الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | تدشين عهد اختطاف الطائرات باختطاف الجزائري بنبلة

تعالوا نتحدث عن الإرهاب

بقلم: مصطفى العلوي

عندما عقد في الصمام بالجزائر المؤتمر التأسيسي للثورة الجزائرية في 20 غشت 1956، لم يكن الفرنسيون يفكرون مطلقا في أن الجزائر ستحصل يوما على استقلالها لأن الوضعية القانونية بالجزائر لم تكن موجودة على الإطلاق بل كانت تعتبر ولاية فرنسية، لا أكثر ولا أقل، فمنذ دخلها الفرنسيون بواسطة الاحتلال العسكري سنة 1930 استقروا فيها بطريقة جعلت أولاد المحتلين وحفدتهم سنة 1945 لا يفكرون لحظة واحدة في أن هذه البلاد ليست فرنسا.

وكيف يخوض الفرنسيون حربا ضد بعض العناصر الوطنية التي اجتمعت في الصمام، مطلقة شعارات الثورة وهم أقلية في بلاد فرنسية، وكيف تكون الحرب على الإطلاق دون أن يصاب فيها الفرنسيون الذين كانوا يتواجدون أساسا، وكان الجزائريون يكادون يشكلون أقلية بالنسبة للفرنسيين إذا ما راعينا ظروفهم المادية والاجتماعية، وهم الذين كانت اللغة العربية عندهم غريبة في مجال المعاملات.

لذلك أطلقت الحكومة الفرنسية العنان للفرنسيين الموجودين في الجزائر لينظموا طريقة مقاومة أفكار الثورة الوطنية الجزائرية، وكانت جموع غفيرة من الفرنسيين المتنطعين وأعضاء تشكيلة اليد الحمراء في تونس والمغرب، قد هربت في اتجاه الجزائر، بعد حصول تونس والمغرب على الاستقلال سنة 1956.

واستعملت الوسائل الكبرى لتطويق الثورة الجزائرية والتي لم يكن التعجيل باستقلال تونس والمغرب إلا واحدا منها حتى يتفرغوا للجزائر وحدها.

ولم تجد فرنسا بدا من أن تضع يدها في يد بريطانيا وإسرائيل لتنظيم العدوان على قناة السويس، لضرب الثورة المصرية التي كانت ملاذ الثوار المغاربة والتونسيين والجزائريين ومصدر أموالهم وأسلحتهم، كما لم يكن هناك أمام الفرنسيين مناص من استعمال سلاح العصر، الإرهاب، لتصفية الجزئيات الأخرى.

اغتيالات في ألمانيا

والإرهاب لا يعرف حدودا جغرافية، ولا يلتزم بمعاملات إنسانية لذلك توجهت المجموعة الإرهابية المكلفة بالمناطق الخارجية، والمسيرة من طرف أجهزة المخابرات الفرنسية، وكان اسمها كما سبق ذكره “كاتينا” وفتحت واجهة إرهابية دموية ضد العناصر الأروبية التي تدعم أو تسلم الثورة الجزائرية. وبدأت المخابرات الفرنسية بتعيين مديرها العام “ميرسيي” مجرد ملحق اقتصادي في سفارة فرنسا بسويسرا، وكانت مهمته الحقيقية البحث في الحسابات السرية للجزائريين في الأبناك السويسرية وتعقب تحركات الأموال وأسماء المستفيدين منها.

واتضح أن عدة دفعات من الأموال الجزائرية التي كان مصدرها الأساسي ملك ليبيا إدريس السنوسي وبعض الأغنياء العرب والحكومة المصرية، تدفع في حساب تاجر ألماني اسمه “أوطو شلوتير” عنوانه: 43 أوستيربي شتراس. هامبروغ.

وتوجه المكلفون بالتصفية الجسدية إلى هامبروغ، حيث دخل عليه يوم 15 شتنبر 1956 أحد الفرنسيين بأدب، ونصحه بأن يوقف تصدير الأسلحة إلى الثوار الجزائريين، إلا أن الألماني، “شلوتير” لم يكن يظن أن الفرنسيين لهم الحق في التدخل في تجارته في وطنه ألمانيا، فطرد زائره الفرنسي.

وبعد تسعة أيام، يوم 26 شتنبر، انفجرت قنبلة قوية المفعول كانت موضوعة في جهاز إطفاء الحرائق، فحطمت مكاتب “شلوتير” الذي نجا من الموت، وماتت إحدى زائرات مكتبه.

ولم يعرف الألمانيون وقتها سر الانفجار.

فدخل الإرهابيون الفرنسيون في فترة صمت لينساهم الرأي العام الألماني، إلى أن كان يوم 3 جوان 1957، وكان “شلوتير” راكبا في سيارته المرسيديس وبجانبه أمه، وما إن فتح المحرك حتى انفجرت سيارته الملغومة وتناثرت أطرافها بما فيها أشلاء أمه التي ماتت لتوها، ونجا “شلوتير”. وعاد الإرهابيون الفرنسيون ليدفنوا أنفسهم في غياهب النسيان لمدة سنة كاملة، نسي فيها “شلوتير” مأساته ومأساة أمه.

وفي أكتوبر 1958، كان “شلوتير” راكبا في سيارته يجري بسرعة خارقة في الطريق السيار “الأوطوبان” بين هامبورغ ولوبك، فأطلق عليه مجهول في مكمن رصاصة على عجلة السيارة التي طارت في الأجواء لتقع على الأرض إربا، ولكن “شلوتير” خرج ببعض الجروح البسيطة. ولكن الإرهابيين الذين استغربوا لكل هذه المفارقات لم يعرفوا وهم يقررون التوقف عن محاولة اغتياله، أنه قرر في ذلك اليوم التوقف عن كل معاملة مع الجزائريين.

وكشفت الملفات السرية في الأبناك السويسرية عن اسم تاجر ألماني آخر اسمه “جورج بوشير” ، ويعرف باسم “القبطان موريس” كان يدير شركة تجارية للاستيراد والتصدير بطنجة في المغرب اسمها “امطرمار” غير بعيد من مدينة الناضور، والتي كانت مقر الولاية الخامسة لجيش التحرير الجزائري، وكان التاجر الألماني يصدر السلاح من ألمانيا للناضور رغم أنه معروف بأنه تاجر في السجائر. ولكن أجهزة المخابرات الفرنسية حصلت على عقد بين “شلوتير” وإحدى شركات صنع الأسلحة بتشيكوسلوفاكيا تسمى “أومنيبول” فتتبعوا تنفيذ العملية، وفعلا شحنت الباخرة “بروخا روخا” مئات من قاذفات البازوكا، وسبعة ملايين رصاصة و200 رشاش، و200 بندقية و300 طن من التفجيرات.

وسمع العالم في شهر يوليوز 1957 خبر انفجار باخرة في عرض مياه البحر الأبيض المتوسط دون أن يعرف أحد أنها هي الباخرة المشحونة بالسلاح للجزائر، وجاء دور “بوشير” ليدفع الثمن، فكان لابد من اختراق محيطه، فسقط أحد ضباط المخابرات الفرنسية في غرام ابنته “ماريكا” دخل بيت “بروشير” وأصبح خطيبا لابنته إلى أن قام باغتيال “بروشير” يوم 3 مارس 1959 في أحد شوارع فرانكفورت بألمانيا، وفي 19 شتنبر 1959 كان أحد مساعدي “بروشير” وهو سويسري الجنسية اسمه “مارسيل ليوبار” ينزل أدراج فندق فخم في جنيف حينما سقط متدحرجا ميتا، وبعد الكشف على جثته، اتضح أنه أصيب في قفاه بسهم صغير مسموم، مطلوق من مضخة صغيرة، لا تصنع إلا في مختبرات الجاسوسية الفرنسية.

وكان تفجير الباخرة بروخا روخا في عرض المياه المغربية، قد أصبح تقليدا جديدا في معاملات الإرهابيين الفرنسيين، فبينما كانت الباخرة أطلس راسية في ميناء هامبورغ تشحن بعض البضائع، وهي أسلحة للجزائر، تم نسفها في الميناء، كما تم الاستيلاء في عرض البحر على الباخرة التشيكوسلوفاكية “ليديس” وكانت محملة بـ600 طن من العتاد للجزائريين واختفت بعتادها.

وكاد الإرهابيون أن يختطفوا باخرة سوفياتية في 10 نونبر 1961، كانت محملة بالأسلحة للجزائريين فتدخل رئيس الجمهورية الفرنسية لمنع العمل تفاديا لإثارة مشاكل مع الاتحاد السوفياتي، ولكن الفضيحة الكبرى التي هزت الإعلام الأروبي في أوانها كانت عبارة عن سيناريو على طريقة الأفلام السينمائية حبكه خبراء الإرهاب الفرنسي، فقد ارتباط مدير المخابرات الفرنسية “ميرسيي” الذي كان ينتحل صفة ملحق اقتصادي بالسفارة الفرنسية في سويسرا، ارتبط بصداقة حميمة مع أكبر قضاة الدولة السويسرية، رئيس النيابة العامة، واسمه “روني دوبوا” وكان هذا الأخير معروفا بصداقته أيضا مع مدير جهاز “السي. آي. إي” الأمريكي “ألان دولس”، واتضح أن القاضي السويسري هو الذي كان يسهل لضابط المخابرات الفرنسية مهمة الحصول على أسرار الأبناك السويسرية، التي لا يمكن الوصول إليها عن طريق القضاء.

