ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | المواطن المغربي أول مقترض في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

أعد الملف: عبد الحميد العوني

يصل إقراض الأبناك التجارية للمواطنين في المغرب، إلى 88 في المائة من الناتج الداخلي الخام، حسب بعض الدراسات، وتوزع، حسب والي بنك المغرب، 968 مليار درهم، بما يجعل المغربي أول مقترض في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ويرى مراقبون أن الدولة تقترض من السوق الداخلي باسم مواطنيها، وتقسم قروضها للمشاريع على ضوء حصته التأمينية من خلال ثلاث مجموعات بنكية استراتيجية تمكنت من تنفيذ استراتيجية تمويلية في إفريقيا، بغية مواكبة مستثمرين مغاربة نافذين على المستوى الإقليمي.

واعترف الرئيس المدير العام للتجاري وفا بنك، أن نسب الفائدة في بلاده تماثل النسب في الدول المتقدمة، حسب تعبيره، فيما الأداء المقاولاتي متخلف عن المستوى الإفريقي، بما يجعل جيب المواطن وحده الممول لتطور الأبناك في المغرب، نتيجة الاقتطاعات السنوية مقابل الخدمات والتضريب المرتفع بسبب “وحشية” الأرباح التي تجعل القطاع البنكي وحيدا على مستوى تحقيق الأرباح، ولسنوات زاد التركيز وتراجعت الشبكة البنكية في حدود 3 في المائة في متم سنة 2017.

ورغم التصريحات الأخيرة لوالي البنك المركزي، فإن الاقتراض من الأبناك محتشم في حدود نقطتين ونصف، فيما تجمدت قروض السكن في حدود 4 في المائة.

وبمبادرة من القصر، خفضت نسبة الفائدة تجاه المقاولات إلى الحد الأدنى، كما لم يحدث في تاريخ البلاد، وهو ما يرفع أرباح المقاولات الكبرى في مقابل التنفيس عن المقاولات الصغرى والمتوسطة، ويضع تحديا جديدا أمام المملكة، لأن الأبناك لن تستفيد من قروضها نحو الهولدينغات والشركات الكبرى.

——–

+ المغرب متأخر عن معايير “بال 3”

بتراجع نسبة المخاطر، لأول مرة منذ الأزمة المالية لسنة 2008، وبفارق مهم يصل 2.3 مليار درهم، تكون الأبناك قد دخلت في رهان تمويل نفسها عن طريق خفض الفائدة على توزيع الودائع ورفع الفائدة على القروض، في مجزرة مالية يكون ضحيتها المواطن.

وبفارق يصل 8 نقط إلى 10، تعيش الأبناك بأثمنة مرتفعة في دورة أداء الخدمات مع مردود يقترب إلى نقطة واحدة ورسملة تصل 10.2 في المائة.

وصار إخراج الأبناك إلى المنافسة والمخاطرة مع “الأداء المناسب” للخدمات، قرارا ملكيا، بعد دعوات من المجتمع الاقتصادي والمدني بهذا الأمر منذ سنوات.

وتبعا لهذه السياسة الجريئة، في مقابل التي تعكس فيها المقاولة البنكية الأولوية، فضلت دوائر القرار أخيرا خفض الفائدة، لإعادة السياسة النقدية إلى مسارها الطبيعي، وقد تدخل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أربع مرات للوصول إلى “أهداف” تحارب البطالة التي نزلت إلى معدلات قياسية منذ نصف قرن، فيما أبقى البنك المركزي الأوروبي على سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، فتراجعت منطقة الأورو ببريطانيا لوجود آفاق غير ملائمة، وبالتدخل الجراحي للقصر في السياسة النقدية، ورفض ارتباطها الميكانيكي بإدارة الاحتياط والسياسة النقدية الأوروبية، تكون العاصمة الرباط قد قررت عدم الاعتماد أكثر على الأورو، بفضل تراجعه وعدم تمكين حلفائه التجاريين من أي مردودية.

ونزل المغرب بنقطة وخمُس النقطة مائوية عام 2018 رغم ملائمة الظروف الفلاحية، متراجعا عن تطوره الإيجابي، لأن الصادرات عادت مساهمتها سلبية بنقطة وثلث النقطة مائوية، بينما ارتفع الطلب الداخلي ثلاثة أضعاف مع بطالة مرتفعة، إذ انخفض العدد الصافي للباحثين عن العمل إلى 64 ألفا، وبهذا الفارق الذي تتراجع فيه الصادرات وتنخفض فيه العمالة، يكون مستوى الأزمة 600 في المائة، لإضافة التراجعات المخصصة لسوق الشغل، بسبب عدم استفادة المقاولة المغربية من ارتفاع الطلب الداخلي.

