الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | اليهودي المغربي الذي عارض الحسن الثاني وساند البوليساريو

بقلم: مصطفى العلوي

إن التحليل البسيط لأصحاب الإمضاءات (اليهود المغاربة الذين وقعوا بيانا ضد الصهيونية) يغني عن كل تعليق، فبصرف النظر عن الممضين على هذا التصريح، الذين لم يبقوا كلهم في المغرب بعد حملات الهجرة، فإن بعضهم لازالوا بالمغرب ملتزمين بالأفكار الواردة في ذلك التصريح، بينما حرص المغرب والمغاربة على الوفاء لهم، أمثال سيمون ليفي الذي ظل عضوا في حزب التقدم والاشتراكية المغربي، وأبراهام السرفاتي، الذي كان أحد العناصر السياسية الكبرى في تاريخ المغرب المعاصر، إذ أنه المغربي الوحيد الذي عارض حرب الصحراء، وفكرة رجوع الصحراء للمغرب، إذن، فهو كان يؤيد وجهة نظر البوليساريو، فتم سجنه، وحينها قال الملك الحسن الثاني: إني أحتفظ به في السجن لأني لو أطلقت سراحه لنهشه المغاربة في الشارع.

أما العنصر الأساسي في لائحة الممضين على هذا التصريح، فهو أن هذه اللائحة لا تضم أي اسم من أسماء المسؤولين اليهود الذين لعبوا دورا أساسيا في المغرب، منذ تاريخ إمضاء هذه الوثيقة سنة 1961 إلى اليوم.

فلا نجد مثلا إمضاء رئيس الجالية اليهودية الآن ومدير جريدة “الجماعات اليهودية” آنذاك (1961) دافيد عمار، وغياب إمضائه كاف لتبرير الحرية المطلقة في تأويل هذا التصريح، على أنه مجرد إعلان لممارسة اليهود لسياسة النعامة في المغرب.

إن هذا المنشور المليء بالمعاني والإشارات، لا يعني إلا الرد على منشور التصريح الذي أصدرته مجموعة من اليهود الذين أمضوا تصريحهم بأسمائهم كما ورد في الحلقة السابقة (انظر الأسبوع عدد 30 يناير 2020).

لكن أصحاب المنشور التالي، فضلوا عدم إمضائه، لأنهم في الواقع يوجهون نداءهم إلى الرأي العام العالمي، ليظهروا بمظهر المستضعفين والضحايا.

والحقيقة، أن هذه المرحلة من تاريخ اليهودية المغربية، والتي أوقدت سعيرها زيارة الرئيس جمال عبد الناصر للمغرب، يفسرها هذا المنشور بادعائه أن رجال الأمن المغاربة آنذاك، اعتقلوا بعض اليهود بتهمة الصهيونية، ويدعي أصحاب المنشور كذبا أن فيهم من مات تحت التعذيب، بينما الواقع، هو أن الحكومة المغربية، وتحت ضغوط متعددة، أوقفت عملية الاعتقالات في صفوف اليهود المتهمين بالصهيونية، وبدأت في إطلاق سراحهم.

وهكذا مثلا، نجد في الجريدة التي كانت تصدرها الجالية اليهودية في الجزائر، وكانت الجزائر لازالت مستعمرة، جريدة “أخبار اليهود” information juive لمديرها جاك لازاروس، الصادرة في 21 شارع بوكو، الجزائر، العدد 134، نونبر 1961، هذه المراسلة للصحفي اليهودي المغربي فيكتور مالكا، يقول فيها: ((تم إطلاق سراح السيد الشريفي الذي سبق اعتقاله من طرف الشرطة المغربية بتهمة الانتماء لشبكة صهيونية مكلفة بتنظيم الهجرة السرية للإسرائيليين المغاربة. السيد الشريفي صرح بأنه لم يتعرض لأي تعذيب من طرف السلطات المغربية)).

نفس العدد من نفس الجريدة، ولنفس المراسل، قدم خبرا عن جنازة المخرج السينمائي اليهودي دافيد دايان، منتج شريط “أولاد الشمس” والذي مات في حادثة سقوط طائرة في رحلة من باريس للدار البيضاء.

وقالت الجريدة اليهودية: ((إن عددا من الشخصيات وأعضاء مكتب الجالية الإسرائيلية حضروا الجنازة، حيث ألقى رئيس الجالية، السيد مايير عباديا، خطابا هاما، أعقبه خطاب لوزير الإعلام المغربي أحمد العلوي، الذي صرح بأن هذا الشاب دايان كان مليئا بالقيم والوفاء والحب لمهنته، كان ينتظره مستقبل زاهر كمنتج سينمائي، وإن وفاته لخسارة كبرى للمغرب)).

هل كان اليهود يقنعون بهذا الواقع؟ وهل كانوا في أي زمن من الأزمان يكتفون بما يحصلون عليه؟ إن كل هذه الجزئيات لم تكن إلا خلفيات لمخطط كبير، قرر أقطاب اليهودية المغربية استعمال جميع الوسائل، لاجتياز المرحلة الحرجة.

وهكذا تقرر تغيير الإدارة المسيرة للهيكل اليهودي بالمغرب، دون أن تتوقف عملية الهجرة.

وكان وزير الداخلية الذي لطالما وقف مؤيدا لخطة جريدة الفجر التي كنت رئيس تحريرها – كما سبق وذكرت – قد توفي في خريف سنة 1961، وحل محله وزير يتعاطف مع الجالية اليهودية، هو السيد أحمد رضى جديرة.

كان موت الوزير البكاي إذن، بردا وسلاما على يهود المغرب، وكان بالنسبة لهم خروجا من مرحلة، ودخولا في مرحلة أخرى.

وطبعا، كانت المرحلة الأولى توقيف جريدة الفجر، أما المرحلة الثانية، فكانت تأديب رئيس تحريرها الذي هو كاتب هذا المقال(…).

بعد موت الوزير البكاي إذن، غيرت الإدارة اليهودية بالمغرب طاقمها وسياستها، وفي نهاية أكتوبر 1961، استقبل عامل الدار البيضاء أعضاء الجالية اليهودية بالمغرب برئاسة المحامي مايير عباديا، الذي قدم لحاكم الدار البيضاء استقالته من رئاسة الجالية، لأن الرجل يريد الحياة باطمئنان في المغرب.

وقال الرئيس المستقيل أنه غير مستعد لمواجهة الحملة الصحفية المشنونة ضد الجالية اليهودية، وضد مشاركته في المؤتمر اليهودي العالمي الذي انعقد في شهر غشت 1961.

وكان كل شيء جاهزا لإسناد الرئاسة إلى رجل الأعمال دافيد عمار، مدير جريدة “صوت الجماعات”.

دافيد عمار، سبق له أن مهد لهذا الانقلاب، بمقال كتبه في جريدته “صوت الجماعات” عدد أكتوبر 1961 قال فيه: ((إن الإطار الذي يعيشه اليهود موروثا عن الحماية الفرنسية، أصبح محكوما عليه بالتغيير، لأن استمرار الوضع الحالي لا يمكن أن يتم دون خسارات كبرى)).

وكان دخول دافيد عمار قانونيا لحلبة المسؤولية عن مصالح اليهود في نهاية سنة 1961، تحولا كبيرا في ملف هجرة يهود المغرب، لأنه قرر في عقر مكتبه أن لا يبقى في المغرب إلا نوعان من اليهود(…).

كما كان بديهيا أن يغير اليهود المغاربة موقفهم وأسلوب تعاملهم مع الأحداث، مع المحافظة على سلامة مسالك الهجرة آمنة، وهي مهمة صعبة، خصوصا بعد أن اكفهرت أجواء المنطقة، وأصبح الميدان الجزائري مع بداية 1962 مشوبا بعلامات غرق السفينة الفرنسية، فكان على الفيران أن تفلت بجلودها.

وهذا التحرك الذكي ليهود المغرب في أكتوبر 1961، لم يكن بطوليا من طرف يهود المغرب، وإنما كان تحت ضغط الطاحونة الثورية الجزائرية التي بدأت بعد مفاوضات “إيفيان” 1961 تحصد الرؤوس الاستعمارية الفرنسية وأتباعها من يهود الجزائر، الذين وقفوا صراحة وبدون لثام، بجانب المحتل الفرنسي، وشاركوا في التنكيل بالمسلمين الجزائريين.

وبعدما كانت جريدة “أخبار اليهود” الصادرة بالجزائر تتبنى الأفكار التي يعجز يهود المغرب المتنقل عن نشرها، وبعدما كان يهود المغرب يتوصلون بنسخهم من جريدة “أخبار اليهود” بسرية من الجزائر، ليطلعوا على الأخبار الإسرائيلية وأنشطة الحكومة الصهيونية، وافتتاحيات الشتم والقذف في حق حكومة المغرب التي كان يرأسها سنة 1961 الأستاذ عبد الله إبراهيم، انقلب الوضع مع نهاية سنة 1961، وأصبح يهود الجزائر يتهافتون على المغرب، طالبين الاحتماء بيهود البلد الذي كانوا يقذفون في حقه.

لقد كان استقلال الجزائر وانتصار ثورة الشعب الجزائري، هو السيف الذي سلك على رؤوس اليهود المغاربة، فلم يكونوا بعد قد نجحوا في تهجير المائتي ألف يهودي الذين كانوا لا يزالون هناك، ولم يكونوا قادرين على الاستمرار في خوض معركة ضد الشعب المغربي، المغتاظ من المظاهرات الصهيونية في المغرب.

هنا، وفي كل هذا، تكمن أهمية الدور الذي أنيط باليهودي دافيد عمار، الذي كان عليه أن يمشي على حبل أرق من شعرة، وأمضى من سيف، وهو ما مارسه آنذاك، إلا أنه يجب علينا أن نضع في حساب دافيد عمار، أنه رغم ممارسته للعبة الوطنية المغربية وبقائه في المغرب طول حياته كقطب التواجد اليهودي، فإنه تمكن بأناة وصبر واتزان، من أن يكون شاهدا، إن لم نقل عنصرا فعالا، على عملية هجرة حوالي مائة وثمانين ألف يهودي مغربي، منذ سنة 1962 إلى سنة 1986.

لقد كان هناك مشكل أساسي يواجه الجهاز اليهودي المتواجد بالمغرب، وهو الحملة الصحفية التي كنت أديرها وينعتونني بالصحفي “المشاغب” مصطفى العلوي، الذي بعدما أقفلت جريدة الفجر، الحكومية، في عهد وزير الداخلية رضى جديرة، فإني استمريت في مسيرتي، وأصدرت جريدة خاصة بي اسمها “أخبار الدنيا”، صدرت في 14 أكتوبر 1961، لمتابعة المسيرة الطويلة في فضح المخططات الصهيونية بالمغرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box
إغلاق
إغلاق