المنبر الحر

إشعــاع مــراكـش

رحال هرموزي. الأسبوع 

مراكش كانت تعني عند قدماء الأجانب، المغرب كله.. من زارها صيفا تستقبله بحرارة تكاد تحصر الحركة تحت سقوفها ومبانيها نهارا، مما يرجئ نشاطها إلى ما بعد الغروب، وهذا النشاط الليلي الذي اقتبسته مدن أخرى، هو في مراكش أصيل، فرضته الظروف المناخية منذ زمن طويل، ومن زارها شتاء، ينعم بأجمل وقع مطري على جريد النخل وعلى شجيرات الورود، ومطرها تستقبله النفوس بارتياح كبير بعد الحر الشديد، فتتواصل الحركة دون انقطاع ليلا ونهارا.

في مراكش تعايش النخيل والاخضرار مع المباني تعايش أصيل، ويمكن القول بأن الأصل فيها هو النخيل والاخضرار، والبناء حادث تعايش مع خضرتها، بينما يعتبر الاخضرار في جل المدن المغربية محدثا وسط المباني أسوة بمراكش.

لهجة المراكشيين محببة لدى السائحين من الخارج وزوارها من الداخل على السواء، فموقع مراكش وسط المغرب جعل منها ملتقى للهجات ولغات الجنوب والشمال والشرق والغرب، فدمجتها وخلقت لنفسها لهجة محببة لدى الجميع، فإن تجاوزت مراكش جنوبا طغت الأمازيغية، وإن تجاوزتها شمالا طغت العربية، أما هي، فقد دمجت كل ذلك وأصدرته في نبرة مراكشية محببة ومتفردة.

الظرف واللباقة والابتسامة والنكتة في هذه المدينة موروث تصادفه حيثما سحت في دروبها القديمة وساحاتها المتميزة ومآثرها التاريخية، وذلك ناتج عن تراكم تاريخ سياحي طويل ولعله الأقدم في المغرب، وبنايات مراكش يطغى عليها اللون الأحمر وما اشتق منه دكنة أو فتحا، وهذه الألوان -ألوان مراكش- استعارتها جل المدن والقرى المغربية خلال العقود الأخيرة.. حتى الدار البيضاء العملاقة بدأت تفرط في بياضها وتستعير ألوان مراكش، وكذلك البيوت المغربية الحديثة المشتتة في كل بقاع المغرب سرقت ألوانها وكأن الكل يطمح لأن يكون مراكش.  

فهل بالغ قدماء الأجانب عندما كانوا يطلقون على المغرب كله مراكش؟ لا أعتقد أنهم بالغوا، وأتمنى ألا أغضب أحدا إذا قلت أن مراكش هي الأصل والباقي تجمعات حاولت أو تحاول أن تكون مراكش في سياحتها وساحاتها وأسوارها وأبوابها وحمرتها ونخيلها ولطف أهلها ولياليها وسهرها و”حلقاتها” و”دقتها” و”طنجيتها” و”كوتشياتها”.. ولم تستطع أي مدينة مجاراتها، لأن كل ذلك في مراكش له أصول وفي غيرها منقول، ولا أستثني من ذلك إلا عروس الشمال طنجة، التي لها تفردها وتفعل فعل مراكش في ما حولها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box
إغلاق
إغلاق