وبإقرار هذه الوقائع، يرتفع الاستهلاك المغربي للواردات، وتزيد القروض الصافية للمواطن، لأنها لا تدور في الداخل لخلق الشغل ورفع الأرباح.

ويخلق الارتفاع بحوالي 400 في المائة من الطلب الداخلي الموجه في الأساس للواردات وخارج الدورة الاقتصادية، موجة اقتراض داخلي تستفيد منه المقاولات الخارجية، أي أن المواطن يقترض من بنكه المحلي لصالح مقاولة أجنبية، وبنسب فوائد عالية، مما يعرقل الدورة المالية مرة ثانية.

و4 شباب من أصل 10 يعيشون البطالة، فيما تنتهي هذه النسبة بين ثلاثة إلى أربعة أضعاف في تدوير مصاريفهم من العائلة على “مادة مستوردة”.

وفي موازاة هذا العجز الهيكلي الذي يمول المقاولة الخارجية، والعجز الماكرواقتصادي على صعيد دين الخزينة والحساب الجاري، فإن عجز الصادرات متواصل رغم تصدير الفوسفاط والسيارات، لسببين: لأن جزء كبيرا من تمويل الفوسفاط أصبح قروضا، ولأن فوائد تصنيع السيارات يذهب خارج الوطن، متأثرا باستمرار الميزان التجاري بالتدهور، وبارتفاع الواردات النفطية وتزايد المشتريات من سلع التجهيز وانخفاض الأداء السياحي.

ولأول مرة، تتراجع تحويلات المغاربة المقيمين في الخارج، لأن الأجيال الجديدة تفضل الحياة في بلاد المهجر، وبتراجع السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين في الخارج، وقطع المساعدات الخليجية، انكشفت المالية المغربية للدولة، وأيضا للمواطن الذي رفع من استهلاكه، لأن الجودة القادمة من الخارج زاد معدلها، وأصبح من باب التغيير أو التحديث أو إعادة الهيكلة، الانتقال إلى أداء الاقتراضات الجديدة، وقد تجاوزت المداخيل وكل الحد الأدنى للأجر.

ولم يكن ممكنا معالجة هذا الوضع المالي المتأزم سوى بالمزيد من بيع المؤسسات العمومية، خصوصا بعد خوصصة قطاع التأمينات بمردود يصل إلى 4 ملاييردولار، أي 4.3 في المائة من الناتج الداخلي الخام.

وتقدم عجز الميزانية بـ 0.2 في المائة من الناتج الداخلي الخام ليكون في حدود 3.7 في المائة، وهو مستوى أكبر من هدف 3 في المائة المسطر في قانون المالية لسنة 2018، وبارتفاع آخر في النفقات برسم سلع التجهيز، تقترض الدولة إلى جانب المواطن من السوق الداخلي، لتحقيق مستوى آخر من الاقتراضات الجديدة.

واستفادت الدولة في عمليات البيع والشراء والاقتراض المفرط، لها وللمواطن، من تنامي إيرادات الضريبة على القيمة المضافة والضريبة على الدخل، وهما موجهتان ضد السلعة والمستهلك، ويتجاوز المستهلك والمورد هذه العوائق، ليزيد المستهلك المغربي من الاقتراض مقابل تراجع كل ما يتعلق بمؤشرات الشركة المغربية ورقم أعمالها وضرائبها.

وأخذا بالاعتبار كل هذه التغييرات من اقتراض داخلي حاد للدولة والمقاولة والمستهلك المغربي، ارتفعت الديون الداخلية إلى 51.9 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وتزيد في الأرقام غير الرسمية، وبالتالي، أصبح مكشوفا للغاية أن المغرب والمغاربة يعيشان على المزيد من الاقتراض.

ولأن الظروف الميكرو والماكرواقتصادية معقدة، لعلاقتهما الملتبسة، إلى جانب القطاع المهيكل وغير المهيكل، نجد المغربي كائنا مقترضا، لعدم وجود أي ائتمان للتطور، فالعائلة إن أضافت رضيعا يزيد بـ 800 درهم شهريا في الأداء العادي للأسر، فيما كل فرد يستوجب 1200 إلى 1900 درهم في المنحى المتوسط، لارتفاع المواد الغذائية، وتجاوز “الخبز والشاي”، اللذين طبعا جيل الفقر في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، وهي بربع تكلفة المعيشة الحالية.

وبناء عليه، تجاوز المغربي جزء من الأزمة من واقع التكيف والملاءمة التي انتهت، لأن التماسك الاجتماعي في حدود 0 في المائة، كما في آخر دراسة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي.

