المنبر الحر

نساء التهريب.. الباحثات عن الخبز الحلال

بقلم: جميلة حلبي

هن نساء فعل بهن الزمان فعلته، وتقاذفتهن أمواج الفقر وقلة ذات اليد، فلم يجدن سبيلا للعيش إلا العمل في تهريب السلع، وهي المهنة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وإنما تسد رمقهن ورمق أولادهن، غير عابئات بالمخاطر.. المهم أن تحققن مدخولا يوميا يجنبهن مد اليد تسولا للقمة العيش، فكانت الوجهة التي تبدو بالنسبة إليهن سهلة، هي الشمال المغربي وما تعرفه المنطقة من ازدهار تجارة التهريب بحكم قربها من إسبانيا، فيشمرن على سواعدهن المنخورة تعبا ويذهبن أو يسرين عبر مختلف وسائل النقل، غير المريحة طبعا، متوجهات إلى سبتة المحتلة، يستأجرن ظهورهن ويحملن كيلوغرامات عديدة، بل أطنان السلع.. إنهن “الحمالات” كما يصطلح عليهن، اللواتي يعملن كساعي البريد بين تجار المواد الاستهلاكية من داخل سبتة وبين باقي المستفيدين من هاته التجارة، يحملن “الكوليات” بأجساد منهكة أتعبها السفر وطول الانتظار، انتظار أوقات فتح معبر “باب سبتة” الذي يفتح ويغلق بمواقيت محددة، من أجل الهروب من الرقابة والتفتيش، ليدخلن في دوامة التخفي والهروب من الجمارك والأمن، من جهة، ومن جهة ثانية، الهروب من مافيا التهريب المنظمة عبر وسائل النقل.
إنها فعلا مأساة فئة اجتماعية تعاني في صمت.. لكنها تفضل الخبز الحلال رغم ما تتكبده هؤلاء النسوة من مخاطر ومعاناة خلفت إصابات متفاوتة وأودت بحياة العديد منهن تدافعا في المعبر الحدودي نتيجة عدة عوامل منها الاكتظاظ، إضافة إلى ما يعانينه من ابتزاز وتحرش، وما زال “العاطي يعطي” إن لم يتم وضع حد لذلك، فـ”باب سبتة” أو معبر الذل كما بات يطلق عليه بالنظر إلى المآسي والتجاوزات التي تقع فيه، وبالنظر إلى حالة ووضعية النساء اللواتي يشتغلن في هذا التهريب المعيشي، ويا ليته كان معيشيا، أصبح مادة دسمة لمختلف المنابر، ومختلف الجمعيات الحقوقية ببلادنا التي لا طالما دقت ناقوس الخطر لما يجري ويدور حوالي هذا المعبر، وأيضا جمعيات ومنظمات حقوقية دولية، وجدتها فرصة سانحة لانتقاد سياسة المغرب التي لا تخرج وضعية فئة “الحمالات” من طوقها، إذ رغم كل ما كتب وما قيل، وما ثبت بالصور والوقائع، لم يتم إيجاد حلول لهذه الفئة لحد الآن.
فبأي ذنب عوقبت “الحمالات” حتى يشتغلن وكأنهن بغال، وكأنه محكوم عليهن بالأشغال الشاقة إلى ميقات غير معلوم.. لا، لم يرتكبن أي شيء، بل ذنبهن الوحيد أنهن ولدن فقيرات وكبرن في مجتمع الغني فيه لا يلتفت إلى الفقير تاركا المساحات شاسعة وتتعمق سنة بعد سنة، وها نحن في القرن الواحد والعشرين، زمن التكنولوجيات بمختلف أنواعها، وزمن التطور في كل المجالات، لكن العقول لم تتطور رغم تقدم وتوسع مجالات الدراسة والمعارف، بل بقيت متحجرة تعمل بمنطق “أنا والطوفان من بعدي”، مما أفرز طبقة الكادحين الذين لا يجدون للعيش الكريم سبيلا، لكن لا يوجد في هذا الكون أكدح من نسوة يحملن الأثقال مقابل بعض الدريهمات وكفى بربك وكيلا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box
إغلاق
إغلاق