الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | خطف واغتيال مغاربة وسط الدار البيضاء

بقلم: مصطفى العلوي

هل صحيح أن مجيء الجنرال دوكول إلى الحكم كان يترجم غلبة نفوذ الإرهاب الفرنسي على نفوذ القانون؟

لقد جاء دوكول إلى الحكم لينقذ فرنسا المنهارة بعد أن فقدت تونس والمغرب سنة 1956، ولكنه وجد نفسه أمام قوة جبارة اسمها قوة المخابرات، المؤطرة بمجموعة من القتلة والسفاكين ذوي الماضي المشحون.

فقبل مجيء الجنرال دوكول، وفي ظل الجمهورية الرابعة الضعيفة، عرفت فرنسا تفوقا كبيرا لأجهزة الإرهاب التي أصبحت صاحبة الأمر والنهي.

ولقد كان صمود الشعوب بالمغرب العربي، أقوى من أجهزة الإرهاب الفرنسي، ولم تمنع الاغتيالات والاختطافات التي كان ينظمها رجال “اليد الحمراء”، ورجال “الكاتينا” أن يستميت المغاربيون في حربهم ضد الاستعمار الفرنسي، رغم أن الضربات التي تلقوها كانت دامية.

اغتيالات الدار البيضاء

لقد اتخذت العمليات الإجرامية في المغرب العربي، حدة جعلت منفذيها يتوقون إلى تعاطف عقائدي من طرف الفرنسيين الذين كانوا مجرد متفرجين، فأخذوا يضربون على وتيرة الكراهية للإسلام، لتبرير اغتيالاتهم.

ففي سنة 1953 كان وزير الخارجية الفرنسي “جورج بيدو” عبارة عن عدو معلن ضد العروبة والإسلام وهو الذي صرح قائلا: ((إن المسلمين لا يستحقون الاحترام، إنهم منهوكون بأربعة عشر قرنا من الممارسات الجنسية، لهذا فإنني لا أقبل أبدا أن يكون وجود للنجمة أمام الصليب)).

وإذا كانت هذه هي أفكار رئيس الدبلوماسية الفرنسية، فماذا ينتظر من مجموعة “اليد الحمراء”، خصوصا إذا كان أصحاب رؤوس الأموال الفرنسية بالمغرب، يحاولون التوفيق بين الإرهاب الفكري لوزير الخارجية، والإرهاب الفعلي لعصابات “اليد الحمراء”؟

فلا ننسى أن تونس والمغرب كانتا مرتعا لكبريات الثروات الفرنسية المشهورة، أمثال “مارسيل داسو”، أكبر أغنياء فرنسا وقد مات بعد أن صنع طائرة الميراج، وأهدى منها كميات استعملها الإسرائيليون في حرب 1967.

وانهالت الأموال على تنظيمات “اليد الحمراء” التي تأسست في تونس في مدينة “الكاف” حينما اجتمع بعض الضباط الفرنسيين ليؤسسوا أول خلية للإرهاب ضد العرب والمسلمين، فانبرى ضابط فرنسي سبق له أن شارك في حرب الريف ضد المجاهد عبد الكريم الخطابي واسمه “بول سوزيني” وقال: ((إني أذكر أثناء تلك الحرب أن النساء كن يلطخن بأيديهن عباءات الهاربين من المعارك ليعرف جميع سكان القرى أنهم جبناء هاربون من المعارك، ولهذا فإني أقترح عليكم مقابل أيدي الفاطمات الريفيات السوداء، أن تسمى منظمتنا “اليد الحمراء”)).

وكانت العملية الأولى لعصابات “اليد الحمراء” هي اغتيال الزعيم فرحات حشاد كما سبق ذكره، ولكن المسلسل الدموي بدأ في المغرب، حينما شبت مظاهرات دامية في الدار البيضاء احتجاجا على اغتيال النقابي التونسي، وبذلك صبت “اليد الحمراء” اهتمامها على المغرب أيضا، خصوصا بعد أن قتل أربعة فرنسيين في مظاهرات الدار البيضاء يوم 7 دجنبر 1952، لكن عدد الشهداء المغاربة كان خمسة وثلاثين.

