الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | أمينة المغربية.. في قلب الحرب الباردة بين الشرق والغرب بالرباط

بقلم: مصطفى العلوي

من السيدات المغربيات القلائل اللواتي حظين بالعمل في مصالح السفارة الأمريكية بالرباط. منذ السنوات الأولى لفتح السفارة، كانت السيدة أمينة تحصل يوما بعد يوم على ثقة السفراء المتعاقبين، ثقة في حسن أخلاقها، في استقامتها، في محافظتها على السر.. وفي إتقانها للغة الإنجليزية.

في سنة 1983، كانت بصدد إنهاء السنة التاسعة عشر في مصالح السفارة بالرباط.. وكانت على بعد سنة فقط من التقاعد.

وفي المكاتب المخصصة لقسم الصحافة، كانت السيدة أمينة بعد الإسرائيلي أفلالو، هي الشخصية الثانية بقسم الصحافة المسمى “يو. إس. آي. إس”، حيث كان رئيس المصلحة، المستر سميث، وهو اسمه الحقيقي، ينظر إليها باحترام كبير.

وكانت السيدة أمينة قد فقدت زوجها، فبقيت حياتها الهادئة والمتواضعة متقاسمة بين شغلها في السفارة، وبين ابنها وابنتها، وهما شابان متخرجان أو في طريق التخرج، يعيشون مع أمهم في شقة متواضعة غير بعيد من السفارة.. قبالة محكمة الاستيناف سابقا، وراء محطة القطار.

لم يكن أحد يتصور يوما أن هذه السيدة الوديعة ستجد نفسها في جوف الصراع الحامي بين الشرق والغرب، بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي، بل إنها لم تكن تتوقع أن ما تقرأه في التقارير، وما تراه يوميا على صفحات الجرائد من حروب سياسية واستخبارية بين كتلتي الشرق والغرب، سيطرق عليها بيتها الصغير، وينقلها من هدوئها واطمئنانها، إلى أتون الجحيم المستعر.

وترجع الخطوات الأولى للسيدة أمينة على البساط الملتهب للصراع الدولي، إلى سنوات خلت، حينما طرق بيتها شاب مغربي رفقة رجل أجنبي قدمه لها على أساس أنه رجل أوروبي مهتم بالقضية الفلسطينية، ويبحث عن سيدة تترجم له كتيبا من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية، وحيث أن السيدة أمينة لا تقل عطفا على القضية الفلسطينية من أي مغربي آخر.. ولا تقل إتقانا للغة العربية عن إتقانها للغة الإنجليزية، فإنها قبلت تقديم الخدمة، وترجمة النشرة.

وبعد أيام قليلة، جاء الرجل الأوروبي وحده طبعا، ليأخذ الترجمة العربية، وليشكر السيدة أمينة، إلا أنه عاد مرة ومرتين طالبا أعمالا أخرى للترجمة، عرفت خلال إحدى اللقاءات أن ذلك الأوروبي، روسي، ويحمل اسم “فلاديمير”، وحيث أنه لم يخلط يوما بين ما يطلبه منها وبين شغلها في السفارة الأمريكية، فإن السيدة أمينة لم تر في ذلك أي إحراج.

وخطا “فلاديمير” في نهاية 1981، خطوة أخرى حينما طلب من السيدة أمينة أن تتفهم وضعيته، ذلك أنه يتضايق كل مرة عندما يأتي عندها بينما بيتها على بعد أمتار من محكمة الاستيناف، وترجاها أن تقوم هي بزيارته في شقته، وسألته لماذا..؟ وما المبرر..؟ وهو يعرف ابنها وابنتها، وجديتها واستقامتها.. فأفهمها أنه يشتغل في السفارة السوفياتية، وأن له مكتبا خاصا قرب مسبح تمارة.. وأنه ينتظر منها خدمات كبرى.

توجست السيدة أمينة خيفة، وبعد أن رفضت الطلب، عرفت أن سكوتها على هذا الوضع سيجر عليها متاعب في شغلها، فطلبت الاستشارة من أصدقائها، ثم أخبرت رئيسها في السفارة بكل شيء.

وبذلك، جمعت السيدة أمينة بين النار والزيت.. فهبت الفرق المكلفة بالأمن الأمريكي في السفارة، بكل ثقلها، لتهتم بالموضوع.. بالمراقبة، وبمعرفة الهوية الحقيقية لفلاديمير، السوفياتي، الذي يريد الدخول إلى الأسرار الأمريكية عبر موظفة مغربية.

ومرت أيام.. وأسابيع، وشهور.. تخللها حادث اهتزت له وسائل الإعلام المغربية والأجنبية، وتناقلته وكالات الأنباء.. خبر اختفاء المستشار السياسي بالسفارة السوفياتية في الرباط.. وتركه لسيارته قرب مطار العاصمة، وانقطاع كل أخباره، ولم يخامر أحد شك في أنه توجه إلى أمريكا.. حيث أن اختفاءه صادف يوم الثلاثاء، حيث تقلع الطائرة المغربية في اتجاه نيويورك مرتين في الأسبوع: الثلاثاء والسبت.

حتى الروسيون سكتوا.. ولم يذيعوا شيئا.. لولا أن السيدة أمينة فوجئت بطرقات خفيفة على باب شقتها، وبشخص روسي هو الآخر يقدم نفسه باسم “ميسكا”، يذكرها بزيارات صديقه “فلاديمير”، ويطلب منها بإلحاح أن تتوجه إلى المكتب المعلوم قرب شاطئ تمارة، وعادت السيدة أمينة للرفض.. وعادت لشغلها عصبية تحكي لزملائها هذه الوقاحة الروسية.

ولكنها حيطة وخوفا، سبق أن قالت للروسي أنها ستفكر.. فوعدها بالعودة بعد أيام.

ولكن الفترة التي فصلت بين وعدها وعودته، صادفت في يوم من شهر جوان 1983، انفجار السفارة الأمريكية في بيروت، وبعد الهلع الذي عم الدبلوماسيين الأمريكيين قاطبة، وصلت أمواج الهلع الأمريكي إلى مكتب السيدة أمينة، في الدور الثاني بالمكتب الصحفي بشارع علال بنعبد الله، فقد دخل عليها عدد من ضباط الاستعلامات الأمريكيين المكلفين بأمن السفارة، وأحاطوا بها على طريقة “ستيف ماك كاريط” في أشرطة “هاواي صفر خمسة”.

وانهالوا على السيدة بالأسئلة: كيف هو الروسي؟ كيف يلبس؟ كيف يمشي؟ ماذا أعطاك.. ماذا قال لك؟ ولم يتوقفوا عن أسئلتهم، إلا عندما قالت لهم: لقد اتصل بي وأبلغني أنه سيأتي لشقتي، لمعرفة ما إذا قبلت عرضه بزيارته في وكره.

ووفق ما كان مقررا.. جاء الروسي “ميسكا” في الساعة المحددة، ودخل شقة السيدة أمينة، ليجد نفسه وهو ضابط المخابرات السوفياتية، وجها لوجه أمام ضابط المخابرات الأمريكية، ولو كانا مسلحين لحدثت مواجهة مسلحة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية في شقة مغربية، ولكن تحصن السوفياتي وراء الصمت المطبق، إنما سمح للأمريكي بإبلاغه تهديدات رسمية، وطرده من بيت موظفة يعتبرها الأمريكيون تحت حمايتهم.

وخرج السوفياتي “ميسكا” مطرودا يجر أذيال الخيبة، ليجد بوابة العمارة محاطة برجال لا تنقص أوجههم إلا لافتة كتب عليها: ضباط المخابرات الأمريكية، فقد وضع الأمريكيون فعلا حراسة مشددة على شقة السيدة أمينة.

ولكن رئيس المصلحة التي تشتغل بها، استدعاها رفقة “السيكوريتي أوفيسير” ليهنئها على موقفها وشجاعتها، ويطمئنها على أمنها وسلامتها، فأزيح الكابوس، وتبددت التهديدات السوفياتية من حول الموظفة المغربية، وحمدت السيدة أمينة ربها على مرور العاصفة.

وحتى تنسى.. قررت قضاء عطلتها السنوية في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث قضت شهر شتنبر وطرفا من أكتوبر 1983 في التجول بالولايات المتحدة، وكأنها تبدد من مخيلتها صورة الوجهين السوفياتيين، وجه فلاديمير، ووجه ميسكا.

وعادت السيدة أمينة للمغرب، لتستأنف شغلها في هدوء ورتابة.. وكانت مسحات من الأسف تلامس مخيلتها وهي تتصور انتهاء السنة المقبلة، لتتقاعد عن شغلها بعد قضاء عشرين عاما في خدمة الحكومة الأمريكية، لتعود إلى تطوان مسقط رأسها.. حيث تدخل حياة الاستقرار.

وصدفة.. عادت مجموعة “السيكوريتي أوفيسير”، وعلى طريقة “ستيف ماك كاريط”، لتقتحم مكتبها..

واهتز قلب الموظفة المغربية المسكينة من الهلع، في المرة الأولى، دخلوا عليها بهذه الطريقة بعد انفجار السفارة الأمريكية ببيروت.. فهل يا ترى دخلوا هذه المرة بعد نسف مقر الجنود المارينز الأمريكيين قرب مطار بيروت؟ من يدري؟ المهم أن المجموعة في هذه المرة كانت أكثر عنفا من المرة الماضية.

لقد أحاطوا بها كما تحيط القطط المتوحشة بكتكوت صغير.. وانهالت الأسئلة:

– احكي لنا قصة الروسيين.. ماذا قالوا لك؟ ماذا قلت لهم؟

– لقد نسيت.. إن الموضوع مضى منذ سنتين.

– لا يهمنا، تذكري ماذا قلت لهم.. ماذا سلمت لهم.. ماذا أعطيتهم؟

انهارت أعصاب السيدة أمينة خوفا وهلعا، إنه جحيم الاستنطاق على طريقة رجال المخابرات.. إنه الأسلوب الأمريكي في أبشع مظاهره، وهي بريئة.. حكت لهم كل شيء في أوانه.. ونسيت كل شيء في هذا الأوان.

وصباح الجمعة الموالي، وكان يوم 28 أكتوبر، استدعاها رئيس مصلحة الأمن بالسفارة، وكلمها ببرودة: “مسز أمينة، لقد رفضت التعاون معنا، رفضت إطلاعنا على أسرار علاقتك بالسوفييت، وجاء الأمر من الستيت ديبارتمان بطردك نهائيا من الشغل، وحرمانك من كل حقوقك”، ثم أحاط بها مسؤولان من رجال أمن السفارة، واقتادوها إلى مكتبها.. وفتشوا أدراجه وملفاتها، ثم أوصلوها إلى باب السفارة.

في تلك الساعة، بلغ جميع المغاربة العاملين في السفارة الأمريكية، أن عليهم أن ينسوا أنه كانت هناك في السفارة الأمريكية امرأة اسمها السيدة أمينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box
إغلاق
إغلاق