في الأكشاك هذا الأسبوع

خاص | وداعا عزيزي مصطفى وإلى اللقاء في دار البقاء

بقلم: الحسين الدراجي

رن هاتفي المحمول فسارعت إلى الإنصات فإذا بي أسمع صوت ولدي وقد طغت عليه نبرات الحزن والهلع، يقول لي رحم الله صديقك مصطفى العلوي، فسألته من أين جاء بالخبر، فرد علي أن وسائل التواصل الاجتماعي وعلى رأسها “فيسبوك” قد أذاعت الخبر، فارتابني الشك واتصلت فورا بالفقيد على هاتفه، فظل يرن، وكلما طالت مدة الرنين ازددت أملا أن صديقي لا زال حيا، ولكني سمعت في آخر المطاف سيدة تجيبني ولم تسمح لي حتى بطرح السؤال قائلة: نعم يا سيدي، الخبر صحيح، رحم الله مولاي مصطفى العلوي، فتعطل الكلام في حنجرتي من شدة الصدمة، وأخذت أردد بكلمات متقطعة “لا حول ولا قوة إلا بالله.. إنا لله وإنا إليه راجعون”، فاستحضرت الدعاء الذي لجأ إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، عندما فقد أعز الناس إليه، سيدتنا خديجة رضي الله عنها، حيث قال: ((اللهم أجرني في مصيبتي وعوضني بأحسن منها)).
ولقد تعرفت على الفقيد في ظروف صعبة، حينما كان يصدر أسبوعية “الكواليس” التي نشرت مقالا بالصفحة الأولى وبالبند العريض، خبرا تحت عنوان: “الكاتب العام لجمعية ثقافية يهرب الأموال إلى الخارج”، وهي مؤامرة دبرها أناس كانوا يومئذ يتقلدون مناصب سامية، بهدف تلويث سمعتي وتنحيتي من مسؤوليتي بهاته الجمعية، وقد سبق أن شرحت للقراء الأعزاء تفاصيل هذه المرحلة من حياتي، ولما انتهت المأساة، اتضح أن التهمة الموجهة إلي كانت ملفقة، واعترفت المحكمة ببراءتي، وسارعت إلى زيارة الأخ مصطفى العلوي في مكتبه لأشرح له خلفيات وخبايا تلك المؤامرة، فنهض من كرسيه وأخذني بالحضن وقال لي: “أرجوك أخي الحسين أن تعتبر جريدة الكواليس منبرا ستكون إن شاء الله عضوا في هيأة تحريره”، ومن يومها، يعني منذ ما لا يقل عن 30 سنة، التزمت بكتابة مقالات كنت أبوبها بعنوان “الإصلاح والتصحيح”، ثم اخترت التاج الذي أرصع به اليوم ركن “حتى لا يبقى الشعب في دار غفلون”.
اخترت للتعبير عن حزني بسبب هذه الرزية، رثاء الشاعرة العربية الخنساء لأخيها صخر، حيث قالت:
أعيني جودا ولا تجمدا
ألا تبكيان لصخر الندى؟
ألا تبكيان الجريء الجميل
ألا تبكيان الفتى السيد؟
والواقع، أن الأخ مصطفى العلوي كان سيدا في جميع معاملاته، سيدا في اختيار مواضيعه، سيدا في فضح الفساد في جميع المجالات، سيدا في اقتحام الطابوهات والخطوط الحمراء التي قل ما كان غيره يقترب منها.
فقد صمد في وجه أعتى المسؤولين مثل مدير الديوان الملكي محمد رضى كديرة ووزير الداخلية الأسبق إدريس البصري، الأمر الذي أدى به إلى الاعتقال والمحاكمة والسجن، ولا أنسى يوم حضرت إحدى جلسات محاكمته وهو يقف في قفص الاتهام وقد أنهكه المرض والظروف السجنية، ولم أشعر إلا وأنا أجهش بالبكاء، فحاولت أن أقترب منه لأحضنه لولا أن أحد رجال الشرطة منعني من ذلك.
كل هذه المضايقات، وهذه المآسي، لم تزد صاحب “الحقيقة الضائعة” إلا صمودا وثباتا على المبدإ، والأخ مصطفى رحمه الله لم يكن صحفيا فقط، بل كان مؤرخا يغوص في بحور التاريخ، ليخرج منها صدفات لم نكن نعرفها، كما أنه كان يغامر بأمنه وحياته ليقوم بتحقيقات ميدانية رغبة منه في التأكد من مصداقية الخبر، حيث غطى حرب الجولان في سوريا، وحرب أكتوبر في سيناء، وفي الحدود المغربية الموريتانية.
حبه للصحافة لم يكن له حدود، فهو مدرسة قائمة الذات، أسلوبه في الكتابة من السهل الممتنع، تفهمه جميع طبقات الشعب، كانت له خاصية لا يدركها إلا الذين تعودوا على قراءة كتاباته، فقد كان يستعمل ما يسمى بالفرنسية “LITOTE”، يعني إدراك ما بين السطور والتعمق وفهم الكلمات، سواء عن طريق التلميح أو التصريح.. فمن تعودوا على قراءة حقائقه، يصبحوا مدمنين عليها وينتظرون بشغف يوم الخميس للاستمتاع بما تجود به قريحة هذا الصحفي الفذ.
ومما لا يعلمه القراء، وهنا أبوح بسر كنت أظن أنني سأحتفظ به لنفسي، هو أن الملك المرحوم الحسن الثاني، كان يختلي به خلسة وبعيدا عن الأنظار، ليستشير معه في بعض الأمور، لأنه رحمه الله كان خزانا للتحليلات السياسية الصائبة المبنية على بعد النظر والتخمين البراغماتي، لم يسبق له أن أشار إلى هذه الحظوة التي كان يمتاز بها، نظرا لتواضعه وابتعاده عن الشهرة والتفاخر، فليسمح لي رحمه الله إذا أفصحت عن هذا السر المكنون الذي يعتبر من الحقائق المغمورة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box