الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | عندما تنعدم الحدود بين الإرهاب والقانون.. تصبح البلاد خاضعة لقانون الغاب

تعالوا نتحدث عن الإرهاب

بقلم: مصطفى العلوي

كما هو الحال في عصرنا، كان للصحافة دور أساسي في توجيه الأحداث، وكما كانت الصحافة الفرنسية كلها مناهضة للمغرب مؤيدة للإرهاب، كان الفرنسيون الأحرار المعتدلون، يكتبون في جريدة فرنسية تصدر بالدار البيضاء اسمها “ماروك بريس” وكان يديرها أحد الفرنسيين الأحرار، كان صديقا للسياسي الفرنسي “فرانسوا ميتران” الذي أصبح فيما بعد رئيسا للجمهورية، والذي كان وقتها وزيرا للداخلية فاستقال احتجاجا على نفي ملك المغرب المرحوم محمد الخامس، وعلى إطلاق اليد لأساليب قبيحة في المغرب.

مدير جريدة “ماروك بريس” واسمه “لوميكر دويروي” زاد من تحركاته في المغرب وفرنسا من أجل تقوية التيار المعارض للإرهاب الفرنسي، وأدخل السياسي “فرانسوا ميتران” في مجموعة المؤيدين لأفكاره، وبذلك أثار حقد عصابات “اليد الحمراء” ذات النفوذ والاطلاع الكبير في فرنسا والمغرب والجزائر وتونس.

وإذا كانت الحرية، حرية الصحافة كما نرى وجهها المشرق في فرنسا، تسمح لأي طرف صحفي أن يؤيد أو يعارض، فإن هذه الحرية – كما هو الأمر الواقع – مسموح بها في إطار الأخبار التافهة والفضائح المثيرة، أما عندما يتعلق الأمر بالقضايا الأساسية، فإن الشعارات البراقة سرعان ما تنطفي وتختفي.

إن الصحفي الذي كان في نفس الوقت رجل أعمال كبير في المغرب، مدير جريدة “ماروك بريس” لم يعرف أن استنكاره للإرهاب سيجعل منه رمزا عند الوطنيين المغاربة، خصوصا بعد أن بدأت جريدة الاستعماريين الفرنسيين بالمغرب “لافيجي” تهاجم مدير الجريدة المتعاطفة مع المغاربة “لوميكر دويروي” وكانت جريدة “لافيجي” في الواقع لسان وسوط وسلاح “اليد الحمراء”، وهي الجريدة التي مهد مديرها “ايرو” لإبعاد رمز المغاربة الملك محمد الخامس وعائلته، وكان من بين المبعدين، ولي العهد آنذاك الذي أصبح ملك المغرب المرحوم الملك الحسن الثاني.

وانتقاما من هذه الجريدة ومن مديرها، سارع الوطنيون المغاربة إلى إعدامه رميا بالرصاص في 30 يونيو 1954. وانطلقت أجهزة الشرطة الفرنسية بحثا عن قتلة مدير جريدة “لافيجي”، فيم اجتمعت قيادة “اليد الحمراء” لتصدر حكمها، وكلفت أعضاءها، وبينهم عدد كبير من رجال الشرطة بالمغرب بتتبع البحث، وفي نفس الوقت دخلت المنظمة في مخطط جهنمي، فادعوا أن اغتيال الزعيم الدكتور “ايرو” مدير جريدة “لافيجي” قد صدمهم، وأن “اليد الحمراء” مستعدة للتفاهم، وليس هناك من طريقة للتفاهم، غير الاتصال بالفرنسيين الأحرار، ويتهم “لوميكر دويروي” مدير جريدة “مروك بريس”. فطلبوا منهم تنظيم مقابلة مع الوطنيين المغاربة للتفاهم، وسقط الوطنيون المغاربة، والمعتدلون الفرنسيون في الفخ وتم الاجتماع في بيت زعيم وطني مغربي اسمه عبد الرحمان السلاوي يوم 13 يوليوز سنة 1954.

