الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | “الويل والثبور لمن احتمى بالباسبور”

بقلم: مصطفى العلوي

يكاد الدرس الأخير، الذي أوحى به الملك محمد السادس هذه الأيام، باختيار السفير المغربي في باريس، بنموسى شكيب، لتأسيس المجلس الجديد للتنمية، أن يعود بنا إلى مراجعة ماضي المغرب، ليلة إمضاء الحماية سنة 1912، عندما كان رد فعل الطبقة الواعية مخلدا في تاريخ المغرب بطريقة أكثر جدية، عبر إصدار كبار العلماء لعدة كتب لازالت تملأ رفوف خزائننا، من قبيل علماء كانوا يخشون كل تحرك يأتي من خارج حدود المغرب(…)، مثل كتاب الفقيه المنوني: “يقظة المغرب” في جزئين، وكتاب أكثر عنفا للفقيه أبو الحسن الفاسي، الذي صدر بعنوان: “إيقاظ السكارى المحتمين بالنصارى”، وكتاب أكثر عنفا ضد هذا الإصلاح القادم من فرنسا، بعنوان: “الويل والثبور لمن احتمى بالباسبور” من تأليف الحاج العربي المشرفي، والذي ألف كتابا ثانيا بعنوان: “الرسالة عن أهل الباسبور الحثالة”، وكتاب آخر للفقيه محمد السباعي المراكشي بعنوان: “كشف النور عن حقيقة كفر أهل الباسبور” الذي صدر سنة 1914، بعد إمضاء عقد الحماية بسنتين، وكتابين لم يظهر الكتاب الأول الذي صدر بعنوان: “عش الزنابير”، والثاني الذي صدر بعنوان: “الحكان على الدبرة”، وأغلب هذه الكتب كانت كرد فعل على الهجمة الإصلاحية الثقافية القادمة من فرنسا. وإن كنا أكثر من مائة عام من بعد لا ندري علاقة تلك الكتب وتطابقها أو تقاربها مع المهمة الجديدة للسي بنموسى، والتي لم تصدر في شأنها كتب كما حصل في الماضي، وإنما يتم الاكتفاء بوجهة نظر عالم مغربي، يسمى عبد الإله بن كيران(…) بعد الضجة التي أثارتها الرغبة الإصلاحية التي خلدها الباحث عبد الله العروي، وهو يعلق على هذه الأحداث كما أوردها الباحث الفرنسي، أندري جوليان، الذي يكتب عنه العروي ((أنتم حائرون بين ثقافتين)) ويؤكد: ((انفصلتم عن الشعب، فلم تعودوا تعرفون ماذا تريدون بالضبط)).   

بل إن العروي يكتب عن جوليان: ((إن السلطان محمد الخامس – في هذا الخضم- كان يائسا في الوقت الذي دفعه شعبه إلى درجة بطل أسطوري)).

ومع كبير الاحترام للمبادرة الملكية الحالية، بتكليف رجل ثقته، بنموسى، بتأليف مجلس تغلب اللغة الفرنسية على ثقافة أعضائه ((وينقصهم التأثير الديني)) كما يقول عنها عبد الإله بن كيران، فإن مبادرة بنموسى ستكون إيجابية بالنسبة للحاضر المغربي الفارغ حسا ومعنى، من كل عناصر التوجيه الحزبي أو السياسي، وها هي الأحزاب المغربية أصبحت أقل من نوادي للنقاش، وأصغر من أن تستوعب الصيغة الحقيقية لطريقة إخراج المغرب من مساحة الفراغ، فأحرى استكناه ردة فعل على وزن حشد العلماء المغاربة الذين ألفوا الكتب في ذلك الزمان، للتعبير عن وجهة نظرهم.

ليبقى هذا الفراغ المقارن مع الجانبين، عنوانا ضخما لحكمة الفراغ، والضعف الذي يسبب الثورة، وها هي المراجعة السطحية لماضي المغرب في ذلك الزمان، تكشف، كما خلدت ذلك كل الكتب والمكتوبات، أن سلطان ذلك الزمان، المولى يوسف، كان ينتمي لطائفة درقاوة، بينما الرجل القوي في عهده، الكلاوي، كان ينتمي للطائفة التيجانية، ورجله القوي في فاس، البغدادي، كان ينتمي للطائفة الوزانية.

كل رجل قوي كان ينتمي لطائفة تحميه كما كتب المارشال اليوطي: ((قل لي طريقتك أقول لك من أنت، هل مع حمادشة أو هداوة أو عيساوة…)) (كتاب ليوطي والمؤسسات).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق