الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | عندما منع وزير الداخلية اليهود المغاربة من الهجرة إلى إسرائيل

بقلم: مصطفى العلوي

بصفتي رئيس تحرير جريدة “الفجر”، كنت قد كتبت في 16 يناير 1961(…)، مقالا جعلني في قلب الصراع العربي الصهيوني، بعد إثارته لمشكلة التغلغل الصهيوني في المغرب، وإشكالية هجرة اليهود المغاربة نحو إسرائيل في تلك الظروف التي كانت فيها الشوارع تغلي طلبا للكرامة(…) بالتزامن مع قضية الباخرة التي طوحت بها عاصفة هوجاء في عرض البحر، وكانت تحمل على ظهرها جماعة من اليهود المغاربة.

يقول المقال: ((أصبحت الأقلية اليهودية في المغرب تقدر الآن بنحو 160.000 يهودي، بينما كانت في سنة 1950 تزيد عن المائتين والخمسين ألفا، ونشطت حركة الهجرة نشاطا غريبا ما بين سنوات 1953 و1956، عندما تأزمت الأوضاع، وانطلقت أول رصاصة في الشارع معلنة بدء معركة الشعب في سبيل الكرامة.. حيث اغتنمت المنظمات اليهودية هذه الظروف الغامضة، فقامت بترحيل عدد وافر من اليهود المغاربة إلى فلسطين العربية.

والنشاط الصهيوني في المغرب يتجسم في الدار البيضاء، والمنظمات الصهيونية موجودة هناك، والصهيونيون من اليهود المغاربة في مأمن من السلطة.. والمتابعة والمطاردة.

فهل نوعز ذلك إلى تقصير الدوائر المسؤولة، التي كان من حقها أن تجند طاقاتها الضائعة، لتقطع دابر الصهيونية في المغرب وتطهر أرضنا من رجسها، وتعمل على حراسة حدودنا، وتطويق بحارنا، ومراقبة مطاراتنا، أم نلصق التهمة باليهود المغاربة الذين لم يراعوا حقوق المواطنة، والجنسية، ولم يحترموا واجبات المواطن الملقاة على عاتقه، أم نلقي التبعة على الشعب المسكين الذي يتطلع في لهفة إلى كسرة الخبز.. وقطعة السكر؟

نحن هنا نتساءل قائلين من هو المسؤول عن تغلغل النشاط الصهيوني في أراضينا وإفساح الطريق له إلى بلادنا؟ ولماذا غضضنا الطرف عنه إلى اليوم كما غضضنا الطرف من قبل عن كثير من المخازي والهينات؟

فنحن لا نتحامل هنا على أحد باسم العاطفة، وإنما باسم الوطنية الخالصة، يحدونا نداء الوطن المقدس)).

هذا المقال، كان بالنسبة للأجهزة الصهيونية، القشة التي قصمت ظهر البعير، فبصرف النظر عن أن هذا المقال صدر في جريدتي عدد 16 يناير 1961، وبصرف النظر عن أنه ليس افتتاحية رسمية للجريدة، فإن هذا المقال حملني شخصيا إلى عالم الصراع الصهيوني العربي، وحمل جريدة “لوموند” الفرنسية إلى خوض المعركة نيابة عن إسرائيل ضد جريدة “الفجر” التي كنت رئيس تحريرها.

وبصراحة، فإني قرأت – آنذاك – في جريدة “لوموند”، ترجمة لبعض جمل “الفجر”، لكني لم أكن أتصور أن تلك الفقرات ستعطي لحياتي مسارا جديدا، وتصنفني في إطار المغضوب عليهم من طرف الصهيونية العالمية وعملائها المتواجدين في كل مواقع المسؤولية في كل أنحاء العالم.

كتبت “لوموند” في عددها الصادر يوم 18 يناير 1961، المقال التالي: ((إن غرق الباخرة “بيسيس” وموت أربعين من المهاجرين الإسرائيليين المغاربة كانوا يحاولون الوصول إلى جبل طارق، قد ركز الاهتمام على وضعية يهود المغرب، وعلى الأخطار التي يتحملها عدد كبير منهم من أجل الإفلات من الملاحقات التي لم يبقوا قادرين على قبولها، وبصفة متوالية، يحاول عدد من المجموعات المصرة على مغادرة بلادها، فيركبون أي سفينة من ميناء سبتة أو مليلية، وفي بعض المرات طنجة، إذا ما سمحت الظروف بذلك، منذ ألغي القانون الدولي لطنجة، ومن هناك يلتحقون بميناء أوروبي “جبل طارق”، “مرسيليا”، قبل أن يتم نقلهم إلى إسرائيل “أرض الميعاد”.. كل هذا بثمن يعادل وزنه ذهبا، لأن مسالك الهروب سرية، مما يسمح لبعض السماسرة المنعدمي الضمائر بممارسة كل أنواع الضغوط والمبالغات.

فلنتذكر قضية الباخرة “بيسيس” فالذين نجوا هم فقط هاربان، وربانا المركب، ويظهر أن قائد المركب لم يبذل مجهودا كبيرا في إنقاذ الضحايا، ولدرجة الاستغراب، فإنه لا يتابع قضائيا من أجل استهانته بحياة ركابه، وإنما بتهمة نقل الركاب بطريقة سرية.

لقد قال لنا مسؤولون حكوميون مغاربة، إننا لم نعد نقبل هذه الهجرة السرية، وإذا كان لا يوجد قانون يمنع اليهود من الهجرة، فلماذا ممارسة الهجرة في الخفاء؟)).

في الحقيقة، لم نجد قانونا مغربيا يحرم الهجرة، ويقول المغاربة أنهم يمنعون بعض رعاياهم من مغادرة التراب، لأن كثيرا منهم – بصرف النظر عن كونهم مسلمين أو يهود – لا يجدون وسائل للعيش في الخارج، فتضطر الحكومة المغربية لإرجاعهم على نفقتها للمغرب، وقد رجع عدد من اليهود بعد وصولهم إسرائيل، وعدم رضاهم عن طريقة الحياة هناك.

هذا ما يقوله المسؤولون المغاربة.. فما هو جانب الصحة في هذه الادعاءات المغربية؟

لقد تدارس المؤتمر اليهودي المعقود في إسرائيل في بداية الشهر (يناير 1961)، قضية المعاملة القاسية التي يعانيها اليهود المغاربة في إسرائيل.

وهذه الهجرة السرية دائما يمكن تقديرها بألفي مهاجر سنويا، وهي تتزايد كلما تزايدت مظاهر التقارب المغربي مع الدول العربية، فقد ألغى المغرب أخيرا،

على سبيل المثال، العلاقات البريدية مع إسرائيل، وحرم العائلات اليهودية من الاتصال البريدي، كما ضيق الخناق على المؤسسات اليهودية البريئة(…)، ولكن هناك عوامل أكثر تأثيرا على تزايد عمليات الهجرة، وعنف التأثير العاطفي لنداءات العودة إلى أرض الميعاد، وفشل المحاولات المغربية لإقرار تعايش حقيقي بين اليهود والمسلمين، وهي ظاهرة لا ترجع إلى عهد الاستقلال المغربي، وإنما إلى سنوات طويلة من قبل، فالعمليات الأولى للهجرة، ترجع إلى عهد تأسيس دولة إسرائيل، حين كانت في حاجة إلى شباب، فبين المائة ألف يهودي الذين غادروا المغرب، هناك ما بين خمسين إلى ستين ألفا غادروها قبل سنة 1956، وعند إعلان استقلال المغرب، غادر المغرب حوالي ثلاثين ألف يهودي، وكان الأمر يتعلق بالنسبة لهؤلاء، بعملية هروب سري.

وقد سايرت عملية تهريب رؤوس الأموال خطوات الهاربين، مما جعل الحكومة المغربية مدفوعة للتعرض على الهجرة، محاولة وقف النزيف المالي أكثر من مراعاتها لاتخاذ موقف سياسي تجاه إسرائيل.

فقد اقترنت مغادرة حوالي عشرين ألف يهودي سنة 1956 بهروب رؤوس الأموال الفرنسية، لذلك كانت الحكومة المغربية الناشئة عاجزة عن منع الفرنسيين من تهريب أموالهم، فقررت تسليط منعها على اليهود.

وحاولت الحكومة المغربية تغطية هذا القرار، بمحاولة إدماج اليهود في الحياة المغربية، فقد كان اليهود يمارسون أدوارا رئيسية في الاقتصاد نتيجة تواجدهم بالمغرب منذ عدة قرون، وهناك قبائل يهودية في الجنوب المغربي، تدعي أنها جاءت هنا قبل تهديم معبد “داوود”، وهناك من يقول أنهم كانوا في المغرب قبل وفاة المسيح، إذن، فدمه لم يلطخهم، ولهذا فإن هذا الماضي يعطيهم أحقية في المغرب بنفس النصيب الذي تعطيه العروق الأخرى في المغرب(…).

ويقدر عدد اليهود في المغرب غداة الاستقلال، بمائتي ألف، فيهم صناع صغار يعيشون في ضنك وضيق داخل “ملاحاتهم”، لكن هناك بورجوازية يهودية استطاعت فرض وجودها بفضل الحظوظ التي مكنتها منها الحماية الفرنسية، وهكذا أصبح لعدد من اليهود الحق في الترقي في مدارج عليا إدارية وعسكرية، وخصوصا تقنية، حتى أن الملك قرر في بداية الاستقلال، المناداة على وزير إسرائيلي، طبيب جراح ناجح وسياسي مرموق معتدل، الدكتور “بنزاكين”.

