السفر؟ هل تفكر في أخذ عطلة والتوجه إلى منطقة سياحية؟ هل حجزت التذكرة نحو أحد البلدان الأوروبية أو البلدان العربية؟ هل أنت من هواة السياحة الثقافية أو السياحة الطبيعية؟.. قبل أن تجيب، عليك أن تعرف أن كل أحلام السفر، والمشاريع الكبرى، تم تأجيلها إلى وقت لاحق، فلن تتمكن من الحصول على “الفيزا”، وشركات الطيران والملاحة لن تمنحك التذكرة، والسبب، هو أن كل البلدان، بما فيها المغرب، اختارت الانغلاق على نفسها، ودعت مواطنيها إلى الإغلاق على أنفسهم داخل بيوتهم إلا في حالات الضرورة القصوى، طالما أن الوافدين لم يعودوا يحملون العملة الصعبة فقط، بل إن بعضهم باتوا يحملون وباء فتاكا لازال العالم عاجزا عن إيجاد علاج فعال ضده.

الاعتماد على “سياسة الانغلاق” ليس معطى جديدا بالنسبة للعارفين بتاريخ المغرب، حتى أن هناك سلطانا في المغرب، هو السلطان مولاي سليمان واسمه الكامل أبو الربيع سليمان بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل بن الشريف، حكم المغرب ما بين سنة 1797م و1822م، وقد عرف بسياسة “الاحتراز”، ومعناها  الانغلاق عن العالم الخارجي، ولكم أن تتصوروا أن هذا السلطان العلوي قطع جميع الصلات التي بين المغرب وأوروبا، وقلل من المعاهدات من 11 إلى 3 معاهدات، وأغلق جميع المراسي ومنع العلاقات التجارية الدبلوماسية، خوفا من انتشار “الطاعون”، هذا الوباء كاد أن يفني جميع المغاربة.

ولازال بيت السلطان مولاي سليمان إلى اليوم في فاس شاهدا على مرحلة غابرة من تاريخ المغرب، حيث كتب المؤرخون عن هذا الوباء الذي تسلل إلى المغرب عبر الحدود الشرقية، بعد ظهوره في الجزائر، وقد تزامن ظهور الوباء مع بداية حكم المولى سليمان في تفشي المرض في باقي أنحاء البلاد، بسبب “حركات السلطان”، وكان فيها جنود مصابون بهذا الداء، حيث تسبب الجيش السلطاني في نقل العدوى إلى الرباط والمناطق الجنوبية، بعد أن دخل المرض أول مرة إلى الريف، فـ((بحلول شهر أبريل من سنة 1799، بلغ الوباء ذروته بكل من فاس ومراكش، إذ وصل عدد الوفيات، في الفترة الممتدة بين أبريل ويوليوز من نفس السنة، في فاس 1000 في اليوم الواحد.. لقد عجز الأحياء عن دفن موتاهم وضاقت المقابر بالجثث، ولم يبق متسع من الوقت لتشييع الجنائز، فلجأ الناس إلى دفن الموتى في مقابر جماعية. ففي مراكش التي بلغ فيها عدد الموتى 1800 في اليوم، أصبح سكانها عاجزين عن دفن الموتى رغم توظيف حوالي مائة شخص لجمع الجثث من الأزقة)) (المصدر: هسبريس 25 غشت 2014).

نتيجة هذا الوباء، فقد المغرب تقريبا ثلث ساكنته، بل إنه ساهم في تغيير بنيته الديمغرافية، وأكثر من ذلك، فقد ساهم في تغيير بنية الدولة، فـ((هذا الوباء خلص المولى سليمان من خصوم الأمس، فأخواه اللذان نازعاه على الحكم لمدة ست سنوات، لقيا حتفهما بسبب هذا الوباء.. وهو المصير الذي لقيه العديد من المتمردين، كما أن هذا الوباء ساهم من جهة أخرى في إضعاف المخزن، فقد تضرر الجهاز الإداري بشكل كبير جراء هلاك العديد من الموظفين الأكفاء الذين يصعب تعويضهم، ناهيك عن هلاك العديد من المناصرين، خصوصا الفقهاء والعلماء ومن لهم مكانة في المجتمع، الأمر الذي فتح الباب أمام جيل جديد من العلماء، وجد المولى سليمان صعوبة في مد جسور التواصل معهم)) (نفس المصدر).

مهما يكن، فقد خرج السلطان مولاي سليمان قويا من معركته ضد الطاعون بخلاف أقوى سلطان في تاريخ المغرب، أحمد المنصور الذهبي، وهو الذي تزامن حكمه مع أقوى “طاعون” ضرب المغرب، ذلك أن الجائحة كانت تضرب المغرب بين الفينة والأخرى، ويعيب بعض المعلقين التاريخيين على المغاربة تعاملهم مع الكوارث على أنها عقاب إلهي، الأمر الذي يضيع الفرصة للنهوض بالجانب العلمي(..).