وكانت دماء المغاربة والفرنسيين حدا فاصلا بين اختيارات الإرهاب الفرنسي والنضال المغربي من أجل الاستقلال ودشنت “اليد الحمراء” الفرنسية، أعمالها في المغرب باختطاف صيدلي اسمه “كسوس” خرج من بيته في فاس يوم 3 دجنبر سنة 1953 ولم يعد. واختفى مدير مدرسة بمدينة سلا بعد ذلك بثلاثة أيام، وقدم جميع الشهود أوصاف مختطفيه على أنهم أروبيون. وبلغ عدد المختطفين في اليوم الأخير من سنة 1953 خمسة وطنيين مغاربة.

وهكذا يكون الاختطاف واحتجاز الرهائن من بين الممارسات التي عرفها المغرب على أيدي عصابات “اليد الحمراء”، كما أن إلصاق تهم الإرهاب والاختطاف واحتجاز الرهائن بالمغرب يرجع هو أيضا إلى ذلك التاريخ، فقد نشرت جريدة “فرانس سوار “الباريسية في عدد 31 دجنبر 1953، عنوانا ضخما يقول “اليد البيضاء تختطف قادة الاستقلال”، وكتب مراسل الجريدة الفرنسية بالدار البيضاء، واسمه “جان إيبارفيي” ((إن المغاربة والأروبيين يعتبرون حزب الاستقلال هو المسؤول عن اختطاف السياسيين الخمسة)).

وقد تعمد الصحفي وصف “اليد الحمراء” باليد البيضاء، إبعادا لاتهامه بأي تواطئ مع عصابات “اليد الحمراء”.

ولم تكتف السلطات الفرنسية في المغرب بتقديم الدعم والتغطية لعصابات “اليد الحمراء”، بل إن واقعا رهيبا أورده مؤرخ فرنسي عايش الأوضاع، واسمه “فرانسوا بروش” يحكي في كتاب له صدر في سلسلة “جرائم سياسية” نشرته في باريس مؤسسة “بالارد” سنة 1977: ((إن المجرمين الفرنسيين في سجن القنيطرة يحكون أنهم كانوا يخرجون من السجن، ويتسلمون أسلحة من حراسهم ويذهبون في جولات عبر المدن والقرى ليغتالوا المغاربة، ثم يعودون إلى السجن بعد أن يتمتعوا بساعات من الراحة في مقاهي مدينة القنيطرة)).

وللحقيقة والتاريخ فإن ضمائر بعض الفرنسيين الأحرار بدأت تهتز لبشاعة ما كان يجري في المغرب على أيدي عصابات “اليد الحمراء”، لكن هذه المنظمة، أصدرت لائحة تتضمن أسماء كل الفرنسيين الأحرار، وكان من بينهم محام اسمه “بول بوتان” كان ابنه “موريس بوتان” في باريس، من حملة مشعل القضية العربية وقضية حقوق الإنسان.

وقد توصل المحامي “بول بوتان” برسالة تهديد من عصابة “اليد الحمراء” هذا نصها: ((إن الصعاليك أمثالك تم إعدامهم في تونس وفي مناطق أخرى، فاحبس لسانك، وإلا فإن أيامك معدودة. الإمضاء منظمة ماو ماو)).

ولقد هبت المؤسسة الحكومية السرية في فرنسا “دي. إس. تي” منظمة حماية التراب الوطني هلعة لإفلات الزمام من أيديها، فجاء مديرها “روجي ويبو” للمغرب لإجراء بحث ومحاولة إيقاف النزيف، ورفع تقريرا لازال موجودا في الوثائق الفرنسية يقول فيه: ((إن بعض الأروبيين المدفوعين بعقلية الحقد والانتقام، يركبون سياراتهم ويحملون أسلحتهم النارية، ويطلقون النار على أول مغربي يظهر أمامهم، ولكن منفذي هذه الجرائم المجانية لا يمكن تحديد هويتهم)).

وإذا كانت الحملة الأخيرة في تقرير مدير المخابرات الفرنسي “روجي ويبو” تعني الفشل في توقيف الإرهاب، أو عدم الرغبة في توقيفه، فإن الصحافة الفرنسية سارعت لتبرير الموقف الفرنسي المعادي للمغاربة، وكتبت جريدة “باريس” في عدد سابع يناير 1955 بقلم الصحفي “كاميل إيمار” ((إن صرامة الحكومة الفرنسية لا تستطيع شيئا تجاه الإرهاب)).

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box
إغلاق
إغلاق