الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | “المغاربة الإسرائيليون” واليهود الذين وقفوا ضد الحركة الصهيونية

بقلم: مصطفى العلوي

بعد أن وجدت نفسي في قلب الصراع العربي الصهيوني(…) وبعد أن لجأ وزير الإعلام المغربي لجريدة فرنسية هي “لوموند” لكي يرد على جريدة “الفجر” التي كنت رئيس تحريرها(…) أجريت اتصالا مع مراسلة جريدة “نيويورك تايمز” بالمغرب، التي انقضت على الفرصة، ونشرت بتاريخ 22 فبراير 1962 استجوابا لوزير الداخلية المغربي، تناقلته جميع أجهزة الإعلام العالمي والمغربي.

وهذا نص الاستجواب، كما نقلته وكالة المغرب العربي للأنباء برقيا بتاريخ 23 فبراير 1962:

((تصريح للسيد مبارك البكاي إلى صحيفة “نيويورك تايمز”: تلقينا من ديوان وزارة الداخلية ترجمة للتصريح الذي أدلى به السيد مبارك البكاي إلى صحيفة “نيويورك تايمز”.

فقد عبر السيد الوزير في هذا التصريح عن أمله في أن يمكث اليهود المغاربة في وطنهم ليعملوا جنبا إلى جنب مع المواطنين المسلمين في بناء دولة قوية الدعائم مزدهرة، ثم أدان السيد وزير الداخلية بشدة نشاط الصهيونية الدولية الهدام الرامي إلى تشجيع اليهود على التخلي عن المغرب.

وفند السيد البكاي تفنيدا قاطعا ما روجته بعض الصحف الأجنبية المنحرفة، حول ظهور حركة مزعومة معادية لليهود في المغرب، وحول منع اليهود من السفر إلى الخارج.

وزاد السيد مبارك البكاي معبرا عن إيمانه بحرية التنقل بالنسبة لجميع المواطنين، فأكد بأنه لن يرفض أي جواز سفر لأي شخص يتقدم بطلبه إذا كان متوفرا على الشروط الضرورية التي تخول له ذلك.

وقال بأن لليهود المغاربة مطلق الحرية في التوجه إلى أي بلد يشاؤون ما عدا إسرائيل، واستطرد السيد وزير الداخلية قائلا، بأن المغرب لم يعترف بإسرائيل، الأمر الذي يجرد جوازات السفر المغربية من كل صلاحية بالنسبة لدولة تل أبيب تماما كما هو الشأن بالنسبة للجوازات الأمريكية في ألبانيا أو الصين الشيوعية.

وأضاف الوزير بأن اليهود المغاربة، الذين يذهبون إلى إسرائيل، يتحملون عواقب عملهم، وهي نزع الجنسية المغربية عنهم ومصادرة أملاكهم وأموالهم بالمغرب، وأشار إلى أن التنظيمات قد أعطيت إلى جميع عمال النواحي لكي تمنح لليهود جوازات السفر بنفس الشروط التي تمنح بها للمسلمين.

وأكد الوزير أنه وقع اعتقال بعض اليهود أثناء زيارة الرئيس جمال عبد الناصر للمغرب، ثم أطلق سراحهم بعد أن تبين أنه لا يخشى منهم خطر، وقد وقع اعتقالهم خشية الاصطدام مع حماس المواطنين المسلمين أثناء زيارة جمال عبد الناصر، كما أكد أن رجال الشرطة قد استعملوا العنف مع بعض اليهود، لكن لم يكن ذلك إلا عرضيا وليس عن قصد، وهذا يحدث دائما لرجال الشرطة في جميع بلاد العالم.

وأشار وزير الداخلية في الأخير، إلى أن الحكومة تنوي مساعدة الجالية اليهودية على حل مشاكلها، كما قبل الدعوة لتدشين مؤتمر مجلس الجالية اليهودية)).