وبعد أن كثرت الاغتيالات في حق المتعاملين الألمانيين مع الأبناك السويسرية، تدخل ضابط مخابرات سويسري للبحث، فاكتشف تواطؤ القاضي السويسري مع المخابرات الفرنسية وأعطى الملف للصحافة، كما اكتشف أن القاضي السويسري رخص لمدير المخابرات الفرنسية بإقامة أجهزة تصنت على مكاتب السفارة المصرية بسويسرا.

وقد تم تبسيط مهمة البحث في جناية القاضي السويسري الجاسوس “روني دويرا” حينما دخل رجال التحقيق السويسري مكتبه ووجدوه “منتحرا” بالرصاص والمسدس في يده، ولم يداخل أحد في سويسرا ولا فرنسا شك في أن القاضي السويسري تم انتحاره بأيدي غيره، ومنذ ذلك التاريخ صار “الانتحار بأيدي الغير” أسلوبا ساري المفعول، وأصبح الاغتيال في كثير من الظروف يلبس بلباس الانتحار.

اختطاف بنبلة

وكان الزعيم الجزائري أحمد بنبلة، الرجل الأول في التنظيم السياسي الجزائري، متنقلا بين القاهرة، طرابلس، تونس، والرباط، ومعه رفاقه أقطاب حركة التحرير (محمد بوضياف، حسين أيت أحمد، ورابح بيطاط).

وكان اسم بنبلة يسطر عليه بخطوط حمراء غليظة، فهو الشاب الذي كان ضابطا في الجيش الفرنسي، ولاعب كرة قدم مرموق، لعب سنوات في فريق أولمبيك مرسيليا الفرنسي، وساهم في بطولات كرة القدم مثلما ساهم في النزول الفرنسي بإيطاليا أثناء الحرب العالمية الثانية وعاد إلى الجزائر سنة 1945 ليبدأ التفكير في تحرير وطنه، حيث نظم عملية الهجوم على مركز بريدي في 4 أبريل 1949، حيث اعتقل بعد سنة من الاختفاء وحكم عليه بثمان سنوات سجنا، هرب أثناءها إلى مصر سنة 1952.

وفي سنة 1958 كان اسمه قد أصبح عنوانا للثورة الجزائرية وأخذت اهتمامات المخابرات الفرنسية بشخصه تغطي على كل الوسائل القانونية والأعراف الدولية، خصوصا بعد أن فشلت محاولة لاغتياله في طرابلس بليبيا.

وتشكل مجلس فرنسي سري برئاسة الحاكم العام الفرنسي للجزائر “روبير لاكوسط” للتفكير في وسائل جديدة، لم تخطر ببال من قبل.

الفترة كانت في 2 أكتوبر 1956 وكان بنبلة ورفاقه متواجدين في ضيافة ملك المغرب، المجاهد محمد الخامس، والذي كان سيعقد مؤتمرا في تونس يحضره أقطاب المغرب العربي لدراسة إمكانيات الدعم للجزائر.

وكان المغرب قد حصل على استقلاله منذ شهور فقط، إذن، فقد كانت أجهزة الاستعمار الفرنسي وخبراؤه ومخبروه، لازالوا متواجدين في كل أجهزة المغرب، وحتى الطائرات التابعة للدولة  المغربية (شركة إير أطلس) كانت خاضعة لربابنة فرنسيين، لذلك كان مجال التآمر عند المجتمعين في الجزائر فسيحا وسهلا.

وقال أحد الضباط الحاضرين، ولماذا لا تختطف طائرة بنبلة، وهي في طريقها إلى تونس، فليسجل المهتمون بتاريخ الإرهاب أن أسلوب اختطاف الطائرات، خرج من مكتب الحاكم العسكري الفرنسي بالجزائر سنة 1956.

وذلك ما حصل فعلا.. فقد كان بنبلة ورفاقه جالسين في طائرة مغربية، بعيدين عن الأجواء الجزائرية، متطلعين إلى ساعة وصولهم لتونس، حينما كان ربان طائرتهم على اتصال بطائرات “الميراج” الفرنسية التي كانت تحيط بالطائرة، وكانت تعليماتهم للربان، أن لا يخبر الركاب بشيء، وهم: أحمد بنبلة، محمد خيضر، حسين أيت أحمد، محمد بوضياف، ومصطفى الأشرف.

واستمع الركاب إلى صوت المضيفة وهي تقول: “اربطوا أحزمتكم، بعد قليل سننزل بمطار تونس”، ونزلت الطائرة، وخرج بنبلة قبل رفاقه مبتسما، حينها وجد كوكبة من رجال الشرطة العسكرية الفرنسية محيطة بسلم الطائرة، ومنذ ذلك التاريخ، فتح الباب على مصراعيه أمام أسلوب اختطاف الطائرات.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق