في الأكشاك هذا الأسبوع

حينما غابت التربية في هذه المؤسسات!!

عثمان محمود. الأسبوع

كاد الجنوح أن يكون سمة تميز سلوكات اليافع من الأبناء والبنات هذه الأيام، وإن اختلفت درجة حدته من ابن إلى آخر، فهو عند البعض إقبال على الأزياء والملابس بألوانها الصارخة، وكذا قصات الشعر اللافتة للأنظار، والحاملة لكل مميزات التحدي، وعند آخرين ميل واضح إلى التمرد، سواء من خلال الكلام العاصف، والحركات الهوجاء، أو الانضباط للتوجيهات، والإرشادات، ولا نقول الأوامر، وعند فئة ثالثة، هو انغماس جنوني في مهالك كل أصناف المخدرات، والمسكرات، ولا ننسى هنا العنف الذي غدا يطبع المشاجرات على أتفه الأسباب، وما ذاك الذي يواكب، ويعقب إجراء بعض مباريات كرة القدم على الخصوص، إلا نموذج من نماذجه، ومهما تعددت التبريرات والتعليلات لهاتيك الظاهرة المستفحلة، فإنها تلتقي لا محالة عند مسألة غياب التربية الفعالة والمسؤولة التي طالما رعت النشء، ووجهته الوجهة السليمة قصد بلوغ مرحلة النضج بسلام. فالتربية غابت بالفعل داخل الأسرة، فور الانتشار الواسع للقنوات الفضائية وما راحت تبثه من مسلسلات ذات الحمولات المتعددة التي يصعب مواجهتها، والحد من تأثيرها، حتى إذا بلغ تأثير تلك الفضائيات أوجه، فتحت الأبواب مشرعة في وجه وسائل التواصل الاجتماعي في ظل الثورة الرقمية التي شهدها ويشهدها العالم، فاجتاحت الهواتف البيوتات، ووجدت لها مكانا مريحا بين أيدي الصغار قبل الكبار، وتدفق سيل الصورة اللامتوقف على الشاشات الصغيرة الأخاذة، ودخل الأصدقاء الافتراضيون من كل حدب وصوب أبهاء المنازل بدون استئذان، وفي معيتهم بات الأبناء والبنات يقضون الساعات الطوال في تواصل دائم، فصار، والحال هكذا، من الصعب توجيه وإرشاد الآباء والأمهات لفلذات أكبادهم نحو الأفضل والأحسن، أما داخل المدرسة، فقد توارت التربية فاسحة المجال أمام التعليم الذي تم التركيز عليه التركيز الكلي، فأضحى الهدف الذي تبغي المنظومة المدرسية بلوغه، فتكاثفت الجهود، وتواصلت المساعي من أجل التحصيل، ولا شيء غيره، قصد اجتياز الامتحانات، والظفر بأعلى المعدلات، ولتحقيق البغية كاملة، تنوعت دروس الدعم، بالليل والنهار.

وفي أجواء شبيهة بهاته، لم يعد هناك ذكر للتربية، أو التفكير في تفعيلها داخل الفصول الدراسية، الأمر الذي جعل الكثير من المؤسسات التعليمية مسرحا على خشبته تعرض كل أصناف الجنوح الميال إلى العنف، والتمرد الذي لا تصدق حدته وشططه!! وفي موازاة مع انحصار التربية داخل الأسرة والمدرسة، تلاشى المجهود الجبار الذي كانت تبذله دور الشباب وسط الأحياء، وهي تملأ أوقات فراغ الأطفال واليافعين، وتتعهد مواهبهم بعد اكتشافها، والعمل على صقلها، وفي ذلك تجنيب أكيد لهم من الوقوع في مستنقعات الانحراف الآسنة، لا من خلال ملء أوقات فراغهم فحسب، بل من خلال تربية أذواقهم الفنية أثناء تلقيهم للأعمال الإبداعية على اختلاف أنواعها، وزرع الروح الرياضية في أعماقهم أثناء تنظيم الدوريات التنافسية الناجحة في أوقات معلومة، كثيرا ما شدت انتباه اللاعبين، والمشجعين على حد سواء، فكانت الفرجة حاضرة، والتنافس الشريف ممثلا، والرابح الكبير هم المنخرطون في دور الشباب، وقد نأت بهم عن الشاذ من السلوكات، وهيأتهم لخوض غمار الحياة بسلام، ومن سلك منهم الدرب الفني، فقد وصل درجة العطاء والإبداع، والنماذج في هذا الباب أكثر من أن تحصى.. فهل من طرق فعالة لإعادة التربية في مفهومها الواسع والشامل إلى رحاب الأسرة، والمدرسة، ودار الشباب؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box