لكن هذه السياسة تعرضت للكثير من المصاعب أولا، لأنها لم تلق قبولا غير مشروط من طرف النخبة الإسرائيلية التي رأت في عملية الإدماج هاته، قضاء على الهياكل اليهودية القائمة بذاتها، وثانيا لأنها لم تجرد البلاد كلها من الحساسيات.

ثم إن التوجهات المغربية نحو الجامعة العربية منذ انعقاد الجامعة العربية في الدار البيضاء خلال شهر شتنبر 1965، ألقت غيوم الخيبة على آمال اليهود في المغرب، حتى المعتدلين منهم.

وهنا تدخل “لوموند” (نفس العدد دائما) في البحث عن مبررات مغربية لرفض فكرة التعايش، فتجد في مقال جريدة “الفجر” كل المبررات، وتقول: ((إن هذه المواقف اليهودية لم تكن بالطبع مقبولة من طرف العناصر الوطنية، التي أصبحت ترى أن عملية الإدماج لم تحقق الأهداف المتوخاة منها، فتحت عنوان “الأخطبوط الصهيوني”، كتبت الجريدة المغربية اليومية “الفجر” مقالا يفضح الخلايا الصهيونية في المغرب، ويتهم بعض اليهود المغاربة بالخيانة)).

وتنشر “لوموند” الترجمة الحرفية للمقال المنشور في جريدة “الفجر” (12 يناير 1961)، وبها ينتهي المقال الطويل لأكبر الصحف الفرنسية نفوذا على الرأي العام الفرنسي والعالمي الناطق بالفرنسية.

فلنتمعن في مدلول هذه الضجة العالمية المقامة في المغرب من أجل التستر على عملية أكبر وأضخم، هي عملية تهجير اليهود المغاربة نحو إسرائيل، التي سميت عملية “ياخين” ونشر عنها فيما بعد الكثير.

عملية “ياخين” وكل الترتيبات التي تمت لتهجير يهود المغرب بكل الوسائل، والتي كان أقطاب اليهود المغاربة في صحيفة “صوت الجماعات” يتسترون عليها ويتمترسون خلف شعارات التنكيل والخوف والبكاء والوفاء للمغرب، ويحتمون بالرأي العام العالمي الذي يقدمون له أنفسهم كضحايا لتشكيل ستار عازل يحجب الحقيقة عن الأنظار، هذه العملية فضحتها “غولدا مائير” رئيسة الحكومة الإسرائيلية سنة 1971، حينما صرحت بالحقيقة أثناء اجتماعها بوفد من اليهود المغاربة يوم 13 أبريل، وأذيع المحضر على الصحافة الإسرائيلية، ونشره الكاتب الإسرائيلي “موني الكاييم” في كتاب “الفهود السود في إسرائيل” إصدار مؤسسة “ماسبيرو” بباريس.

قالت رئيسة الحكومة الإسرائيلية: ((إن المهاجرين اليهود جاؤوا من المعسكرات الأوروبية، وجاؤوا من شمال إفريقيا، وإن لي رفاقا خاطروا بحياتهم لتسهيل إخراج اليهود من المغرب، ونقلهم من جبال الأطلس وتجميعهم وإخراجهم سريا وإيصالهم لأرض إسرائيل)).

كان طبيعيا، بعد أن ارتفع النزاع إلى مستوى أن تخصص له جريدة “لوموند” خبرا كبيرا في أحد أعدادها في عهد كان فيه المغرب حديث الاستقلال، أن تثار الضجة الكبرى في المغرب، وكيف تقبل الحكومة المغربية أن تصبح جريدتها الرسمية عنصرا إيجابيا في ملف الهجرة اليهودية، وكان المفروض أن يكون هذا من اختصاص إحدى صحف المعارضة.

ولكن وزير الداخلية، المرحوم مبارك البكاي، الذي كانت جريدة “الفجر” تابعة لوزارته، استدعاني لمفاتحتي في الموضوع، أولا بصفتي مكلفا إعلاميا بديوانه، وثانيا بصفتي رئيس تحرير جريدة “الفجر”، وقد أقنعته بوجهة نظري التي لم تكن تختلف كثيرا عن الموقف الرسمي المغربي، فقد كانت مقررات أعمال القمة الإفريقية لازال مدادها لم يجف من محابر مدينة الدار البيضاء، ولكنني أقنعت وزيري بأن عليه أن يدلي بتصريح لجريدة أهم من جريدة “لوموند” وأكثر تأثيرا وأوسع نفوذا، وهي جريدة “نيويورك تايمز” الأمريكية.

وفعلا، أجريت اتصالا مع مراسلة جريدة “نيويورك تايمز” بالمغرب، التي انقضت على الفرصة، ونشرت بتاريخ 22 فبراير 1962، استجوابا لوزير الداخلية المغربي، تناقلته جميع أجهزة الإعلام العالمي والمغربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق