في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | قصة رئيس أخطر جهاز في الدولة

يواصل الراحل مصطفى العلوي التزامه مع قرائه رغم وفاته، فقد كان الراحل حريصا على ترتيب مواعيده مع قرائه من خلال كتابة ما يجب أن يكتب، في انتظار نشره، بل إن طاقم “الأسبوع”، بعد التنقيب في خزانة الفقيد، عثر على مقالات وقصص وروايات واقعية مكتوبة بخطه، ولم تنشر من قبل، سنعمل على نشرها وفاء لروح أستاذنا مصطفى العلوي في ركن “الحقيقة الضائعة”، حيث يحكي الراحل مصطفى العلوي في هذا العدد، قصة واقعية عن رئيس أخطر جهاز في الدولة في زمن الملك الحسن الثاني(..).

————–

 

بقلم. مصطفى العلوي

كان المدير الكبير جالسا في مكتبه الذي يسير منه أخطر مهمة في البلاد، حينما رن جرس الهاتف المباشر، وهو الرقم الذي لا يعطى عادة في البلد السعيد، إلا للرؤساء المباشرين أو للخليلات.

وكان المتكلم على الطرف الآخر للخط صوت مبحوح كأنه صوت الثور المذبوح، لا يكاد السامع يفهم ما يخرج بين البحة والأخرى من معان وكلمات.

“السي أحمد” قال الصوت المبحوح ((إني أريد رؤيتك في مكتبي.. فهل لك مانع)) “لا أبدا” أجاب صوت المدير الخطير، ولكن ما بين سؤال صاحب الصوت المبحوح، وجواب المدير الكبير، سرت بين اللحظات الفارغة من المكالمة القصيرة الكلمات، والطويلة المعاني، تموجات من المعاني لم يكن الواحد من المتكاملين معها قادرا أن يوقف نبضات قلبه من الخفقان السريع.. كذلك كان قلب صاحب الصوت المبحوح ينبض بسرعة، لم تكن هزاتها تصل إلى سماعة الهاتف.

لقد أصبح الناس في البلد السعيد يعيشون، كبارا وصغارا، على أعصاب متوترة، تنبض بالعداوة المتنامية بين كل العناصر المتحركة.. أنا عدوك وأنت عدوي.. وكلما سنحت الفرصة للأقوى أن يطعن في أعماق الواقف أمامه أو العامل بجنبه، إلا وسارع إلى الضرب بعنف، ضربا ليس من الضروري أن يكون ماديا.. فإن أخطر أصناف الطعن هو الطعن المعنوي.. حيث أصبح معروفا أن كثيرا من القرارات المكتوبة، قتلت المتوصلين بها.. والنماذج كثيرة لرجال ماتوا مقتولين بدون جرح ولا دم.. ولا رصاص ولا اصطدام، وإنما بمجرد قرار مكتوب من رئيس إدارة، أو رجل سلطة، أو حكم محكمة، أو محضر شرطة أو مدير ضريبة.

بينما لا يفلت من الخطر المحقق لبعض القرارات السفاكة، إلا من له قلب قوي وإيمان بالقضاء والقدر أقوى، أما من كان بين بين، فإن القرار الموجه إليه يهزه داخليا.. فتتزعزع معنوياته ويصيبه الإسهال ويهجره النوم.. إلى أن يكتشف وهو خارج من مكتب طبيبه أنه أصيب بارتفاع في ضغط الدم، أو حرقة في المعدة، أو إصابة بالسكري.. وكلها على أية حال، طرق مؤدية إلى الموت، مثل الطرق التي تؤدي كلها إلى روما.

ومثلما لمح العرب الأول، والمستعربة القساة، والأعراب الأشد كفرا ونفاقا إلى أن “تقليب المواجع” كان أكثر إيلاما من الضرب بالسيف، و”ظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند”، فإن صاحب الصوت المبحوح كان يفرغ دون وجود كأس، حقده في تموجات الهاتف، وإن كانت عملية الإفراغ، كعملية الولادة لا تمر بدون اهتزاز داخلي، فإن صاحب الصوت المبحوح، كان وهو يستدعي المدير الكبير لمكتبه، إنما يرد على مكالمة كانت سابقة بين الرجلين منذ عدة أسابيع، حينما كان صاحب الصوت المبحوح، قد عزم على توجيه ضربته للمدير العاق قبل الأوان، فكان أن كلمه في المكتب هاتفيا وقال له: ((أود أن تأتي عندي في البيت لشيء هام، فأجابه المدير الجامعي(…): لست خادما في البيت لأذهب عندك لتلقي الأوامر.. ولكني مستعد لأن أحضر عندك في المكتب)).

كان هذا التمرد هو الذي عجل بسلسلة قرارات لم يكن هناك مبرر للتعجيل بها، في بلد لا يعرف للتغيير معنى.. حيث أن الداخل لسوق السلطة منسي إلى أن يتذكره عزرائيل.. في أغلب الحالات.

هذه المرة كانت الدعوة للمكتب، حيث استجاب المدير العاق وطلع لمكتب الوزير بالوزارة.. حيث الكراسي مثقوبة رغم جدتها وجلدتها، من كثر ما جلس عليها من منتظرين، ومفاوضين وجواسيس ومخبرين.

كان المدير الكبير جالسا في قاعة الانتظار، وهو يظهر صغيرا في أنظار شواش الوزارة الذين كانوا يتهامسون وكأنهم على علم بالقرار الذي سيتم تبليغه للمدير الكبير.

ولكن التساؤلات كانت تترى، تتدحرج من ذاكرة المدير على زجاجات نظارتيه المخصصة للرؤيا.. فتسدل أمام عينيه سيولا من الذكريات التي مرت خلال سنتين ونيف فقط على تعيينه، من أيام هذا الزمان الذي تتسربل فيه الأحداث تسربل الدم على قميص المعدوم بالرصاص.

منذ أقل من ثلاث سنوات، كان المدير المستعرض لذكرياته هو الشوشو المخنث للوزير الكبير.. حينما كان هذا الوزير يتباهى بأن الخريجين الجامعيين يتلاعبون حول مجالسه الخاصة، وفي باحة بيته، مثلما تتلاعب القطط الصغيرة حول أمهم، وكان السي أحمد هذا موظفا إقليميا يكاد صوت سيده لا يفارق أسماعه بالهاتف النقال، ليلا ونهارا.. وكان الود والحب بين الرجلين يثير غيرة الناس إلى أن أعلن في الإذاعة ذات يوم أن الصديق العزيز، تسلم إدارة أخطر هيأة في البلاد، ليكون إذن صديقه الوزير وأنفه وعينه إن لم يكن رمشه أو نبضه.. قد وضعه على رأس إدارة تعز بتقاريرها من تشاء وتذل من تشاء..

وما إن سخن مقعد المدير الكبير تحت جسمه النحيل، حتى أخذ يشعر ببعض العزة.. وعزة النفوذ.. عندما تخالط دم صاحب النفوذ، تنسيه في بعض اللحظات حقيقته، خصوصا عندما يكتشف أن مستواه أعلى من مستوى الذي رشحه لذلك المنصب، فيشرع في شق طريقه لمستقبل أحسن وأعلى، عبر تقارير سرية، أو مهام خاصة، أو ظروف سانحة.

وكانت هذه الأفكار المتسربلة أمام نظارات المدير المنتظر، تنسيه الزمن الذي يضيعه وهو في قاعة الانتظار.. فيعود للغطس في ماضيه القريب، ولكنه أحس هذه المرة بمغص في وسط جوفه، عندما تذكر تفاصيل تلك الحادثة التي كانت سبب القطيعة بينه وبين رئيسه المباشر صاحب الصوت المبحوح.

