الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | عندما ازدان الفراش الأوروبي بمولود اسمه الإرهاب

بقلم: مصطفى العلوي

كلما حطت بالواحد منا، واحدة من هذه الطائرات الضخمة في مدرج مطار “شارل دوكول”، القابع وسط غابات “رواسي” في ضواحي باريس، وابتلعته السراديب الكهربائية المتحركة لتلفظه وسط آلاف الرائحين والغادين في الصالونات الزجاجية، فيغرق في عالم حالم من الموسيقى الهادئة والأصوات الرنانة والضحكات الهامسة، وتضيع عيونه بين القدود الجذابة، والأزياء الخلابة، إلا وتزداد دقات قلبه لهفة على الوصول السريع إلى قلب باريس، التي جفت أقلام الرومانسيين من كثرة الكتابة عنها، ونفذت كلمات الإبداع من قواميس الشعراء وفوانيس الفنانين ونواميس الرسامين في التغزل بجمالها.

ونضيع جميعا تحت أضواء باريس، وتنعدم المقاييس، وتذوب الشخصيات في صخب “الشانزيليزي”، حيث لا يبقى للمصروفات حد ولا للأموال مقياس ولا في الجيوب رصيد.

ومن تحت ناطحات سحاب “مونبارناس” التي تهافت الأغنياء على شراء شققها، تتحرك المصاعد الزجاجية نحو الأعلى لتحتضن الأعين من صالونات سطوحها، هذا العالم الخلاب الذي تنطق كل حجرة من بناياته الداكنة، بجملة من تاريخ الحضارة الغربية، وأمجاد الثورة الفرنسية، حتى ليكاد المصغي أن يسمع أصوات “لويس الرابع عشر” وهو يتحشرج تحت وقع المقصلة، و”فيكتور هوغو” وهو يردد آهات البؤساء وأناشيد المنتصرين.

باريس هاته، التي سال على جنبات جمالها لعاب النازيين ولم يهدأ لهم بال حتى احتلوها، كانت على مدى الأبد، مدينة الحب والحرية والسلام، حتى أن التائه فيها يكاد يلمس مدلول الحرية في كل موقع لمسه من جنباتها.

ونستغرب حياة الملايين من المتحركين فيها ممن شبعوا من جمالها، فانشغلوا عما يشغلنا من التهام أبصارنا لأطرافها، وغرقوا كلهم في عالم الاستطلاع، حاشرين أنوفهم – كلهم بدون مبالغة – بين صفحات الجرائد، وكأنهم يبحثون عن كلمة ضائعة، على كراسي المقاهي، وفي مقاعد التاكسيات، وفي مدارج الممرات، وحتى في دهاليز “الميترو” الساخنة.

وسرعان ما يضيع فضولنا حول هؤلاء الباريزيين – الذين يعيشون ليقرؤوا – عندما نغرق في ليالي باريس الصاخبة، حيث المتعة التي لا تعرف بدا، والمحرمات التي لا تعرف حدا.

وكثيرا ما يصحى الواحد منا في الصباح المتأخر ليطلق آهة ارتياح على وجوده في بلاد النور والحرية والحبور في باريس، كما في لندن، في “السوهو” و”البيكاد يللي”، و”هامبورغ” في حي “الريبابان”، وبروكسيل في الحدائق، وجنيف على ضفاف البحيرة، وفي كل عواصم الغرب المحظية بالنعيم، ونكاد نقرأ على سحنات الأوربيين مسحات من الحزن المكين، والحقد الدفين، كلما لمحت عيونهم صاحب سحنة عربية، أو شعر أدكن وشنبات شرقية، فقد تسمموا بأفكار العصر وأخبار النشر، وأيقنوا بدون هوادة أن كل عربي يحمل في طيات سترته – ولا شك – شحنة من الإرهاب.

وكيف نواخذ الرأي العام الأوربي على هوسه وهو الذي حقنت أجهزة الإعلام شرايينه بمقادير من الأخبار المصنوعة في مختبرات الصهيونية العالمية، التي نجد أنفسنا في غنى عن الاستدلال بالحجج الدامغة عنها، وكنا نرى آنذاك “مردخلي” يصبح الملك الثاني في بريطانيا قابعا على عرش الصحافة – على سبيل المثال لا الحصر – مثل قبوع “هيرسان” في ذلك الوقت، على عرش الصحافة في الجمهورية الفرنسية.

ولكن صفاء النية العربية، يجعلنا، ونحن نلحس بأهدابنا واجهات الحضارة البراقة في شوارع أوروبا، لاهين عن استكناه النظرات المتبرمة التي تصلي قفا كل واحد مر منا، كما تشغلنا ارتباطاتنا ومواعيدنا، وهيامنا بزجاجات العطر الفرنسي ومعاطف الفرو البريطاني، ومنتجات الشوكولاطة السويسرية، عن حقائق عدة، تضيع ما بين وصول طائرتنا وإقلاعنا على متن طائرة أخرى.

بينما الحقيقة التي نراها، هي أكبر من الجمال الذي يلهينا، وأوسع من الشوارع التي تلتهمنا.. إنها أضخم من برج “إيفل”، وأكثر صعقا من ضربات “بيك بن”، ذلك أن الأصباغ اللماعة التي تذهب بألبابنا، والأضواء البراقة التي تنعش أبصارنا، والنغمات الرنانة التي تسكر أسماعنا، إنما هي – مجتمعة – عبارة عن غلاف شفاف يلف واقعا مزيفا سرعان ما تظهر بشاعته بمجرد أن تمر أناملنا على صفحته المذهبة، لتنكشف لنا من الأهوال والآلام والأوساخ والقاذورات، والفتن والمقرفات، والفضائح والموبقات، ما تشمئز له النفس، وتدعو مواجهته إلى الغثيان.

ولو قدر لأي واحد منا أن يبحث عن سر تلك الصفارات التي تخترق كبد الليل بين الفينة والأخرى، منبعثة من سيارات النجدة أو الإنقاذ، أو أن يدخل مكاتب الوثائق في مخافر الشرطة، أو ملفات القضاء، لاستقرت سفينة فضوله على شاطئ من الريبة والشك في سلامة ذلك الواقع البراق الجذاب.

ولو أصغى الواحد منا بسمعه لحظات إلى الأخبار التي تذاع بعد منتصف الليل، عما يجري أو جرى من جرائم وموبقات، لما استطاع إغماض عينيه لحظة واحدة على الإطلاق.

إن الذي يقلب غطاء الواقع الأوربي ويمسح الواقع المظهري البراق، ليكشف أن ليس هناك خلف كل أكمة، أجمة فقط، وإنما سيرى أن الساحة الأوربية الجذابة، برخامها وتماثيلها وسنابل مياه نافوراتها وزهور حدائقها، ليست في الواقع إلا غابة موحشة قفراء، أو بيداء قاحلة صفراء، تتقاتل فيها المخلوقات البشرية بضراوة الوحوش المفترسة، وتتحين فيها الأجهزة القائمة، بدون رحمة، فرص الغدر والتسلط بحدة الأفاعي السامة، تمتص فيها الإمبراطوريات المالية دماء ضحاياها مثلما تمتص النمور البرية دماء فرائسها من الوعول الآمنة.

وبدءا بأجهزة المخابرات، التي تساير كالظل كل ساكن ومتحرك، بدءا بتعقب الخطوات وانتهاء بالتنصت على المكالمات، تلك الأجهزة التي تستعبد الإنسان الأوربي والزائر الأجنبي، وتحبسه في شباكها مهما كانت حدود براءته، تلك الأجهزة التي تسقط رؤساء الدول، وتملي إرادات أصحاب القرار، وتفلي شعرات الأحداث المتشابكة شعرة شعرة، عبر الوقائع والاحتمالات، وتغربل حبات الحروف المنطوق بها في الجلسات والمناقشات، المنقولة نصا نصا عبر هياكل الأجهزة المتمثلة في سائق التاكسي، ونديم المقهى، وخادم الفندق، عبر الطبيب والصيدلي، عبر الترجمان والكاتب، عبر السكرتيرة والمضيفة، فتتم قراءة المذكرات الشخصية، وترجمة الوثائق المصورة، وتحليل البصمات، كما يتم تصوير الحركات والسكنات كلما تعلق الأمر بشخصية من صنف ما يسمى “بالفي أي بي”.

ولا يتوقف نشاط المخابرات عند حد التجسس وإحصاء الأنفاس، بل إنه عند الحد إنما يكون قد بدأ العد، فنشاط المخابرات – بالنسبة للكل لا للبعض – يبدأ عندما يصبح رجالها محاورين، تجارا ومفاوضين، مستشارين ومحلفين، ولا ينتهي ذلك الدور إلا عندما تكون أجهزتها قد أصبحت طرفا فاعلا في القرار، حتى عندما يتعلق الأمر بعلاقة بريئة بين شخصين.

وتجد الفرنسي العارف المطلع، يتحسس باستمرار ريحا باردة تنفخ في قفاه، نائما أو صاحيا، بينما لا يعتبر أي أوربي نفسه خارجا عن طائلة السيف المسلط على الرؤوس كلها، باسم القانون، الذي يتم تفسيره حسب الظروف وتأويله حسب الواقعين تحت طائلته.

وليس القانون وحده مزدوج الأوجه، بل أجهزته كلها..

ولا يخلو مقال، ولا تقرير ولا قصة، لا شريط سينمائي ولا حوار سياسي، من الحديث بكل بساطة عن الجهاز الموازي (الباراليل)، الذي يعني نوعا آخر من الشرطة لا تلبس حزاما ولا تتمنطق بمسدس، ولا تخضع لقانون.

و”الباربوز” تسمية شائعة في أطراف أوربا، تعني رجال المخابرات المتسيسين الذين يزاولون المهام القبيحة عن اقتناع وعقيدة لا نتيجة ارتباط وظيفي.

ولو نطق النهر الحالم الذي يخترق باريس مثلا في هدوء سحري وانسياب شاعري، عما أغرقت فيه من جثث في زمن مضى، وجرت على جنباته من جرائم في سنوات خلت، لتفادى الناظر إلى صفحته كل إغراق للبصر في مداه.

فعالم المخابرات مرتبط عضويا، ماديا، وسياسيا، بعالم المخدرات التي تعتبر السيدة الكبرى في جميع الظروف والأوساط، حيث ما يسمى “الفرينش كونيكشن” كان هو السلسلة التي تشد هياكل إمبراطورية المخدرات إلى الكيان الغربي عبر مياه المحيط الأطلسي.

وعالم الدعارة الذي تعدت سوقه في ضخامتها آنذاك أهمية الحلف الأطلسي وأنشطة السوق الأوربية المشتركة، حتى أن تجارها لا يخجلون لحظة واحدة عند افتخارهم بالانتماء إلى دولة الدعارة التي تسمى “البروكسينيتيزم”، ولو قرأنا مذكرات نجوم السينما وملكات الجمال، وأولئك الذين يكسبون الملايين.. لعرفنا السبب الذي يجعلهم يموتون فقراء، أو يقضون بقية حياتهم في مستشفيات المعتوهين، لأنه كلما أضاءت مصابيح الشهرة وكشافات المجد وجها، إلا وأضيف اسمه إلى اللائحة الطويلة لضحايا الابتزاز المنظم والمقنن والمعروف باسم “الراكيط”، بينما تبقى الشوارع والأزقة، والقصور والشقق الفاخرة، والمقاهي والمقاصف، والفنادق والبيوت الخاصة، مرتعا لما دون ذلك من نصابين محترفين، ومحتالين مستقلين، ومزورين مقتدرين، وانتهازيين بارعين، أولئك الذين لا يخلو منهم معبر ولا طوار، يبحثون عن ضحاياهم بالليل والنهار، يكتفون تارة بالحصول على نسبة مائوية في كل نشاط مهما كانت تفاهته، وتارة بالخطف والنهب وحتى الاغتيال، لأن الفلسفة العقائدية هنا هي فلسفة “الحوت في قعر البحر”، حوت كبير يأكل كل حوت صغير، فلا يوجد حد لدغل الافتراس الأبدي لكل الساكنات والمتحركات.

هذا هو “الوجه الآخر للميدالية” كما يقول المثل الفرنسي، وهذه هي الحقيقة المريبة القابعة في تلك السنين خلف الصور الجميلة.

وهذا هو بالتحديد، المزرعة التي كانت تترعرع في أوحالها قوات الشر والإرهاب.

وفي أوكار هذا الدهليز المظلم العميق، تفرعنت المناورات الإسرائيلية والمؤامرات الصهيونية، وأصبحت كالأخطبوط المتشعبط بحباله في كل أطراف الواقع الخبيث، وأعطت هذه الصلات الفاسدة نباتا اسمه الإرهاب، نما وترعرع في هذا المستنقع العفن الأفن، فأعطى أقطاب القتل والسفك، “كارلوس” وقبله “بادر ماينهوف” وقبلهما “جواتيا”، وقبلهم الإخوة اليهود “زمور”، وقبلهم “جيريني”، وقبلهم “الكابون”، وقبلهم لائحة طويلة من السفاكين والقتلة الذين كانت دوافع جرائمهم سياسية، هم الذين خلقوا الإرهاب وزرعوا بذوره في أرجاء العالم فارتعشت لها فرائصه سنين طويلة قبل أن ترمى دماء جرائمهم على القميص العربي، ليتخذوه ذريعة لتحميل العرب جرائم ارتكبها أسلاف الإرهاب الغربي وراثيا أبا عن جد.

وإذا كان الأمر لا يتعلق في نظر العرب بإطلاق الاتهامات في حق الغرب على عواهنها، فليمهلني قرائي حتى أفتح معهم الملفات وأتطرق للأسماء والأماكن، بالأرقام وبالتواريخ، لأن تاريخ الإرهاب الغربي في هذا العصر، خليق بأن نقرأه ونعيه، ونعلقه على جدران ذاكرتنا مثلما فعلنا بالمعلقات العشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق