في الأكشاك هذا الأسبوع

تحليل إخباري | بين “غول الأناضول” و”غول المغرب”.. هل تطاول وزراء أخنوش على اختصاصات الملك؟

إعداد: سعيد الريحاني

لا أحد يمكن أن يعرف الطريقة التي يفكر بها الوزير المحسوب على المغرب حفيظ العلمي، والذي حكى بلسانه كيف أنه سافر إلى دولة اليابان، وقال لهم استيقظوا إن العالم يتغير من حولكم(..)، والواقع أن النائم فعلا، هو قطاع الصناعة المغربي الذي يشرف عليه الوزير العلمي، ويكتفي بالظهور إلى جانب العلامات التجارية التابعة لبلدان أخرى(..)، هذا الوزير جاء إلى البرلمان نافخا ريشه ليقول لأول مرة بأن المغرب يخسر ملياري دولار في التبادل التجاري مع تركيا، والحل في نظره هو “تجاوز المشاكل” أو “تقطيع هذه الاتفاقية”.

العلمي الذي لا يمثل الحكومة فقط، بل يمثل اللوبي التجاري داخل حزب التجمع الوطني الأحرار، حيث تختلط تجارة الشكولاطة بتجارة المازوط والعقارات(..)، قال بأن وزيرة التجارة التركية ستزور المغرب يوم الأربعاء 15 يناير 2020، رفقة وفد سيتدارس المشاكل التجارية العالقة بين الطرفين على أمل الوصول إلى حلول.. وأضاف بأن ((المغرب أبلغ تركيا بأنه يجب الوصول إلى حلول أو غادي نشركوا هاذ الاتفاقية فقط (قالها بالدارجة وبانفعال))).

الواقع، أن العلمي لا يمكنه أن يقطع أي اتفاق دولي، لأن الأمر يتعلق باختصاص ملكي لا يمكن القفز عليه(..)، وهو ما يعني أنه تجاوز حجمه كوزير، بغض النظر عن التناقضات التي يمكن تسجيلها في كلامه، ذلك أن اتفاقية التبادل الحر مع تركيا وقعت سنة 2004، ودخلت حيز التنفيذ سنة 2006، والمغرب كان يعرف منذ البداية أن المعادلة تميل لصالح العجز.. لماذا انتظرت الحكومة المغربية كل هذه السنوات لتتذكر أن تركيا تخرب الاقتصاد المغربي؟ ثم إن القول بأن الميزان التجاري يميل لصالح تركيا، يفترض أن الميزان التجاري يميل لصالح المغرب مع بلدان أخرى، هل يربح المغرب من اتفاقه التجاري مع أمريكا مثلا؟ وهل يحقق فائضا في تعاملاته التجارية مع الصين وفرنسا؟

الحكومة المغربية التي تهاجم اليوم تركيا على لسان الوزير العلمي، المحسوب على عزيز أخنوش، هي نفسها التي كانت تبحث عن المبررات لبقاء هذه الاتفاقية، حيث كان يقال في الصحافة ((حجم التبادل التجاري بين المغرب وتركيا ارتفع في سنة 2016، قرابة أربعة أضعاف عما كان عليه في 2006، إلى 25.6 مليار درهم (2.7 مليار دولار)، وفق بيانات رسمية.. وبأن حجم التبادل التجاري بين المغرب وتركيا في 2006 (تاريخ دخول الاتفاقية حيز التنفيذ) لم يكن يتجاوز 6.6 ملايير درهم (700 مليون دولار)))، بل إن الوزير السابق مصطفى الخلفي قال أن ((المملكة تؤمن بترسيخ العلاقات مع تركيا، على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وفسح المجال أمام الباحثين ليعددوا منافع هذه الاتفاقيات، لذلك قال البعض إن العلاقات التجارية للمغرب مع تركيا لها أهمية كبرى من الناحية الاقتصادية على المستويين القاري والعالمي))، وأضاف آخرون أن ((التعاون الاقتصادي بين المغرب وتركيا نموذج للتطور في العلاقات التجارية بين البلدان الإسلامية، خصوصا بين بلدان شمال إفريقيا وشرق آسيا والشرق الأوسط))..

كل هذه المبررات الآن سقطت فجأة، وإذا استمر الوضع كذلك، قد تتأزم الأوضاع مع تركيا، التي تحقق نسبة نمو تفوق 5 في المائة، بل إن الاتحاد الأوروبي، الذي كان يروج لسقوط الاقتصاد التركي اضطر إلى تعديل توقعاته، ليعلن أن الاقتصاد التركي سيستمر في النمو المبهر(..)، وحدهم وزراء التجمع الوطني للأحرار الذين يصدقون إمكانية انهيار تركيا، فقبل حفيظ العلمي، كان هناك وزير الشبيبة والرياضة السابق، رشيد الطالبي العلمي، الذي قال إن أردوغان يخرب الاقتصاد التركي، لكن الذي حصل هو أن تركيا أنجزت سنة 2018 أكبر مشاريع القرن، على سبيل المثال، مشروع نقل الغاز الطبيعي العابر للأناضول (تاناب) لنقل الغاز من أذربيجان إلى تركيا، فضلا عن المشروع العملاق لمطار إسطمبول الثالث، حيث يشكل بناء المطار الجديد جزء من رؤية تركيا 2023 (أي في غضون ثلاث سنوات وليست 50 سنة)، ويتميز المطار الجديد الذي يعرف باسم “مشروع القرن” بمساحة واسعة تتسع لـ 150 مليون راكب، وتصل إلى 200 مليون عند انتهاء مراحل إنشائه الأربعة، مع وجود 165 جسرا لنزول الركاب من الطائرات، وبمساحة داخلية تبلغ مليونا و500 ألف متر مربع، ومواقف سيارات تسع لـ 7 آلاف مركبة، و6 مدارج هبوط وإقلاع مستقلة، و16 مدرجا موازيا، و6 ملايين و500 ألف متر مربع ساحة وقوف تسع لـ 500 طائرة (حسب ما تشير إليه الصحافة).

ليبقى الخطير في الأمر، أن خرجات وزراء الأحرار، التي يمكن أن تؤدي فيها الدولة المغربية الثمن(..)، تتزامن مع تغير المعطيات على الصعيد الدولي، فتركيا لم تعد بعيدة عن المغرب بعد أن وصلت إلى دول الجوار في ليبيا، فـ((بعد ثلاثة أشهر فقط على تنفيذ هجوم داخل الحدود السورية، يستعد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لتدخل عسكري خارجي جديد عبر إرسال جنوده إلى ليبيا.. وكما كان متوقعا، أقر البرلمان التركي بأغلبية مذكرة تقدم بها أردوغان يوم الإثنين الماضي، تندرج في سياق اتفاق التعاون العسكري والأمني الذي يسمح للطرفين بأن يتبادلا إرسال عسكريين أو عناصر من الشرطة، فضلا عن الاستجابة لطلب حكومة الوفاق، والذي يتطلب نشر عناصر جوية تضم ست إلى ثماني طائرات من طراز F-16 Block 50 ونظام للإنذار المبكر والسيطرة محمول جوا (AWACS)، وعناصر بحرية تضم فرقاطة واثنين أو ثلاثة زوارق حربية، وغواصة أو اثنتين لأغراض منع الوصول، فضلا عن قوة برية بحجم كتيبة، ما يعني حوالي 3000 جندي جميعهم يتمتعون بخبرة قتالية، ومشاة ميكانيكية وعناصر للدعم غير المباشر للنار)) (المصدر: عدة وكالات).

من الناحية الرسمية، عبر المغرب عن رفضه لأي تدخل عسكري في ليبيا، وهو الأمر الذي عبر عنه وزير الخارجية ناصر بوريطة، ما يعني أن الحسابات تتجاوز المنطق التجاري الذي يطرحه وزراء حزب التجمع الوطني للأحرار، علما أن موقف بوريطة طبيعي، لأن المغرب أشرف على “اتفاق الصخيرات”، الذي يستمد منه رئيس حكومة الوفاق الليبية، فايز السراج، شرعيته، من تم فإن الدفع في اتجاه الاصطدام مع حكومة السراج المعترف بها دوليا، لن يخدم سوى أجندة الجنرال الليبي خليفة حفتر، الذي يعد أكبر عدو للمغرب ولـ”اتفاق الصخيرات”.. هذا فضلا عن أن إحياء العداوة مع تركيا من طرف حزب أخنوش، سيخدم أطروحة الجنرال حفتر في ليبيا.

هذا من حيث الشكل، أما من حيث المضمون، فإن حكومة فايز السراج مهدت الطريق عبر اتفاق ليبي تركي، لدخول أردوغان إلى البحر الأبيض المتوسط، أي أن الخطر الحقيقي متمثل في وجود خطر عسكري في المنطقة(..)، وقد قالت بعض وسائل الإعلام العالمية: ((لقد تدخلت تركيا في ظل غياب غير مبرر للدول المغاربية، وهي في حاجة ماسة إلى موقع استراتيجي على ضفاف حوض البحر الأبيض المتوسط، وتطمح إلى بناء قواعد عسكرية بليبيا والاستفادة من النفط والغاز، وتحرص أيضا على ضمان موقع وموطئ قدم لها في ليبيا الجديدة، ونصيبها من صفقات إعادة الإعمار، ولتجعل منها قاعدة وبوابة إلى إفريقيا)).

إن الحسابات في المنطقة أصبحت حسابات عسكرية، وبالتالي، فإن الحديث عن تركيا أو عن روسيا، لابد أن يمر عبر القرارات السيادية للملك محمد السادس، أو عبر الإرادة الشعبية الممثلة في البرلمان، ذلك أن منطق افتعال الأزمات في زمن الحرب، لا يعكس الحسابات الاستراتيجية التي يجب أن تحكم كل تحركات الحكومة المغربية، بعد ظهور روسيا وتركيا كلاعبين في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وهو ما يعني اقتراب الخطر من المغرب الذي يجد عدة عراقيل في طريق ترسيم حدوده البحرية، بينما وصلت الحدود البحرية التركية إلى ليبيا، وهو ما يعني ضرورة استبعاد الأطروحة السطحية التي تقول بأن حزب العدالة والتنمية المغربي مدعوم من طرف حزب العدالة والتنمية التركي، رغم أن الفرق بينهما مثل الفرق بين السماء والأرض(…).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box