منوعات

المعارك بين المتسولين المغاربة والمتسولين الأفارقة.. ما هو الحل؟

بقلم: رمزي صوفيا

لا حديث للصغير والكبير وللسيدات والرجال، وحتى الأطفال، في المدن المغربية الكبرى، وخاصة الدار البيضاء، سوى عن الانتشار المهول للمتسولين والمتسولات بأعداد تتفاقم بطريقة غريبة في مختلف الأحياء، وخاصة عند إشارات المرور، للتربص بسائقي وسائقات السيارات لاستجداء المال منهم.
إنها ظاهرة مثيرة للقلق والتساؤلات، وتستدعي حلولا جذرية وغير ترقيعية كما يحدث من وقت لآخر من طرف المصالح المعنية بشأن المدينة.
فمنذ الساعات الأولى من أي يوم من أيام الأسبوع، يتجمهر المتسولون في أماكن معينة وبأشكال وأساليب مختلفة، حيث تستأجر المتسولات أطفالا صغارا لاستدرار عطف المارة وتحصيل مبالغ أكبر باستغلال وجوه هؤلاء الأطفال الملائكية، بينما يختار متسولون آخرون الظهور بإعاقات جسدية لإثارة العطف وتحصيل الأموال على مدار ساعات النهار، وهناك فئة أخرى من المتسولين يتصرفون بطريقة أغرب، حيث يهاجمون السيارات ويحيطون بها من اليمين والشمال بإلحاح عجيب، منهم من يطرق زجاج نوافذ السيارة ومنهم من يحمل قارورة مياه مع قطعة ثوب فيأخذ مباشرة في رش الزجاج الأمامي للسيارة بالماء قبل أن يشرع في مسحه مثيرا حنق السائق في الكثير من الحالات ومعرقلا حركة المرور بطريقة مشبعة بالوقاحة والجرأة بسبب يقينه من عدم وجود من يردعه أو يعاقبه، وكثيرا ما يدفع سائق السيارة النقود ليس عن شعور بالعطف على المتسول أو المتسولة، بل رغبة في التخلص من إلحاحهما، والأدهى والأمر من كل هذا، أن سائق السيارة قد يكون في حالة نفسية أو صحية غير ملائمة ليخاطبه أي شخص حتى لو كان يعرفه حيث يكون محتاجا لسياقة سيارته بهدوء وتركيز بعيدا عن أي إزعاج، فيشعر بأنه في وضعية غير مريحة في شوارع المدينة بسبب تعرضه للكثير من الإزعاج من أشخاص لا يعرفهم ولا تربطه بهم أدنى علاقة سوى أنهم يفرضون عليه معرفتهم ويفرضون عليه أن يسمعهم وأن يرى مخاطبتهم له بدون أدنى استئذان، لأن انتشار ظاهرتهم فرضهم عليه، وبدلا من أن تحميه الدولة منهم، فإنها تركته طريدة سائغة لهم كلما تواجد في الشوارع العامة.. إنهم المتسولون والمتسولات الذين يتحولون إلى آلات لحصد المال على مدى ساعات النهار، وذلك على حساب أعصاب بقية سكان وزوار المدينة.

والطامة الكبرى، هي ارتفاع أعداد الأفارقة من دول جنوب الصحراء، ونساء وأطفال من جنسيات أخرى، في معابر الطرقات ونقط إشارات المرور بأعداد كبيرة، لمزاولة التسول بجماعات منظمة ومتفقة فيما بينها قبل أن يلتحقوا في المساء بأماكن إقامتهم بالمدينة لاقتسام “غنيمة” يوم كامل من التسول، حيث شاهدت بأم عيني بعضهم وهم يقضون حاجاتهم البيولوجية خلف الأشجار القريبة من مكان مزاولتهم للتسول تحت أنظار الناس الذين يزداد استنكارهم لهذه الظاهرة المتفاقمة يوما بعد يوم.
والمثير للتساؤل، هو أن المتسولين يتحولون في الكثير من الحالات إلى أعداء عندما يتجاهلهم الشخص، فيمطرونه بالشتائم والسباب.. لماذا؟ لأنهم يعتبرونه موردا ثابتا للمال، وأنه عندما رفض مدهم بالنقود، فقد صار بالنسبة لهم شخصا رافضا لمدهم بحق من حقوقهم عليه وكأنهم من أهله أو أقاربه أو جيرانه الذين لاشك أنه لن يحرمهم من ماله ومن كرمه عندما يلمس حاجتهم للإحسان والكرم الذي هو من شيم الشعب المغربي الطيب.
لقد استشرت هذه الظاهرة بأوصال المدن الكبرى، وخاصة الدار البيضاء، وصارت واقعا معاشا تجاوز مرحلة شعور ملايين سكان المدينة بالاستنكار إلى شعور بالتسليم وترديد عبارة “لا حول ولا قوة إلا بالله” أو دعاء “اللهم إنا لا نسألك رد القضاء ولكننا نسألك اللطف فيه”.
فالمفروض والمتعارف عليه أن كل شخص يخرج من بيته لقضاء أي غرض متوجها نحو أي وجهة في المدينة التي يقطن فيها، أن يجدد نفسه لنفسه ولغرضه ولخدمة المجتمع الذي يعيش فيه بطريقة إيجابية، وهذه العناصر تتطلب هدوء أعصابه وتركيزه على الوجهة التي هو ذاهب إليها والغرض الذي هو متوجه لقضائه سواء كان عمله اليومي أو نشاطا تجاريا أو حتى عملية تبضع يومية أو أسبوعية أو ما شابه ذلك، فلماذا يجد هذا المواطن أو هذا المقيم أو هذا السائح نفسه مضطرا لدرء “هجمات” كلامية وجسدية بالنظرات والحركات من طرف أشخاص يعتبرونه طريدة لتعبئة جيوبهم من ماله؟ سؤال لم يجد له الجميع حتى الآن أجوبة مقنعة وواضحة.
كل هذا جزء، والجزء الآخر نجده في المقابر الموجودة بضواحي المدينة، حيث يتوجه الناس عادة لزيارة قبور أقارب أو أحباب كانوا يحبونهم قبل أن يرحلهم الموت نحو دار البقاء تاركين للأحياء حسرات يحاول هؤلاء تلطيف لسعاتها النفسية وتخفيف حمولتها العصبية بالتردد على قبور تأوي تلك الأجساد التي طالما جالسوها وعاشوا معها، وبطبيعة الحال، فإن لزيارة القبور طقوسا وآدابا محددة، أهمها التركيز على الدعاء للميت ومحاولة التغيب عن ماديات الدنيا للتأمل في الحياة الأخرى بطريقة هادئة وروحانية، لا يقطعها سوى اقتراب أشخاص غرباء من زائر القبر، حيث تأخذ خطوات الشخص في التسارع ليقف بجانب الزائر طالبا منه صدقة على الميت، وفجأة يزداد عدد المتسولين والمتسولات الذين يأتي واحد منهم حاملا وعاء من الماء فيفرغه على القبر بدون استئذان الزائر، وفي أحيان كثيرة، تطير قطرات من الماء على ثياب هذا الأخير، في حين يكون متسول آخر قد استرسل في الدعاء للميت وآخر قد شرع في قراءة آيات من القرآن الكريم على روح الميت، ثم يأتي أطفال ونساء ليأخذوا في طلب الصدقات بكلمات سريعة ومتوالية لا يقطعها سوى مد الزائر يده نحو جيبه لمنحهم النقود.. وهنا يكون قد وقع في الفخ، حيث يشرع الباقون في مطالبته بمنحهم نقودا مثلما فعل مع أحدهم، فتطير الأجواء الهادئة والروحانية لزيارته ويغادر المقبرة وهو لا يلوي على شيء هاربا ممن تجمهروا حوله من متسولي ومتسولات المقابر.
لقد تجدرت ظاهرة التسول في مدن المغرب بشكل صار حديث كل من يعيش فيه أو يزوره، وصار يتطلب الحلول الجذرية بعيدا عن الحملات التمشيطية الموسمية والعابرة، وخاصة بعد أن صار التسول “مهنة” قائمة بذاتها تدر أرقام معاملات كبيرة تتراوح بين 200 حتى 400 درهم في اليوم على ذوي النفوس المفتقرة للتعفف الذين يزاولونها بشكل يتفاقم باستمرار.
إن متسولي الشوارع الكبرى وإشارات المرور لا يتسببون فقط في تعميم حالة الاستياء بين الناس، بل إن ممتهني استدرار العطف واستحلاب الجيوب يتسببون في إهدار وقت المجتمع، باحتساب ثانية على الأقل من وقت كل ضحية من ضحايا تسولهم، كما أنهم يتسببون في مشاكل كثيرة أهمها عرقلة السير التي يعاقب عليها القانون المغربي، حيث يتصرف المتسول وكأن الطريق هي ملك خاص له، خاصة بعد تطبيق قانون السير الذي يفرض احترام الراجلين، فيأخذ المتسول في التجول بين السيارات على قدميه أو فوق كرسي المقعدين دون أدنى احترام لحركة المرور وهو موقن بأن سائقي السيارات سيضطرون للتعامل مع تصرفاته بالكثير من الحذر خوفا من التحول إلى مسؤولين عن إصابته في حالة وقوعه أرضا أمام سياراتهم، فـ”يأخذ راحته” معرقلا عملية المرور، وفي أحيان كثيرة قد يرغي ويزبد سائق السيارة عندما يجد إشارة المرور قد أصبحت حمراء بعد “اخضرارها” لهنيهات، لا لسبب، سوى لأنه كان مضطرا لانتظار المتسول الذي كان يتسول وسط السيارات حتى يعود إلى الرصيف.
لكل هذا، فإنني وباسم صوت ملايين الناس الذين يعانون من متاعب الجيش العرمرم الذي ينتشر على مدار ساعات اليوم في كل مكان بالمدينة لممارسة “مهنة” غير مقننة، ولكنها مدرة لدخل كبير وكبير جدا، أطلب من المسؤولين بالبرلمان، إصدار قانون صارم وزجري يحمي الناس من هذه الفئة التي ليس عددها سوى في تزايد بسبب مداخيلها المالية السهلة والغير خاضعة للضرائب، والمسيلة للعاب بين مختلف الجنسيات الموجودة اليوم في المغرب.
لقد آن الأوان للتعامل مع هذه الظاهرة بكل صرامة، وذلك بالضرب بيد من حديد على كل الذين حولوا أنفسهم إلى آلات لجمع المال السهل والنصب والاحتيال على المارة والسائقين للحصول على أموالهم بمختلف الطرق على حساب سمعة المغرب بين الدول، سواء على الصعيد السياحي أو الاستثماري، فبدلا من تجمع تلك الأعداد الهائلة في الطرقات وأمام المقاهي والمحلات التجارية وفي مراكز التسوق وفي المقابر للتسول، فإنه يجب تخصيص أماكن خاصة للمتسولين والمتسولات أمام المؤسسات الدينية ليأتي كل من يرغب في تقديم الصدقات فيمنح أمواله عن طيب خاطر للمحتاجين أو غير المحتاجين لتلك الصدقات، كما يجب تخصيص مراكز لكل من يمارسون التسول عن احتياج، ليعرف الراغبون في مساعدتهم والإحسان إليهم عناوين تلك المراكز، ويتم بذلك تسهيل التعامل بين المتسول المحتاج ودافع الصدقة بدلا من استمرار الوضع على ما هو عليه بشكل تحولت معه مدينة الدار البيضاء بالخصوص إلى وكر كبير للتسول بكل أشكاله وبمختلف أساليبه.
والله ولي التوفيق.

تعليق واحد

  1. الحل بسيط كفى من استغلال وجوده للحصول على الملايين الاوربية اوصرفه عليهم في اقامات بدل تركهم للشعب كما تركو الشركات وسلطوا ضرائبهم على المواطن؟؟؟؟؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box
إغلاق
إغلاق