الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | اغتيال “فرحات حشاد” أول عملية إرهابية في شمال إفريقيا

بقلم: مصطفى العلوي

    امتاز القرن التاسع عشر منذ شهوره الأولى، بأنه قرن المخترعات وتحقيق المعجزات.

وكل الاختراعات طبعا، تسلب الألباب وتلتهم اهتمامات العقول، لتكون في نفس الوقت أداة لتنفيذ برنامج معين لفائدة الطرف المستعمل لذلك الاختراع.

وكانت أروبا بالدرجة الأولى، منبع أغلب الاختراعات ولازالت، وقد التحقت بها الولايات المتحدة في بداية المطاف، فتظافرت جهود أمريكا وأروبا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، للمزيد من الاختراعات، والاستزادة من تطويرها.

وكان الإرهاب واحدا من الاختراعات التي منَّ بها الغرب على هذا العالم، عملا بسنة الكون التي تجعل في جانب كل جسم عنصرا لتحطيمه.

لقد عرفت البشرية منذ هابيل وقابيل، ما يسمى بالاغتيال، وكان آخر اغتيال في القرن الثامن عشر هو الذي دبره اليهودي “كريفينسكي” في روسيا ضد القيصر الإسكندر الثاني بواسطة قنبلة فجرها اليهودي في فاتح مارس 1881، مما سبب تنكيل القياصرة باليهود سنوات طويلة فيما بعد ذلك الاغتيال.

إلا أن الإرهاب الحقيقي الذي أصبح اليوم عملة متداولة في مشارق الأرض ومغاربها، لم يعرف بشكله الحالي إلا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حينما فهم الأقطاب الأربعة الكبار في مؤتمر يالطا سنة 1945، أن الحرب الحقيقية ليست بالمدافع والطائرات، وإنما بالمؤامرات، ذلك أن المدلول الحقيقي للإرهاب هو تسخير اليد الفاعلة من طرف يد مجهولة، وهذا هو الفن الذي برع فيه عباقرة الغرب، في وقت كنا فيه نحن العرب، في عداد الضحايا.. ضحايا الإرهاب.

وها هو الغرب اليوم، ومن باب الإرهاب، يرهب الرأي العالمي باسم العربي، ويربط العربي بالإرهاب، وسأقف عند سقوط نطفة الإرهاب في البطن الغربي بعد اجتماع “يالطا”، لأفتح قوسين أتمكن بينهما من إثبات أول حادثة تم إلصاق الإرهاب فيها بالعرب، حينما نشرت مجلة “الإكسبريس” الفرنسية بقلم الصحفي الباحث “سلارز” (العدد 13 نونبر 1972) وصفا مفصلا عن حادثة إرهابية كبرى وقعت في باريس، تم اعتقال سيدة تدعى “آن ماري” تعرضت من طرف الإرهابيين لتعذيب كبير، قبل وبعد أن استعملوها في العملية الإرهابية، وشوهوا أطرافها، وعندما حكت للشرطة كل التفاصيل، قالت لهم: ((وقد هددوني بالقتل إذا لم أصرح لكم بأن العملية كلها من تدبير مجموعة من الشبان العرب)).

هكذا نرى أن تطوير أساليب الإرهاب، مر عبر مرحلة تسخير اليد المجهولة لليد الفاعلة، وأدرك حد إلصاق العملية كلها، بيد ثالثة، بريئة، لكن ما هي المراحل التي قطعها هذا المولود الخبيث الذي سمي بالإرهاب، والذي وضعته أروبا بشع المنظر، ملطخ اليدين بالدماء؟

لقد خرج العالم بعد الحرب العالمية الثانية التي دمرت أروبا، إلى مرحلة الحرب الباردة، التسمية الملطفة للإرهاب، وكان البريطانيون أقطاب المخابرات بواسطة جهازهم المسمى “م 16” والذي أصبح في الدرجة الثانية بالنسبة لمنظمة المخابرات الأمريكية “س. آي. إي” المشهورة بمزاولتها لما يسمى بالأعمال الوسخة، وأسس الروسيون منظمة “الكاجيبي” التي يقطر كل حرف منها بالدماء، أسس الفرنسيون جهازين، الأول اسمه “الدي. إس. تي” حماية التراب الوطني، وقد كان إدارة صغيرة قديمة متواجدة منذ سنة 1899 اضطر الفرنسيون لتأسيسها بعد الفضيحة التي هزت فرنسا في ذلك الوقت، فضيحة “دريفوس”، إلا أن جهاز ‘الدي. إس. تي” لم يعرف مولده الحقيقي إلا بعد الحرب العالمية الثانية، أما الجهاز الثاني ويسمى “سديك” فقد تخصص في الحرب الباردة الخارجية.

ولم يكن الروسيون ولا الأمريكيون ولا الفرنسيون ولا الإنجليز، يشكون لحظة واحدة في أن أجهزتهم هاته، هي الأسلحة الفتاكة الجديدة التي تستعمل في الحرب الباردة، لذلك ابتدأ الصراع بين أجهزة الدول الأربع، وكان أخطر من الأسلحة الجديدة التي تقتل بدون أن تهدم المنازل، فقد برعت هذه الأجهزة في القتل دون علم أحد.

وكان الفرنسيون في حاجة كبرى لمزاولة حربهم الباردة بضراوة وسرية، لأنهم أصبحوا بعد نهاية الحرب يخوضون المعارك السرية في واجهتين: واجهة داخلية للبحث عن العناصر النازية التي بقيت في فرنسا بعد الجلاء الألماني، وخارجية لمواجهة الحركات التحريرية الوطنية في منطقة المغرب العربي، الذي كان دماغها في القاهرة، بقيادة مجموعة من أبطال المغرب العربي، وعلى رأسهم المجاهد عبد الكريم الخطابي الذي كان لاجئا في مصر.

وطبعا، كانت الثورة المصرية تمول وتؤطر وتدبر شؤون مكتب المغرب العربي، وتستحث الهمم للتعجيل بطرد الاستعمار الفرنسي.

وهذا هو المبرر الحقيقي للحرب التي خاضتها فرنسا على واجهة المغرب العربي، بجميع الوسائل الساخنة والباردة، والتي دفعتها لمغامرة حرب “السويس” في العدوان الثلاثي سنة 1956.

في الخمسينات، كانت فرنسا متواجدة في الجزائر، التي تعتبرها امتدادا للتراب الفرنسي، فليس بإمكانها إذن أن تخوض حربا مفتوحة ضد الوطنيين الجزائريين، كما أنها بالنسبة لتونس والمغرب، كانت هي الدولة الحامية، بمقتضى عقد الجزيرة الخضراء، فلم يبق لها إلا استعمال الحرب الباردة، لضرب العناصر الوطنية.

ووجدت فرنسا في الضباط المتقاعدين من الحرب العالمية الثانية، مجموعة ضخمة من الرجال الذين يخفون وراء بدلهم الأنيقة المزينة بوسام صغير، ذئابا متعطشة للدم، مشحونة بالكراهية لهذا الجنس العربي، الذين كان صوت العرب بإذاعة القاهرة، وماضي “الشيخ أمين الحسيني”، وحاضر النخبة الوطنية بالمغرب والجزائر وتونس، يقضون لهم مضاجعهم، ويتهددونهم في أعماقهم، ويصحون في ذاكرتهم تلك الذكريات الرهيبة لأيام الاحتلال الألماني لفرنسا، ويزداد حقدهم وتعطشهم للانتقام، عندما يعرفون أن الحركة الوطنية العربية نزلت إلى الشوارع وخرجت من السر، أثناء الانتصارات الهتليرية.

فالارتباط إذن بين التنكيلات النازية باليهود، والأفكار الوطنية العربية المحاربة لإسرائيل، كان هو الدافع الكامن فيهم، وبينهم عدد كبير من اليهود، وتم إدماج المجموعات المتسيبة من كبار الضباط الفرنسيين السابقين فيما يسمى بتشكيل “الساك” (العمل التطوعي)، ووزعت عليهم أوراق تعريف تحمل الخطوط الثلاثة التي تمثل العلم الفرنسي، وأصبح كل رفقاء السلاح أعضاء تنظيم “الساك” دولة داخل الدولة، خصوصا بعد أن أعطيت تعليمات للشرطة والدرك بتسهيل مهامهم، وأية مهام؟

وعرفت فرنسا أوضاعا كان القاتل فيها يطلق سراحه رأسا بمجرد إبرازه لهوية “ساك”، فكانت بداية التأطير الشرعي للإرهاب في فرنسا، وفي فترة قصيرة من بداية الخمسينات، أصبح “رفاق الساك” هم الأيدي الضارية لجهاز المخابرات الفرنسي “سديك”، بل إن اجتماعا عقد سنة 1951 على مستوى القمة بين مدير المخابرات الفرنسية “المسيو بورسيكو” ومدير المخابرات الأمريكية “ألان دولس” أخ “فوستر دولس” الذي سبق وشغل منصب وزير للخارجية الأمريكية، فتح الأبواب لجهاز المخابرات الأمريكية في أروبا.

وأطلق لرجال “الساك” الفرنسيين اليد في أمريكا الجنوبية التي كانت وقتها محط تسربات الشيوعيين في كوبا، وكان الفرنسيون يستغلون تقدير الأمريكيين الجنوبيين لفرنسا، وكراهيتهم للأمريكيين الذين كانوا يتجسسون عليهم لحساب الأمريكيين.

لكن العدو الحقيقي للفرنسيين، لم يكن في أمريكا الجنوبية، وإنما في إفريقيا الشمالية، وكانت الفترة حاسمة تلك التي بدأت فيها الأفكار الوطنية بالمغرب العربي، والمبادئ العربية الإسلامية لشعوب المنطقة تتحول إلى مقاومة مسلحة، بدأت بمجرد نفي ملك المغرب المرحوم محمد الخامس يوم 20 غشت 1953، وأصبح الفرنسيون المحتلون للمنطقة كلها من تونس إلى المغرب يشهدون بوادر الخطر الذي يتهدد الجنة التي كانوا ينعمون بها، فكانوا يرون أن شعوب المغرب العربي تستعد لضربهم بنفس السلاح الذي ضربوا به الألمان، فاختاروا سلاحا آخر، جديد الصنع والشكل، اسمه الإرهاب، وكان في سنة 1952 قد استوى عوده، واكتملت صفاته، وأصبح أداة فعالة وناجعة دون غيرها.

وانتقل المؤطرون من رجال “الساك” إلى منطقة العمليات ليبحثوا عن منفذين ومساعدين، كما تفرغ جزء منهم لصنع الأسباب والدواعي.

وانقسمت أجهزة التنفيذ السفاكة إلى قسمين: قسم مكلف بالتصنيفات في الخارج، ويسمى “الكاتينا”، وقسم مكلف بالتصفيات في داخل الشمال الإفريقي ويسمى “اليد الحمراء”.

ودشنت “اليد الحمراء” عملياتها في تونس باغتيال الزعيم النقابي التونسي الشهيد “فرحات حشاد”، فقد كتب أحد الصحفيين المتطرفين واسمه “كاميل إيمار” (يهودي) مقالا في جريدة فرنسية، ناشد فيه “ذوي الضمائر الحية” لاغتيال الزعيمين “بورقيبة” و”فرحات حشاد” غسلا للشرف الفرنسي (هكذا)، (جريدة باريس عدد 28 نونبر 1952). وفي رابع دجنبر 1952، تقدمت سيارة من نوع “سيتروين” في الطريق العام بتونس، من سيارة صغيرة نوع “سيمكا” كان يسوقها الزعيم التونسي “فرحات حشاد”، ورشتها بعشرات الطلقات، لكن “فرحات حشاد” لم يصب بأذى، ونزل من سيارته وحاول إيقاف إحدى السيارات المارة، وبغتة، وقف له سائق شاحنة كبرى، ثم سائق سيارة صغيرة من نوع “بوجو”، فاختار ركوب “البوجو” ربما لأنها أسرع وهو في حالة هروب من الخطر، فشكر صاحب الشاحنة وركب في “البوجو”، ولكن ركاب “البوجو” سرعان ما أصلوه بنيران رشاشاتهم، ووجدت جثته تحت ضوء الفجر مرمية على الطريق.

وكانت البداية لعملية الإرهاب الفرنسي في المغرب العربي.

كانت بداية حرب شنتها “اليد الحمراء” في شمال إفريقيا، و”الكاتينا” في أروبا ضد المصالح العربية وكل المتعاونين مع حركة تحرير المغرب العربي، ولم يكن اغتيال “فرحات حشاد” إلا البداية، والتجربة، فقد استولى رجال “الكاتينا” في باريس على وثائق السفارة المصرية، وخصوصا ما كان موجودا منها بمكاتب الملحق العسكري، “علي خشبة”، الذي كان ينسق بين حركات تحرير المغرب العربي والحكومة المصرية.

وإذا كان التاريخ لا يرحم أحدا، فإنه لا مناص من أن نقرأ ما كتبه في مذكراته أحد المسيرين لجهاز المخابرات الفرنسية، واسمه “ديروين بيركو” حيث ذكر أن ((الجنرال دوكول كان يعطي شخصيا موافقته على البرامج المخططة للتصفيات، بواسطة تأشيره بقلم أخضر على كل ملف، بوضع علامة صليب صغيرة، تعني نعم)).

لكن الجنرال دوكول إنما جاء للحكم في فرنسا في عنفوان الثورة الجزائرية، وبعد استقلال المغرب، إذن، فقد كانت مسؤوليته في بعض العمليات ثابتة فيما يتعلق بالثورة الجزائرية، وللحقيقة والتاريخ، فإن الجنرال دوكول استعمل عصابات “الساك” في مرحلة أولى لحماية الوجود الفرنسي في الجزائر، ثم استعملهم في مرحلة ثانية لتصفية معارضيه عندما بدأ يفكر في إمتاع الجزائر بالاستقلال، بعد ما كان يسميه بـ”صحوة الضمير”.

لكن الإرهاب الذي لا شك أن الإسرائيليين تلقنوا دروسه من أجهزة الإرهاب الفرنسي، عرف أوجه قبل وصول الجنرال دوكول للحكم، حينما سقطت الجمهورية الرابعة في تناقضات جلى بين القانون وتطبيقه، حينما أصبح الشارع الفرنسي تحت رحمة رجال “الساك” وأصبحوا دولة داخل الدولة، خصوصا بعد أن أصبحوا دولة البطش والفتك، المتحدية لدولة المبادئ والأفكار.

وفعلا، دخل الجنرال دوكول إلى قصر الإليزي محمولا على أعناق رجال “الساك”، فكان لا بد له أن يرضيهم، فترعرعوا واستأسدوا ولم يبقوا هامشيين خطرين، وإنما أصبحوا أداة فاعلة تحظى بالهيبة والنفوذ داخل أجهزة المخابرات الفرنسية التي عرفت أوجها في عهد الجنرال “دوكول”.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box
إغلاق
إغلاق