وتذكر ذلك اليوم الذي أمضى فيه قرار توقيف مسؤول إقليمي تابع له، ربما لم تكن له – في نظره – إمكانيات لتحمل المهام الموكلة إليه.. وربما كان ذلك المساعد الإقليمي يستلم نفوذه من جهة أخرى، فقرر توقيفه دون استشارة أحد.

لم يكن المدير الجالس في قاعة الانتظار، يتصور أنه بقرار توقيفه لمساعده الإقليمي، قد مس الهيكل الكبير، فقد كان المساعد الإقليمي أكثر قرابة لصاحب الصوت المبحوح، منه هو.. وكان يجهل أن كل مسؤول مهما ضعف مستواه في هذا البلد له ارتباطات سرية مع النفوذ، يسري تيارها عبر خيوط غير مرئية، فتجد شواشا أقوى من مديري الدواوين.

وكان المدير المنتظر يجهل أن القاسم(…) المشترك، بينه وبين رئيسه الوزير، قد انفصم بذلك التوقيف.. فاستمر في ممارسة مهامه وهو يتصور فعلا أنه مدير كبير ومسؤول عن إدارة هو صاحب الأمر والنهي فيها، فقرر يوما أن يعرض أحد العاملين في إدارته على المجلس التأديبي بتهمة أن ذلك الموظف يرفع تقارير مباشرة إلى أجهزة أخرى موازية لجهازه، فقرر المجلس التأديبي توقيف الموظف الصغير وقطع رزقه(…) الشيء الذي دفع هذا الموظف الموقوف إلى رفع دعوى أمام المحكمة الإدارية، التي استدعت المدير الكبير للإدلاء بالأسباب التي دعته إلى توقيف موظف قضى ثلاثين عاما في مهمته، إلا أن المدير، الجالس في قاعة الانتظار، كتب إلى المحكمة بخط يده رسالة يخبر فيها رئيس المحكمة، بأنه أمر بتوقيف الموظف لأنه يكتب تقارير سرية إلى الوزير، وإلى أجهزته.

ربما إذن كان استدعاؤه من طرف الوزير للمحادثة معه في هذا الموضوع، خصوصا وأن المحكمة حكمت بإرجاع الموظف إلى منصبه.

وكادت أحداث أخرى أن تتراص أمام ذاكرة المدير المنتظر، لولا أن أحد شواش الوزير وقف أمامه ليخرجه من هواجسه، ويقول له: تكلم لمعالي الوزير.

ودخل المدير الكبير على الوزير الأكبر، في مكتب يكاد ضوءه أن يغشي الأبصار، لولا أن يد الوزير المصافحة جرته للجلوس، وسمع عبارات المجاملة والسؤال عن الأحوال، متبوعة بكلام صاحب الصوت المبحوح: ((أعتقد أني استدعيتك هذه المرة للمكتب.. ولم أستدعك للبيت)) وقبل أن يجيب المدير، عاجله الوزير بصوت فقد بحته وسرحته نشوة الانتصار: ((لقد استدعيتك لأخبرك بأن مهمتك انتهت)).

وعاجل المدير في رده: ((ولكني معين بـ..))، وقبل أن يتم كلمته قاطعه الوزير: ((ومساء اليوم تم تعيين خلف لك بظهير)).

وسأل المدير: هل أستطيع أن أعرف من سيخلفني؟ فأجابه الوزير: ماشي شغلك.. ستسمعه في الإذاعة.

ولم يسمع المدير في الإذاعة اسم خلفه فقط.. بل إنه سمع أيضا أن مرؤوسه الذي سبق أن أوقفه لحكمه عليه بأنه لا يستحق منصبه، قد عين في نفس اليوم في منصب عالي، وبالضبط في المنصب الذي كان يحتله المدير الكبير قبل أن يصبح رئيسا لأخطر جهاز في الدولة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box