وقبل نهاية صيف 1954 كان كل الوطنيين المغاربة الذين حضروا الاجتماع قد أعدموا غدرا، فقد انطلقت فوهة رشاشة في صدر الوطني المغربي عمر السلاوي، الذي أصيب بجروح بليغة نقل على إثرها إلى المستشفى، حيث عولج بسرعة، وجاء بعض مفتشي الشرطة لاستجوابه وصاح في وجه أحدهم: هذا هو الذي أطلق علي النار، ثم مات بغتة.

وفي يوم الأحد 2 يناير 1955 كان رجل الأعمال الوطني الطاهر السبتي متجها إلى عمله رغم أن اليوم عطلة، ولكن الأعين الإرهابية كانت مشدودة إليه فإنه في جلساته الخاصة يدعو إلى تحرير وطنه، ووسط شارع مليء بالمتجولين، تقدم منه فرنسي وأطلق عليه نار رشاشته على مرأى ومسمع من المارة.

ولقد حزنت الدار البيضاء على موته يوم جنازته وأقفلت جميع المتاجر، ولم يبق من ذكراه اليوم إلا شارع يحمل اسمه.

واعتقلت السلطات مجموعة متهمة باغتيال الدكتور “ايرو” مدير جريدة “لافيجي” الاستعمارية، وحاكمتهم في المحكمة العسكرية في الدار البيضاء، وأثناء مداولة في الجلسة بين قاضيين عسكريين صاح أحد المتهمين المغاربة واسمه إدريس بن محمد قائلا: ومتى ستحاكمون قتلة الطاهر السبتي؟ فأجابه رئيس المحكمة: ليس شغلك..؟ ولقد حكمنا عليك بالإعدام.

وعندما تنعدم الحدود بين الإرهاب والقانون، تصبح البلاد خاضعة لقانون الغاب، وكذلك كانت الدار البيضاء التي أصبحت الصحف الفرنسية تسميها شيكاغو.

وابتداء من خامس يناير 1955، كان السكان كل صباح يعثرون على جثة قتيل، مضروبة بالرصاص، باستثناء أستاذ في مدرسة التهذيب، اسمه عبد الله بن محمد الدكالي، فقد اغتالوه أمام التلاميذ.

وأراد “لوميكر دويروي” مدير جريدة “ماروك بريس” المتعاطفة مع المغاربة أن يرفع القضية إلى صعيد الرأي العام الفرنسي، فشرع في كتابة سلسلة مقالات في جريدة “لوموند” مستنجدا فيها بالضمير الفرنسي أن يوقف مجازر الإرهاب في المغرب، وكتب في عدد 28 يناير 1955 من جريدة “لوموند” أن المغاربة أصبحوا غير آمنين على حياتهم الخاصة، وبينهم من يُقتل دون أن يعرف السبب. فأجابته منشورات سرية صادرة عن منظمة “اليد الحمراء”، إننا مهما كانت الظروف سنعدم جميع الوطنيين أو سنبعدهم عن النشاط السياسي، وسننسف المدينة القديمة التي يسكنها المسلمون.

لكن الإرهابيين الفرنسيين قد يغفرون لأنفسهم جرائم اغتيال مسلمين أبرياء، ولكنهم لن يغفروا لأحد الفرنسيين في المغرب “لوميكر دويروي” أن يخالفهم في الرأي، فأحرى أن يكتب ضدهم في جريدة “لوموند”.

وفي الساعة العاشرة من مساء حادي عشر جوان 1955 كان “لوميكر دويروي” خارجا من عمارة الحرية، وكانت أكبر عمارة في الدار البيضاء، آنذاك، وما أن وصل لبوابة سيارته، حتى انهال عليه سيل من الرصاص كان يطلقه عليه من إحدى السيارات اثنان من الفرنسيين أكد التحقيق أن أولهما اسمه “كونكوس” والثاني اسمه “دامياني”، أما ثالثهما “طوني” فقد كان يسوق السيارة.

فأين هي شيكاغو من الدار البيضاء، وأين هو إرهاب اليوم من إرهاب أمس، ومن هم الإرهابيون الحقيقيون؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box
إغلاق
إغلاق