الطاعون الذي تزامن مع فترة حكم المنصور الذهبي وأودى بحياته ((يعد أقوى وباء ضرب المغرب والعالم بأسره، هو ما يعرف بالطاعون الأسود، الذي اجتاح الدنيا منتصف القرن الرابع عشر(1347 ـ 1353)، وهلك عددا لا يحصى من الناس في أوروبا تحديدا والبلدان الأخرى بما فيها بلاد المغرب، وهو الطاعون الذي كتب عنه المؤرخون والأطباء، كالمؤرخ الأندلسي ابن الخطيب، تحدث عنه في كتابه “نفاضة الجراب”، كما ألف حوله مقالة تحت عنوان “مقنعة السائل عن المرض الهائل”، ونفس الشيء قام به صديقه الطبيب الأندلسي هو الآخر، ابن خاتمة، الذي ألف رسالة سماها “تحصيل غرض القاصد في تفصيل المرض الوافد”، دون أن ننسى الطبيب الأندلسي المسمى محمد الشقوري، الذي ألف هو الآخر رسالة حول هذا الطاعون بعنوان “تحقيق النبأ في أمر الوباء”، وهذا ما يدل على أن هذا الوباء الجارف كانت له انعكاسات جسيمة وخطيرة على المجتمعات، نتيجة حجم الوفيات التي خلقها، وهو الطاعون الذي عاصره أيضا العالم والمؤرخ العظيم عبد الرحمان ابن خلدون، وترك لنا حوله وصفا دقيقا ويقول صاحب أول مؤسس لعلم الاجتماع: ((ما نزل بالعمران شرقا وغربا في منتصف هذه المائة الثامنة من الطاعون الجارف الذي تحيف الأمم وذهب بأهل الجيل وطوى كثيرا من محاسن العمران ومحاها وجاء للدول على حين هرمها وبلوغ الغاية مداها، فقلص من ظلالها وفل من حدها وأوهن من سلطانها، وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال أموالها، وانتقص عمران الأرض بانتقاص البشر، فخربت الأمصار والمصانع، ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل وضعفت الدول والقبائل وتبدل الساكن. ولابد أن نشير إلى ان ابن خلدون فقد والديه بسبب الطاعون المدمر)) (المصدر: مقال الباحث في التاريخ الأمازيغي عبد الله بوشطارت: كيف فتك الوباء بأقوى سلطان في تاريخ المغرب؟).

ويصف الباحث عبد الله بوشطارت فترة حكم المنصور قائلا بأنه ((حكم 25 سنة، وهي فترة أوج الدولة المغربية خلال حكم أسرة السعديين، ولد سنة 1549 وتوفي سنة 1603. تولى الحكم إبان معركة وادي المخازن سنة 1578، المعركة التي توفي فيها أخوه السلطان عبد الملك، وكانا معا ضمن الجيش التركي العثماني، وحقق انتصارات معه، منها معركة “حلق الوادي” في تونس، وكسب خبرة سياسية كبيرة، وثقافة واسعة داخل بلاطات العثمانيين، وبالرغم من قوة إدارته وجهازه العسكري واستبداده المفرط، وعنفه القاسي أثناء سحقه للثوار والمتمردين من العسكر والقبائل والجموع، فإنه مات بسبب طاعون)) (نفس المصدر).

قد يقول قائل إن شبح الموت كان دائما يخيم على بلدان مثل المغرب، ولكن الأمر لم يكن كذلك دائما، فالرعب الذي يسيطر اليوم على أوروبا التي صنفتها منظمة الأمم المتحدة منطقة موبوءة، يجد تفسيره في “تاريخ الموت الأسود” عام 1348، فـ((خلال هجمة الطاعون في هذه الفترة، لم يكن هناك مكان كاف لدفن جميع الجثث، كان الناس يتركون في الشارع، أو ينهارون على الرصيف، محاولين التنفس حتى يموتوا))، كما أن هذا الطاعون لم يكن الأول من نوعه ((فقد كانت هناك أوبئة مرعبة قبله، “طاعون أثينا” عام 430 قبل الميلاد، الذي أهلك معظم أهلها، وربما كان سببه التيفوس، و”الطاعون الأنطوني” من 165 إلى 180 بعد الميلاد، والذي خلّف مصائب هائلة في الإمبراطورية الرومانية، في عصر ماركوس أوريليوس، وكذلك “طاعون جستنيان” عام 541 ميلادية، الذي قتل ملايين البشر، وانتشر حول البحر الأبيض المتوسط وفرنسا وألمانيا، وربما الجزر البريطانية كذلك.. نما “الموت الأسود” بسبب تحالف أربعة مسببات: جرثومة ومضيف وإمبراطورية وبرغوث. لولاهم لم يكن لـ”الموت الأسود” أن يحدث.. ويعرف “طاعون “جستنيان” بأنه الوباء الأول، تبعه “الموت الأسود” (الوباء الثاني) بعد ما يقرب من 800 سنة، تحديدا بين عامي 1346 و1353، وبدأ الوباء الثالث في الصين، نهاية القرن التاسع عشر، وانتشر في إفريقيا وأمريكا الشمالية والجنوبية، حيث لا يزال يسبب العدوى البشرية بين حين وآخر))، وانظروا للتشابه بين الأمس واليوم، وكأن التاريخ يعيد نفسه، لو لا أن العلم يقف اليوم إلى جانبنا، بخلاف من سبقونا، والأمل معقود على نجاح العلماء(..).

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box
إغلاق
إغلاق