في الأكشاك هذا الأسبوع
محامون يتظاهرون ضد المصادقة على المادة 9 من قانون المالية

باب النقاش لا زال مفتوحا حول المادة 9 من مشروع قانون المالية لسنة 2020..

بقلم: ذ. عبد الواحد بنمسعود *

نشر في الجريدة الرسمية عدد 6838 مكرر بتاريخ 17 ربيع الآخر (14 دجنبر 2019)، قانون المالية لسنة 2020، وجاء في صفحته الأولى أن هذا القانون ينفذ وينشر بالجريدة الرسمية عقب ظهيرنا الشريف هذا، القانون رقم 70.19 للسنة المالية 2020، كما وافق عليه مجلس النواب ومجلس المستشارين، وفي مجلس المستشارين، صوت على هذا القانون 37 مستشارا من أصل 120 وعارضه 21 مستشارا، فيما غاب الباقي من المستشارين، والذين يتقاضون تعويضات ومعاشات التقاعد، ومزايا أخرى من خزينة تعاني من عجز مالي وثقل المديونية الخارجية.

إن غياب العدد الباقي من المستشارين، له تفسير واحد، وهو أنهم يرفضون رفضا قاطعا التصويت على تلك المادة، ولكنهم لا يتحلون بالشجاعة للتعبير عن موقفهم بكل صراحة.

يفهم مما جاء في الصفحة الأولى، ومع حلول شهر يناير 2020، أي تاريخ العمل بهذا القانون، أنه أمام كل دائن يتوفر على حكم نهائي يتعلق بكون الدولة أو الجماعات الترابية ومجموعاتها مدينة بالمبلغ المحكوم به، أن يبادر ذلك الدائن خلال الأيام الباقية للقيام بمسطرة الحجز ضمانا لاستيفاء دينه من الجهة المحكوم عليها.

وسبق أن قلنا في عدة مناسبات أن أغلب القوانين المغربية لا تصدر ومعها المذكرة الإيضاحية أو المذكرة التفسيرية، وأنه يصعب جدا الاطلاع على مناقشات مشاريع القوانين وهي قيد الدراسة في لجنة من لجان البرلمان، أو الاطلاع على تلك المناقشات التي دارت في الجلسات العمومية، لأن نشرها في الجريدة الرسمية يأتي متأخرا، وبعد صدور القانون ودخوله حيز التنفيذ بعدة شهور أو أعوام.

ومعلوم أنه من خلال الاطلاع على الأعمال التحضيرية، يمكن معرفة موقف المشرع والقصد الذي يرمي إليه من وراء سن مادة من مواد القانون.

أعتقد أن قوانين المالية السابقة لم تشهد المناقشات والندوات، وغيرهما، مثل ما حدث لمشروع قانون المالية لسنة 2020، بسبب هذه المادة العجيبة والغريبة (المادة 9)، وحتى المادة الغامضة وأعني بها المادة 8 المكررة، التي تطرقت بشكل محتشم للاعتداء المادي على العقارات، وإلى نزع الملكية لأجل المنفعة العامة.

يفهم أيضا من الفقرة الأخيرة من المادة 9، أن الحكم النهائي الحائز لقوة الشيء المقضي به يمكن أن تستغرق مسطرة تنفيذه مدة أربع سنوات دون أن يتخذ الدائن أي إجراء يضمن به استيفاء دينه، ويمنع عليه توقيع أي نوع من الحجوزات على أموال وممتلكات الدولة والجماعات الترابية ومجموعاتها.

وقانون المسطرة المدنية ذكر أنواع الحجوزات، وهي الحجز التحفظي والحجز لدى الغير، والحجز الارتهاني، والحجز الاستحقاقي.

والمطالبة بالديون تعتبر منازعاتها منازعات حول حق شخصي، وتلك المادة سكتت عن المنازعات المتعلقة بالحق العيني، لذلك، إذا كان النزاع يتعلق بنزع الملكية، فهو نزاع ينصب على حق عيني، وبالتالي، يمكن الحجز على أموال الدولة والجماعات الترابية ومجموعاتها إذا وقع ضرر بسبب الاعتداء المادي أو تقاعس نازع الملكية على أداء التعويض العادل مقابل نزع ملكيته.  

وقد ذكرت بعض الصحف الوطنية أن باب مناقشة المادة 9 قد أقفل، لأن تلك المادة وغيرها أصبحت ملزمة وتطبيقها واجب لأنها نشرت في الجريدة الرسمية، لكننا نقول: إن باب المناقشة لم يقفل، ولن تغلق أبواب المناقشة إلا بعد أن تتخلص الترسانة التشريعية من المادة 9، وستفتح أبواب أخرى، وسيتضح منها أن تطبيق المادة 8 المكررة والمادة 9، سيفرزان مضاعفات وصعوبات ومنازعات، وسينعكس أثر تطبيقهما على الاستثمارات، سواء بالنسبة للمستثمرين المغاربة أو المستثمرين الأجانب.

يخيل إلي أننا ندور في حلقة مفرغة، فقبل صدور هذه المادة، عقد بمدينة مراكش مؤتمر تحت شعار “العدالة والاستثمار”.. فكيف تتحق العدالة لأي مستثمر إذا احترم التزاماته في صفقة عمومية، ولما طالب بمستحقاته وجد صعوبات، واضطر إلى طرق أبواب المحكمة، وبعد مسطرة طويلة، يصدر حكم لصالحه، لكنه لا ينفذ بكامله إلا بعد أربع سنوات؟

وجاء في الأخبار المتلفزة أن مناظرة وطنية أولى تتعلق بالجهوية المتقدمة والدعوة إلى تحسين المناخ الملائم للاستثمار، عقدت في بلادنا مؤخرا، فكيف يمكن تحسين هذا المناخ والمستثمر يعلم و معه خبراء، أن ديونه إذا تراكمت على الدولة أو الجماعات الترابية ومجموعاتها، فلن تنفذ إلا بعد أربع سنوات، ولا يمكن لهذا المستثمر أن يتخذ أي إجراء تحفظي لضمان اقتضاء ديونه، فلا شك أن هذا المستثمر سيعلن عن إيقاف نشاطه الاستثماري، ويغلق مصانعه ويصبح العمال في عداد العاطلين، كما أن خزينة الدولة ستفقد موردا من مواردها المالية.

وربما تعلن الدولة خلال سنة 2020، وما بعدها، عن صفقات عمومية تتعلق مثلا ببناء مدارس أو مستشفيات أو جسور أو طرقات، وستلاحظ أن المقاولين سيحجمون ويمتنعون عن المشاركة في السمسرة المتعلقة بتلك الصفقات.

كما أن تطبيق هذه المادة سينعكس على حركة الاقتراض من البنوك والمؤسسات المالية، ما دام المدين للبنك لن يتوصل بمستحقاته إلا بعد أربع سنوات، ولن يستطيع سداد أقساط الديون للبنك وقد حل أجل أدائها.

ولن نشير إلى سمعة الأحكام القضائية التي تصدر عن المحاكم المغربية وهيبتها، كونها ستبقى حبرا على ورق مدة أربع سنوات.

ونلاحظ أن الحكومة اللاحقة تلغي ما قررته الحكومة السابقة، وذلك الإلغاء يمس مكتسبات كافح الجميع من أجل الحصول عليها، ومثال ذلك أن حكومة عبد الرحمان اليوسفي خلال ممارستها لنشاطها الحكومي، أصدرت منشورا يحث جميع الإدارات، وبدون استثناء، على تنفيذ الأحكام حفاظا على هيبتها، وتلك الأحكام صدرت باسم جلالة الملك وباسم القانون، ولا يمكن عرقلة تنفيذها ولو أدى ذلك إلى إفلاس جماعة ترابية وما يتبعها؟

ويحكى أن رئيس وزراء بريطانيا، تشيرشل، كان قد وافق على إفراغ قاعدة عسكرية للطيران تنفيذا لحكم صدر بإفراغ تلك القاعدة العسكرية.

أما المادة 8 المكررة فهي الأخرى أفدح من سابقتها، فهي تدين الدولة والجماعات الترابية ومجموعاتها بالاعتداء المادي على عقارات الغير مع أنه يكفي المغرب ما يعانيه من مافيات العقارات التي استفحلت جرائمها وانكب المسؤولون، كل واحد من موقعه، لقمع هذه الظاهرة واستئصال جذورها.

تقول هذه المادة: إنه لا يمكن للآمر بالصرف، أو من يقوم مقامه في إطار الاعتمادات المفتوحة بالميزانية العامة وبميزانيات الجماعات الترابية ومجموعاتها، أن يلتزم بأي نفقة أو إصدار الأمر بتنفيذها لإنجاز مشاريع استثمارية على العقارات أو الحقوق العينية بالاعتداء المادي ودون استنفاذ المسطرة القانونية لنزع الملكية لأجل المنفعة العامة وبالاحتلال المؤقت، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.81.254 بتاريخ 11 رجب 1402 (6 ماي 1982).

الإشكالية في هذه المادة، في نظرنا، أنها أشارت إلى المشاريع الاستثمارية بصفة عامة، وتلك المشاريع تهم القطاع السياحي، والفلاحي، والتجاري، والصناعة التقليدية، والقطاع البحري، ولكن ما هو الحكم عند وقوع اعتداء مادي على عقار من طرف الدولة أو الجماعات الترابية ومجموعاتها وكان الأمر يتعلق ببناء مرفق عمومي؟ هل الآمر بالصرف سيمتنع من تنفيذ حكم قضى بالتعويض لمن وقع الاعتداء المادي على عقاره، حتى تنتهي مسطرة نزع الملكية بجميع مراحلها والتي تستغرق ما لا يقل عن عشر سنوات؟ ثم إن الآمر بالصرف إذا تعددت أمامه طلبات التنفيذ، كيف سيتصرف حيالها؟

إن النفس أمارة بالسوء، وسيصبح التنفيذ مسألة مزاجية، والأولوية لمن قدم وأعطى، والويل لمن تأخر وأبى.

أذكر بما جاء في رسالة عمر بن الخطاب التي وجهها لأبي موسى الأشعري لما بعثه قاضيا إلى اليمن، وجاء فيها: لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له.

ما دام القانون منح للآمر بالصرف أن يمتنع عن تنفيذ الأحكام وأصبحت له هذه السلطة، فما هو ترتيبه في لائحة البروتوكول الرسمي؟ وبجانب من يجلس عند حضوره في الاحتفالات الرسمية؟ وأين يقف عند استقبال كبار الزوار للبلاد؟ وكيف سيقدمه المكلف بالتشريفات للضيف الزائر؟ لا شك أنه سيقدمه ويقول لذلك الزائر: أقدم لكم سيدي الشخصية التي كلفها قانون المالية بالامتناع عن تنفيذ الأحكام القضائية التي تصدر من محاكمنا باسم جلالة الملك وباسم القانون، فمرحبا بكم في دولة الحق والقانون. 

* من هيئة المحامين بالرباط

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box