المنبر الحر

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت…

بقلم: جميلة حلبي

العنوان كما يعرف بعض الناس، هو شطر بيت شعري من إحدى قصائد أمير الشعراء أحمد شوقي بعنوان “صحوت واستدركتني شيمتي الأدب”، وللإشارة فأحمد شوقي ولد سنة 1868 وتوفي سنة 1932، وقد نظم هذه القصيدة وكأنه كان يتنبأ بما سيصيب المجتمعات العربية من انحلال خلقي في المستقبل.

ونحن في هذا المقال يهمنا الشباب المغربي فقط، شبابنا الذي حادت نسبة كبيرة منهم عن جادة الصواب، وتراجعت أخلاق أعداد كبيرة، والقصة بدأت منذ عقود خلت، ويمكن القول في الفترة بعد الاستقلال، وأخذت الوتيرة تتسارع مع دخولنا في عصر الفضائيات التي مكنت المغاربة من التقاط كل ما أراد لنا الغرب اتباعه من مظاهر الحياة “الساقطة”، فسقطنا في فخ التقليد الأعمى وأصبحنا نستهلك كل ما هو مستورد على حساب ثقافتنا وتقاليدنا كمجتمع عربي إسلامي له خصوصياته التي تنهل من القرآن الكريم ومن السنة النبوية.

لكن الطامة الكبرى التي أطاحت بأخلاق مجتمعنا، هي التكنولوجيات المعاصرة، التي لا ننكر إيجابياتها في تطوير الصناعات وفي المساهمة في تقدم الاقتصاد والسياسة والعلوم إلى غيرها من مظاهر الحضارة، وهذا كله ضروري للالتحاق بركب التقدم، إلا أن أغلبية الشباب أخذوا الحضارة بشكلها السلبي، وهذا ما يظهر جليا في ما كرسته وسائل التواصل الاجتماعي التي أساء شبابنا استعمالها والتعامل معها، فبدلا من أخذ الإيجابي منها، باتت وسيلة تعري واقعنا وتكشف عن عورة المستوى الفكري لنسبة كبيرة من المغاربة، تلك الفئة التي تنشر يومياتها للعالم أجمع بسلبياتها الأكثر من الإيجابيات طبعا، مما يجر علينا انتقاد عدد كبير من الدول التي تتصيد الفرص لفضح الواقع المغربي.

لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي بمثابة عيادة للطب النفسي، لا تعالج، وإنما تقوم بتشريح ونشر كل مكنونات الفاقدين للبوصلة الاجتماعية، الذين يختبئون وراء “الفايسبوك” و”اليوتيوب” من أجل السب والقذف والتشهير ببعضهم البعض، وهذا ما طفى على سطح الأحداث التافهة وليست الأحداث المستفاد منها، وما فضيحة ما يسمى بحساب “حمزة مون بيبي” التي لا زالت حبلى بالمزيد من القضايا الأخلاقية بين مجموعة من الفنانين “يا حسرة”، لخير دليل على الانحلال الأخلاقي وعدم نضج من حملوا مشعل نشر الفن الراقي الذي يسهم بشكل أو بآخر في نشر ثقافة الشعوب، فإذا بهم يردونها إلى أسفل سافلين، وطبعا دون وعي منهم بالعواقب، وها هم سقطوا في الحضيض، لعدم تشبثهم بالقيم والأخلاق ذات المرجعية الإسلامية، هذا الموضوع، إذا أضفنا إليه مظاهر التخلف التي نعيشها يوميا في الشارع، والتي أبطالها في معظم الحالات شباب ومراهقون، تلاميذ وطلبة، اختلط عليهم الحابل بالنابل، وتاهوا في زحمة الحياة المليئة بالتناقضات، تدفعهم عدة عوامل للانسلاخ عن المبادئ القويمة، أهمها الفقر، والجهل، وفشل منظومة التعليم مما يؤدي إلى الهدر المدرسي، دون إغفال دور المخدرات في تحطيم كل شيء، ليصبح مجتمعنا مطبوعا ببصمة الجهل والتخلف، وبالتالي، أصبح الشباب المغربي يدور في دوامة لا تعرف لها بداية ولا نهاية.. عفوا، فالنهاية تكون في غالب الأحيان مصيرها كمصير المتورطين في قضية “حمزة مون بيبي”، هذا الحساب الذي لم يبق وهميا، بل حسابا علنيا أسس لغاية في نفس يعقوب(..)، أو تكون عاقبة المتهورين التشرد في الشوارع تحت رحمة الإدمان، أو في السجون.

فارتقاء أي أمة يكون بارتقاء أخلاق مواطنيها، فكفى إذن من توريط المغاربة في رذائل التقهقر والعيش في مزبلة الأخلاق، لأن ما يقع يضر بجميع كل من يحمل اسم مغربي.. ليكون أبلغ تعبير عن وضعية شبابنا وانحطاط أخلاقهم، البيت الشعري:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت   فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box
إغلاق
إغلاق