 

+ تقلص تحويل مغاربة الخارج زاد من فقر الأسر

 

نزلت تحويلات مغاربة الخارج بطريقة مثيرة تكشف عن تحولات جذرية في المجتمع المغربي، ليس بسبب وصول التماسك الاجتماعي إلى حدود صفر في المائة، بل لأن الأسر المستفيدة سابقا امتنعت عن الرجوع إلى المستوى الملائم لدخلها، لسلوك عائلي متقدم في الاستهلاك والجودة، ويقوم أي تعويض في نقص تحويلات مغاربة الخارج على المزيد من الاقتراض.

إن الأداء السلبي في هذه الحالة كاشف، ويلحق المغرب بالاقتراض أو المساعدات، وتسيطر الفكرتان على السلوك السوسيواقتصادي للمستهلك المغربي، بسبب ارتباطه الشديد بالفلاحة، وسيزداد انعكاس هذا المعامل في المستقبل، وهو ما يقربنا أيضا من النمو في دول إفريقيا الجنوبية التي نزلت بثلثي نقطة.

وبناقص 1.2 في المائة من معدل التموين في سنتي 2017 -18 رغم المناخ الفلاحي الملائم، تصير الفلاحة مرتبطة بمستوى الاستثمار الفلاحي لصغار الملاكين المتدني للغاية، في مقابل المزيد من التباطؤ في القطاعات غير الفلاحية الذي بدأ في 2016 بثلث نقطة كل سنة.

إذن، فالكل في تراجع، بدءا من الصادرات ونهاية بالتحويلات، فمؤشر الصادرات نزل بـ 1.3 مائوية، وبالأسعار الجارية، بلغ الناتج الداخلي الإجمالي 1106 ملايير درهم مرتفعا بنسبة 4.1 في المائة برسم عائدات الملكية، بإضافة 528 درهما لكل فرد.

وتبعا لهذه المؤشرات، فإن فقر الأسر والحفاظ على مستوى الإنفاق، يشكل عقدة رئيسية، ليس بسبب مؤشرات الأداء والمساعدات، بما فيها التحويلات من الخارج، بل بفعل تراجع نمو القطاع الفلاحي بين 2017 و2018، ونزل قطاع الصيد بـ 2.7 في المائة.

وفي مسلسل التراجعات، نزل إنتاج علف الماشية، وإن ارتفع إنتاج اللحوم بـ 7 في المائة، وتراجعت الحمضيات بـ 3.5 في المائة والورود الموجهة للتصدير ب 5.5 في المائة،

وهذه مؤشرات أخرى لأزمة التصدير الزراعي، حيث تضرر بدوره الفلاح الصغير وانتقل هو الآخر من قروض القرض الفلاحي إلى قروض استهلاكية للسلفات الصغرى.

وعلى مستوى القطاع البحري، فإن مكونه التقليدي يندثر، بفعل عدم المساهمة الاجتماعية للدولة لدعم المهن البحرية المعيشية، فيما تركز على الاستثمارات في أعالي البحار.

ونمت الكميات المصطادة من أسماك المياه البحرية بنسبة 2.1 في المائة مقابل انخفاضها من الأسماك البحرية بنسبة 7 في المائة، فيما الصيد المستهدف للرخويات واصل ارتفاعه بـ 17.3 في المائة، حيث استقر حجم الإنتاج المسوق في مليون و300 ألف طن، حسب تقرير البنك المركزي.

وتصاعدت أثمان الأسماك التي كانت موجهة لتوازن مائدة الفقراء، إذ رأينا أن قدرة المغربي على خلق التوازن الغذائي على مائدته، مسألة صعبة إلى جانب تأمين الكهرباء والماء.

 

+ الاستهلاك الوطني للكهرباء نزل بـ 2.1 في المائة، نتيجة ارتفاع الفقر، رغم صناعة السيارات وباقي صناعات “الأفشورينغ”

 

نزل حجم استهلاك المواطن المغربي من الكهرباء بفعل غلائها من جهة، ومن جهة ثانية، لأن قدرة الاستهلاك الفردي في المملكة انخفضت، وبعد المزيد من الاقتراض الأهلي واقتراضات السلفات الصغيرة، ستكون مراجعة كاملة للاستهلاك، لأن قدرة الاقتراض من الدولة والأبناك، ونحو المستهلك الذي هو في حقيقة الأمر “منتج للفائدة” أو مقترض من طرف ثالث، أصبحت في طور الانحباس “الاقتصادي” إن صح التعبير.

واليوم، لا يتمتع المواطن البسيط بتطور إنتاج الكهرباء في بلاده، إذ تزيد بحوالي خمس نقط في السنة (4.8 في المائة).

وتكرس محاولة عدم استهلاك الكهراء من طرف المواطن، دليلا على فقره من جهة، ومن جهة أخرى، يتأكد يوما عن يوم، قصوره في التدفئة والتبريد وغيرها من مظاهر الحياة المعاصرة، إلى جانب قصور الشركات والنسيج الصناعي عن استهلاك فارق تراجع استهلاك المواطنين البسطاء للكهرباء.

مثل هذا المؤشر المركب عن انخفاض استهلاك الكهرباء، يعني أن القدرة المعيشية تراجعت بشكل قياسي منذ سنة 2002، وإن أفادت تدني الواردات من الكهرباء بنسب تقارب النصف (42.8 في المائة)، أولا لتراجع الاستهلاك، وثانيا لتقدم الإنتاج بفارق مؤثر يصل إلى 10 في المائة، وأخيرا، لأن الاستهلاك العام في انخفاض مستمر، بما يبشر أن الفقر على الموائد مفرط ويتطور بشكل قياسي في أوساط الطبقة الوسطى تحديدا.

وحيث أن الاقتراض قد يكون مرحليا لإبقاء هذه الطبقة “الوسطى” في مستواها الحالي، فإن اندحار الاستهلاك العام يعود إلى ما قبل 2002، وهو مؤشر على صعوبات جمة في أوساط هذه الطبقة التي تنحدر إلى القاع.

وما تعلنه التقارير الرسمية، يكشف أن الأبناك التي تقرض بما يساوي 90 في المائة من الناتج الوطني الخام، تؤطر لكارثة يحاول الجميع تجاوزها عبر المزيد من الاقتراض.

 

+ عمال المناجم ينزلقون أيضا إلى القاع

 

شكل تراجع الصناعة الاستخراجية بـ 13.6 في المائة صدمة واسعة في أوساط العمال المؤقتين المنزلقين أخيرا إلى القاع، وانعكس الانخفاض المسجل في نمو الإنتاج التسويقي للفوساط بـ 17.5 في المائة، ولم تتمكن الفئات العاملة في الصناعة من تطوير وضعها الاجتماعي، لأن قيادة الشركات العاملة في القطاع ترتكز على النتائج المحاسباتية، وليس على المساعدة في بناء منظومة متوازنة وفاعلة بين العنصر البشري والتقني وعوامل السوق، وفي اتجاهين: التصدير الذي أصبح خيارا محدودا لإنتاج الرفاه، فإسبانيا على سبيل المثال تعاني منذ سنتين من قصور الطلب  الخارجي، لذلك، فالتصدير رهان فيه خسائر، وحافظت واشنطن باسم مستهلكيها على العقوبات التي فرضها دونالد ترامب على الصين، رغم توقيع اتفاق تجاري جديد لصالح الطرف الأمريكي.

ويبدو أن قدرة المواطن المغربي على مواجهة التوريد المتنوع للسلع تبعا لعشرات الشراكات التي وقعها المغرب مع كل القوى الكبرى إلى جانب الشراكة مع إفريقيا، لم تعد كافية أو مستوفية لخدمة أغراضه وتحسين ظروفه، ويتذكر المغاربة زمن ما قبل حرب الصحراء وقبل التوقيع على هذه الشراكات، بكثير من الحنين.

وثاني اتجاه للسوق، هو إعادة رسملة الأبناك في ثلاث مؤسسات فقط، بما يؤكد أن الاقتراض نفسه تحت سلطة أخرى تركز الرأسمال وتدعم الحلفاء فقط.

ويمكن بالتأكيد الوصول إلى تقديرين استراتيجيين:

1) أن القروض سياسة رسمية لصناعة الغنى عبر الفوائد البنكية فقط، ولأول مرة، هناك إعادة توجيه للرأسمال كي يخدم الدورة الاقتصادية ولا يخدم نفسه.

2) أن القروض تركز الثروات في اتجاه، وتوزع المزيد من الفقر في اتجاه آخر، بما يجعل المواطن أكثر إنفاقا، لكن المقاولة المحلية لا تستفيد من الطلب الداخلي.

ومن المهم في نظر بعض الرسميين، إبقاء الفوائد على مستواها الحالي في قروض الاستهلاك، فيما تنخفض بشكل قياسي في قروض الاستثمار، لكن يجب الانتباه إلى تركيز الاستثمارات إلى جانب متابعة “القروض المسمومة” التي لا يمكن لأصحابها السداد، لذلك، فالمسألة تتعلق بدورة اقتصادية يجب التدخل في كل مراحلها بإيجابية للوصول إلى الأهداف المسطرة.

 

+ البطالة لا تنتج المقاولة

 

حاول المغرب إطلاق التشغيل الذاتي عبر تمويل العاطلين إلى مقاولين، ومن خلال الاقتراض، فيما إنتاج العمل هو القيمة التي تجعل الانتقال من مستوى جيد من الخبرة إلى إدارة مشروع ذاتي، مسألة إيجابية، وتدعمها مؤسسات الائتمان ذات الصلة.

ومن سنة 1999 إلى 2012، اتخذت البطالة منحى تنازليا، بفعل حنكة حكومة اليوسفي  التي أطرت سلوكا سياسيا مختلفا ساهم في إعادة ترتيب الأولويات، فيما أتى التكنوقراطي إدريس جطو لإدارة حكومة أعادت الأمور إلى سابق عهدها.

وبفعل الإجراءات التي أقرتها حكومة التناوب التوافقي لدعم الطبقة الوسطى، نزلت البطالة من 22.3 إلى 13.7 في المائة في ثلاث سنوات،بمعدل سنوي بلغ 2.8 في المائة، أي بحوالي 3 نقط، وأجهضت دوائر القرار هذه السياسة التي اعتمدت على تطوير النمو المتزايد للأنشطة غير الفلاحية بنسبة تقارب 4.5 في المائة سنويا، لتنتقل من 93 ألفا ومائتي منصب إلى 38 ألفا و300 منصب ولتستقر في عتبة 14 في المائة.

ولذلك، فإن خلق شروط التمويل التي لم تكن متاحة سابقا، خطوة إيجابية لا يجب أن تكرس الاقتراض بقدر ما تطور “فعل المقاولة وتفاعلها مع محيطها”.

ومن المهم ألا تكون المقاولة جزء من دورة “القروض المسمومة”، لأن قدرتها على التعاطي مع معدل ضعيف للفائدة، يضمن، ضمن التسهيل الكمي، إنتاج ثروة، لكن التركيز يجب أن يكون على إنتاج فرص العمل، لأن ما يحتاجه المغرب هو عدم الخضوع إلى عاملين، أولهما التراجع المتزايد لمعدل المشاركة، وبشكل سنوي يبلغ 0.1 في المائة كل سنة، وثانيهما، التصاعد البنيوي للعطالة المدينية.

وحاليا، ومع أي افتراض لعدم تسجيل أي تغيير في وتيرة خلق فرص الشغل، سيعيش خمس المغاربة في عطالة، أي حوالي 20.8 في المائة سيكونون خارج الدينامية الاجتماعية، لذلك، فإن حل مشكل العدد الإضافي لـ 6.6 في المائة عن معدل البطالة 14.2 في المائة، شيء أساسي.

من جهة، لأن ما يعكس إحباطا لدى الساكنة البالغة سن العمل، يأخذ في الحسبان الاقتراض من الأهل أو بـ”دارت” أو أي بنك تجاري لتمويل مشروع، وقد تجاوز جزئيا السلف للزواج إلى سلف العيد، وسلفات أخرى يتقدمها، في حال العمل، شراء السكن، ومن جهة ثانية، فإن قروض الاستهلاك والسلفات الصغرى توجه أيضا للعاطلين عن العمل، ولذلك، فالقروض الصغرى وسعت وعاء الأزمة.

وفي حال بقاء البطالة بنفس المستويات، سيكون دخول 574 ألف نسمة إلى سوق الشغل، رقما يؤكد أن خمس المغاربة عاطلون، وبالتالي، مستهلكون ومقترضون “قروضا سامة”.

ويتحول هذا التشابك بين العطالة والسلطات والاقتراضات الصغرى حاليا إلى قروض متوسطة بمعدل فائدة لا يتجاوز 2 في المائة.

وانطلاقا من هذه الخلفية، نرى أن تطور جودة الشغل ليس رهانا لدى العاطلين والمقاولين على حد سواء، خصوصا وأن تحويل العاطل إلى مقاول أو العامل إلى مقاول، ترتيبان لا يخدمان المؤشرات الاقتصادية إلى نهاية 2013، لأن هناك:

1) شغلا ناقصا يكتمل بالمزيد من الاقتراضات الصغيرة.

2) الشغل بجودة متوسطة مرفوق بسقوف أكبر من الدين.

3) العمال الموسميون الذين يكملون عطالتهم باقتراضات.

4) أربعة مناصب من أصل 10 في أسفل السلم وتقترض ض اقتراضات متواصلة لمسايرة المهنة.

وعلى ذلك، فكتلة الشغل منخفضة، لأننا أمام حصة التشغيل غير المأجور الذي يتواصل بفعل الاقتراض، ويمكن مواصلة حصة الشغل المأجور بقروض الكماليات.

وتؤشر هذه المعطيات على:

1) بناء أجر شهري مبني على قروض السلفات الصغيرة.

2) محاولة الوصول إلى قروض بنكية بالتواطؤ وأساليب احتيالية.

3) تنظيم الاقتراض ليس وليد التنظيم الاقتصادي، فيما تستقر نسبة الأجراء بدون عقود في حوالي نصف العاملين، أي حوالي 53 في المائة إلى 2013، بعد توجهها نحو الانخفاض الذي بدأ في 1999 حين كانت هذه النسبة تصل إلى 65.9 في المائة.

وبتوضيح هذه النقطة، يتأكد أن الاقتراضات تسير وتدور مع التشغيلات بالعقود، وفي انتقال أكثر من 13 في المائة من كتلة الأجراء إلى العقود، ارتفعت معهم الاقتراضات الاستهلاكية  تحديدا إلى 26 في المائة.

وعلى  صعيد آخر، يعرقل القطاع غير المهيكل العاملين فيه من التوجه إلى الاقتراضات البنكية، أو من باقي المؤسسات الائتمانية التي ترى أن المهم هو اعتماد الرهن العقاري تحديدا لتثبيت ضمانات البنك، وبالتالي، فإن الاقتراض يدور مع الضمانات.

وحاليا، ترتفع نسبة تمويل الأبناك للقروض إلى ما يصل تقريبا 90 في المائة في الشرق الأوسط وإفريقيا، فهل 90 في المائة من المغاربة يتعرضون إلى اقتراضات طرفها المباشر أو غير المباشر هو البنك، ويكون الجواب بالإيجاب، لأن المناصب تدور خارج الدولة أو الوظيفة العمومية، وترتكز على قطاع الخدمات، وسجلت 97 في المائة من مناصب الشغل الصافية في 2016، و72 في المائة في 2018 في التجارة بالتقسيط، خارج المتاجر أو في الخدمات الشخصية والمنزلية.

كل هذه المعطيات، تؤكد الارتباط العضوي بين الشغل والاقتراض، وأيضا الاقتراض والبطالة المجزأة والأجراء بدون عقود، وفي قطاع الخدمات تحديدا، وهو المرتكز على خدمة الاقتراض كإحدى المعاملات داخل السوق.

وبموازاة المؤشرات الإضافية حول جودة القروض، يكون تدخل الدولة أخيرا لخفض الفائدة، وبعض المؤشرات الدولية تعتمد أساسا على “جودة العمل” و”جودة المقاولة” و”جودة” إنتاجها.

 

+ انعدام جودة القروض الاستهلاكية

 

لا ارتباط جدي في المملكة بين الإنتاجية والأجر، فيما الولاء هو الجزء الهام في التوظيفات، فالقدرات جزء من معادلة يطبعها الغموض “المهني” إلى حد بعيد، ومحاولات البحث عن العمل اللائق أو جودة العمل، استدعت في المغرب جودة القرض، فيما باقي وجوه الضمان ـ العقاري أساسا – تعود إلى المنصب العمومي.

وكلما زاد منسوب التشغيل زاد منسوب الاقتراض، فالمؤسسات تنظر إلى الشغل بما يوازي الاقتراضات التي يؤمنها في السوق بنكيا أو باقي مؤسسات الائتمان.

وما يحدث من تباطئ في القطاعات، ينعكس فورا على جودة العمل، وبالتالي “جودة القرض” الذي يحتكره، إلى حد بعيد، أرباب الضمانات العقارية وباقي دوائر القرار الاقتصادي والسياسي في المملكة، لأن تحالف الريعيين هو من يحدد أين ستكون وماذا سيكون رقم أعمالك؟

وداخل هذه الدائرة، يزداد توجيه الأموال في دائرة صناعة الغنى أو الفقر عبر توزيع الامتيازات والتراخيص الاستثنائية، ليتمكن بعدها المقترض من تأمين موقعه المالي.

إذن، فـ”المزيد من الاقتراض لحل مشكلة الاقتراض”، جزء رئيس من الأزمة السائدة، لأن القدرة هي على إدارة تدقيق الوضع المالي العام للأبناك ومؤسسات الائتمان، وبالتالي، فإن القروض الاستهلاكية تشمل موظفي القطاع العام تحديدا، المستفيدين دائما من إعادة هيكلة القروض بمساطر أكبر مرونة، تدفع الفقير إلى قبول كل الاشتراطات.. وهذه أزمة أخرى.

فرغم تحريم 33 في المائة من المقاولات المغربية الاقتراض البنكي غير التشاركي (الإسلامي)، فإن تحريم الأفراد يزيد عن الثلث، أي أن الاقتراضات من المؤسسات غير التشاركية تصل وحدها إلى 88 في المائة من الناتج الوطني الخام.

ونشرت المندوبية السامية للتخطيط أن مقاولة من أصل خمسة، تحتاج إلى التمويل الخارجي ولا تذهب إلى الأبناك، لقناعات دينية(1)، لذلك، فإن 66 في المائة من المقترضين تستدين 88 في المائة من الناتج الوطني الخام، بما يجعل التسهيلات الأخيرة الخاصة بخفض فائدة القروض البنكية الموجهة إلى المقاولات، غير ناجعة لثلث المقاولين.

وطلب 56 في المائة من المقاولات الكبرى و27 من المقاولات المتوسطة قرضا على الأقل خلال السنوات الأخيرة، فالمسألة إذن تتعلق بارتفاع معدل الفائدة على القروض، وفي حال خفضها، ستكون الأزمة في الوصول إليها، فيما لا تهتم ثلث المقاولات بهذا الإجراء، الذي يؤكد من جهة ثانية أن ثلث النسيج المقاولاتي المغربي “إسلامي” أو “محافظ” متدين.

والرغبة الأكيدة في حصار المقاولات الإسلامية، جزء من الأهداف المسطرة، فيما المزيد من إغراق المواطن بالمزيد من القروض، يحمي الوضع المستقر والهش.

ونرى بوضوح أن القروض الاستهلاكية التي في عنق المواطن لا يجب أن تزيد عن الحد المعقول، كي لا يكون التمرد جزء من التخلص منها.

ويدخل خفض الفائدة والرقمنة(2) وبناء منصات تمويل، كما حدث مع ثلاثة أبناك مغربية في إفريقيا، ضمن حزمة استهلاكية تتأسس على تمويل المشروع عن طريق رهون عقارية على العموم، وليس تأمين أموال البنك عبر المشروع نفسه من خلال احترافية الطرفين: الممول والمدبر.

وربح رهان الرقمنة قبل خفض الفائدة، جزء من الخطة الرسمية لتمكين الأبناك من تأمين تمويلها ومتابعته بشكل يجمع الفرد والمقاولة في حيز واحد، ومن أصل 10 شركات، 7 شركات يجري إقصاؤها من مطالب اقتراض لا يختلف عن الرهن.

وعدم دخول 7 من أصل 10 شركات للقروض البنكية(3)، فشل مؤكد للسياسة النقدية التي ترفع الوسيط وتهمش المنتج، وبالتالي، يكون العمل البنكي معيقا للتنمية، لأنه يحتكر الربح، ولولا تدخل القصر، لن تتمكن الحكومة من كسر الطوق الذي يديره اللوبي الإئتماني.

ووجهت الأبناك أموالها للشركات الكبرى بنسبة عالية تجعل 58 في المائة من قادة المقاولات غير راضين عن الخدمة البنكية، وهي نسبة تساوي الثلثين، ونتساءل عن نفس المصير إن جرى المزيد من تسهيل الاقتراض(4) الذي وصل، رغم العوائق وعدم الرضى، إلى حوالي 90 في المائة من الناتج الداخلي الخام.

 

+ مقاولات الأفراد ستجعل الاقتراض يصل في 2020 إلى 100 في المائة من الناتج الداخلي الخام

 

إن أخذنا بالنسب التي بنى عليها التجاري وفا بنك توقعاته حول المقاولة الصغيرة جدا، والتي كان لها صدى في القصر، فإن الاقتراض البنكي سيزيد إلى 130 في المائة من الناتج الداخلي الخام.

وأعطى الملك انطلاقة تمويلات جديدة لصالح المقاولات(5)، من خلال ثلاث اتفاقيات لصالح 80 ألف منتج صغير(6)، في برنامج مندمج(7)، خصوصا من خلال وصول الخدمة البنكية إلى المقاولة الزراعية المتوسطة لبناء طبقة وسطى فلاحية، وأطر تدخله من خلال غلاف التمويل بقرار من البنك المركزي، ثم من خلال تدخله لدى المجموعة البنكية لحفض الفائدة إلى مستوى قياسي لصالح المقاولات من خلال:

1) تحديد سقوق تمويل ميسر لصالح المقاولة الصغيرة، رغم احتمال رفع منسوب الاقتراض داخل السوق المغربي إلى مستويات قياسية غير قابلة للإدارة.

2) تحديد منسوب المخاطر.

 

+ زيادة الاقتراض الداخلي للدولة واقتراضات الأفراد عبر الأبناك تهدد دورة الاقتصاد

 

سينخفض منسوب الاقتراض إلى 1.25 في المائة، بما يجعل المغرب يدخل المستقبل من خلال “القرض الحسن” أو بدون فائدة باتجاه المقاولات، أو في عمليات تمويل تصنع الحل لأزمة محددة، أو تدعم فئة معينة للعودة إلى التنمية أو الحفاظ على مستوى معيشي معين لطبقة أو فئة.

إن كسر القداسة عن الفائدة البنكية، هو جزء لا يتجزأ من عقيدة المستقبل، حيث يمكن إعادة النظر في الماكرواقتصادي بما يناسب التنمية المالية.

من الممكن إطلاق نموذج جديد للعلاقات ما بين الأبناك، لإدارة القروض حسب أنواعها، ووفق مناطق التدخل، خصوصا القروي والفلاحي.

ومن الممكن سياسيا القول أن الإجراءات الأخيرة للقصر موجهة لبناء الطبقة الفلاحية الوسطى التي وعد بها، والتي لا يمكن مواصلة الاستقرار الحالي دون وجودها، وبالتالي، فإن القدرة المالية على متابعة المشاريع الصغرى، هو الجزء المحترف في الإدارة البنكية، لأنها ليست صناديق استثمار، تبعا للسياسة الاقتراضية الحالية.

وبكل الأعطاب التي يحاول التدخل الملكي علاجها، يمكن أن تكون زيادة الاقتراض تهديدا مباشرا لدورة الاقتصاد الوطني، لذلك، فوصول الاقتراض إلى مستويات قياسية مع مواصلة تعويم الدرهم، ومشكلة السيولة مع دورة اقتراضات ضخمة، هو إيذان بأزمة خطيرة في الأفق.

 

+ ليست 3 ملايير درهم مع فائدة في حدود 2 في المائة مؤشرا بنيويا على إدارة جيدة للتحول في دورة الاقتراض والاستثمار على حد سواء

 

وافقت الأبناك التجارية على تمويلات في حدود 3 ملايير درهم تكون في حدود 2 في المائة لصالح المقاولات، لكن المشكلة في إدارة انعكاسات هذه الخطوة، وقبلها، يمكن الجزم أن المؤشر الحالي لمستوى التمويل ليس بنيويا في إدارة تحول في دورة الاقتراض أو الاستثمار، وبالتالي سيكون من البديهي:

1) التعامل مع المقاولة الصغيرة جدا دون سقف تمويلي محدد أو ميزانية تجعل بعض الطلبات خارج المعالجة.

2) توسيع خفض الفائدة في مجالات أخرى لمساعدة للنسيج المقاولاتي لخلق محيط منسجم.

3) لا يمكن خفض الفائدة للمقاولات الصغرى، وعدم تعزيز المقاولات المصدرة، لذلك، فإن خفض الفائدة يجب أن يكون نهجا ماليا للدولة المغربية لإنعاش المقاولة ومن ثم الاستثمار، لأنه يشكل قاعدة فاعلة ومؤثرة في الاقتصاد.

 

+ خفض الفائدة لصالح الاستثمار، إصلاح جوهري يجب تعميمه لإطلاق نموذج مقاولاتي فاعل وقادر على رفع التحدي

 

تسقيف المال الموجه كقروض إلى المقاولات في حدود ثلاثة ملايير درهم دون أجندة زمنية، هو قرار محدد ليس في سنة أو سنتين، أو شهر أو شهرين، بل في إنهاء هذا الغلاف، والواقع أن استراتيجيات الدول لا تبنى على أغلفة، بل على إجراءات لدعم “المقاولة” دائما، فالأبناك استجابت للوضع وكأنه هدية لمرة واحدة وكفى، ولذلك، رفعت المبلغ، من أجل إعطائه الصدى الإعلامي المطلوب، لكنه في الحقيقة ليس قادرا على إتاحة الفرصة الاقتصادية المواتية، وبالتالي، سيكون رفع الاقتراض إلى غلاف بـ 3 ملايير درهم، مواصلة للاستثمار البنكي بنفس طرقه التقليدية، أي أننا أمام مجرد فرقعة إعلامية أو دفقة أوكسجين لتمرير الأزمة الحالية، والعودة إلى ما كانت عليه الأمور دائما، وهذه الخطة مغامرة لنظام وبلد مأزوم، كما يعرف الجميع.

هوامش

1- Maroc: 33 pour cent des entreprises évitent le crédit bancaire pour des raisons religieuses, challenge 20/11/2019.

2- digitalisation: voici le top 3 des banques de détail au Maroc, éco- actu, 7/7/2018.

3- financement: 7 entreprises  sur 10 écartées du crédit bancaire, l’économiste, 21/11/2019.

4- les banques préparent des offres didices; entreprendre.ma (sans date).

5- nouveaux financements aux entreprises: le Roi donne le go, medias 24,28/1/2020.

6- le Roi du Maroc fait le tride ses affaires, thiery fabre, challenges 19/10/2010.

7- SM le Roi donne le coup d’envoi du programme intégré d’appui et de  financement des entreprises, la vie éco, 27/1/2020.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box
إغلاق
إغلاق