كان هذا بطريقة غير مباشرة ردا على الحملة الصهيونية، وعلى مهاجمة جريدة “لوموند” الفرنسية لجريدة “الفجر” المغربية، وتأكيد شجاع من طرف وزير الداخلية المغربي على المواقف الرسمية للمغرب، وفي نفس الوقت، كان دفاعا صريحا عن مواقف المغرب الواضحة في منبر أمريكي كبير.

في نفس الوقت، سجلت بهذا الاستجواب انتصارا شخصيا على وزير الإعلام المغربي، الذي كان هو الوزير أحمد العلوي، والذي سبق له بعد صدور مقال “لوموند”، أن عقد ندوة صحفية طمأن فيها الأطراف اليهودية في المغرب، وقال للصحفيين: ((إن المقال الصادر في جريدة الفجر لا يعبر إلا عن رأي صاحبه، وخلافا لما يقال، فإن جريدة الفجر ليس لها أي طابع رسمي، ولا شبيه بالرسمي، ولا يمكن اعتبارها إطلاقا متكلمة باسم الحكومة)) (جريدة “ليكو دو ماروك” عدد 24 يناير 1961).

وطبعا، لم يكن كلام وزير الإعلام يحتوي على أي قسط من المصداقية، لأن جريدة “الفجر” التي كنت رئيس تحريرها، لم تكن ملكا شخصيا لي، وإنما كانت اللسان المعبر عن الحكومة(…)، وهي حقيقة كان يعرفها كل الصحفيين الذين كانوا يستمعون لتصريحات وزير الإعلام.

هنا تكمن أهمية الاستجواب المنشور لوزير الداخلية آنذاك في جريدة “نيويورك تايمز”، وهذه القضية تبرز حقيقة الصراع الداخلي الذي كان ولازال بين الاتجاهات المختلفة في الحكومة المغربية.

هكذا، أصبح الصراع مفتوحا في واضحة النهار، بين جريدة “الفجر” الحكومية التي كنت رئيس تحريرها، وبين أباطرة “الصهيونية”، الذين كانوا يتباكون على ما تدعيه الصحيفة المغربية، خصوصا بعد أن انبرت جريدة “العمال” التي كان يصدرها الاتحاد العام للشغالين، لمساندة جريدة “الفجر” الحكومية، فاجتمعت نخبة يهودية من نوع جديد، وتدارست الموقف، فلم يجدوا بدا على “جريدة” الفجر، علنا، لا على شكل منشور سري، وإنما بإصدار بلاغ أمضى عليه كل حراس المصحة اليهودية بالمغرب، وقد صدر هذا الموقف في شكل ورقة مطبوعة باللغة الفرنسية، عليها عنوان كبير: تصريح Déclaration.

وقد بدأ هذا التصريح، فأخبر بأن منشورا سريا ذا مصادر صهيونية، قد تم توزيعه بالمغرب، واتخذوا من هذه الذريعة مدخلا لتصريحهم الذي أنشر أسفله ترجمته بالحرف وأسماء الممضين عليه:

((تصريح: نحن المغاربة الإسرائيليون، الممضون أسفله، الواعون بالمصلحة العليا لوطننا، والذين لا يسلمون في المصالح المصيرية للجالية اليهودية المغربية التي هي منا، ندين علنا وبدون غموض، الدعاية الصهيونية كأداة للإمبريالية، وسلاح لضرب التضامن الوطني المغربي..

نعلن استنكارنا للتصرفات المثيرة للصهيونيين الذين يزايدون على مصالح اليهود المغاربة الباحثين عن الكرامة والعيش الكريم والاستقرار، الدافعين باليهود نحو الهجرة، في الوقت الذي يتحتم على اليهود والمسلمين في المغرب أن يكتلوا جهودهم لإتمام الوحدة الوطنية، وخلق إطار لحياة سعيدة في وطنهم تضمن للجميع الديمقراطية، الحياة الكريمة، والاستقرار، ومدفوعين بالرغبة في دفع كل شبهات القذف في حق وطننا، فإننا نستنكر الحملة العالمية المشنونة ضد المغرب من طرف الانتهازيين الإمبرياليين الراغبين في خلق جو من الميز العنصري حتى يصلوا إلى تفريق المواطنين اليهود في المغرب عن الكيان الوطني.

إن موقفنا هذا ليس مشوبا بالرغبة في إرضاء بعض الطموحات لأي كان، وإنما هو صادر عن مجموعة وطنية التزمت، حتى قبل استقلال المغرب، بمبادئها المنبعثة من أن المغرب هو وطنها.

لهذا، فإننا نعلن بنفس الإصرار، استنكارنا لكل مظاهر معاداة السامية، ومعاداتنا لكل تمييز يهدد حقوقنا وحريتنا كمواطنين مقتنعين بأن هذا الوطن وطننا ولا توجد أي قوة قادرة على زحزحة موقفنا.

الإمضاءات:

“أبراهام سرفاتي” مهندس مناجم؛ “جوزيف ليفي” موظف بإدارة الوظيفة العمومية؛ “روجي كوهين” مكلف بمهمة في البنك الوطني للتنمية؛ “دافيد كوهين” طبيب في الخميسات؛ “جو بن دلاك” طبيب في خريبكة؛ “سموئيل بن هاروش” مدير في المكتب الوطني للفوسفاط؛ “إيفلين سرفاتي” كاتبة في الدار البيضاء؛ “رائف بن هاروش ماودي” محامي بالدار البيضاء؛ “روني أوحانا” ملحق بمحكمة الدار البيضاء؛ “جودا أزويلوش” نائب مدير بوزارة المالية؛ “ليون الماليح” مفتش المالية بالدار البيضاء؛ “سيمون ليفي” أستاذ بالدار البيضاء؛ “إيلي كاباي” مدير مدرسة بالدار البيضاء؛ “أمرام الماليح” أستاذ بالدار البيضاء؛ “إسحاق ليفي” أستاذ بالدار البيضاء؛ “سام زريهم” أستاذ متخصص بالدار البيضاء؛ “هوكيط الرويمي” معلمة بالدار البيضاء؛ “ألبير واكنين” موظف بمصلحة الكهرباء بالدار البيضاء؛ “شارل الحلوف” طبيب بالرباط؛ “أرمان العطار” مهندس بالدار البيضاء؛ “مايير ألبو” مفتش مواصلات بالدار البيضاء؛ “سموئيل عمار” مهندس بالدار البيضاء؛ “ألان فيمات” مهندس بالدار البيضاء؛ “جاك الصباع” مهندس بالدار البيضاء)) انتهى التصريح.

وهو بدون شك – وفي تلك الظروف الحرجة من تاريخ اليهودية المغربية – يعتبر موقفا وطنيا صادقا، وفي نفس الوقت، يمثل وجهة نظر المجموعة التي تريد أن توقف الخطر عن يهود المغرب، ذلك الخطر المتمثل من جهة في الحملة الصحفية التي خاضتها جريدة “الفجر” الحكومية، ومن جهة أخرى، فيما أسموه في النشرة بـ”تنكيل رجال الشرطة”.. فهل كلفت هذه المجموعة بممارسة الإعلان عن سياسة النعامة، أم أنها كانت صادقة في ادعاءاتها؟

إن التحليل البسيط لأصحاب الإمضاءات، يغني عن كل تعليق، فبصرف النظر عن الممضين على هذا التصريح، الذين لم يبقوا كلهم في المغرب بعد حملات الهجرة، فإن بعضهم لازالوا بالمغرب ملتزمين بالأفكار الواردة في هذا التصريح، بينما حرص المغرب والمغاربة على الوفاء لهم، أمثال سيمون ليفي الذي ظل عضوا في حزب التقدم والاشتراكية المغربي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box
إغلاق
إغلاق