في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف الأسبوع | بين آخر شهادة حية عن الحسن الثاني والمهدي بنبركة وأوفقير..

إعداد: عبد الحميد العوني

صحافي أحب شهادته أن تكون فوق الجبال، وأن ينتقل إلى تاونات بالقطار، حميد برادة (شهير تي. في 5 وجون أفريك)، يجمع أجيالا وتنقسم نفسه الواحدة شطرين، سعيا لحل لغز جريمتين: قتل والده في “دار بريشة” محسوبا على حزب الشورى والاستقلال، وقتل المهدي بنبركة، الجريمة التي أرادها الجميع أن تبقى لغزا كما قال رئيس الجلسة، القاضي بيريز، في محاكمة القتلة، رافعا يديه إلى السماء: “أنا مشمئز لأننا لن نعرف أبدا الحقيقة”، بعد أن قدم الدليمي، رئيس قسم العمليات الخاصة في المخابرات المغربية ليقول “لا شيء”، تقول وثيقة معتمدة من المخابرات الأمريكية تحت التصنيف “75 أر. دي. بي 00149” عن مراسل “نيويورك تايمز” بيتر برايستروب، حيث حوصرت القضية بـ”شرف فرنسا” و”سر الدولة” من طرف القادة، و”السر المهني” من طرف كبار الضباط.                                                                                                                لكن الصحافيين لا ييأسون، فعلى مائدة العشاء، وفي جمعة ممطرة وباردة في مدينة تاونات، بحث الصحافي المتقاعد من “جون أفريك”، عن ترجمة جملة شاعر فرنسي قدم بها مقاله لتأبين صديقه الحميم عبد الرحيم بوعبيد: “صلو لأجله لأنه غضب لأجلكم، أو أدعوا له فإنه دافع عنكم باستماتة”، قبل أن يكشف أمام الجمهور أن بوعبيد هو من حماه من الاعتقال، واستعان بالتنظيم السري لخروجه من الجزائر، ولا يزال إلى الآن غير راغب في نشر تفاصيل العملية كما لا يريد الآخرون نشر تفاصيل أخرى، بما يجعل الظلال تتحول إلى أشواك في الطريق إلى الحقيقة.

في آخر سؤال لـ”الأسبوع” لحميد برادة: “هل بوعبيد من التنظيم السري؟”، أجاب: “لا، لقد طلب من الصحافي باهي، المنتمي له، مساعدتي في الخروج إلى الجزائر، ووصلتها وأنا أحمل المسؤولية عن حرب 1963 للملك الراحل والملكية، بعيدا عن أي تنسيق مع المهدي بنبركة، وإن أنبني على ذكر الحسن الثاني بالاسم في معرض كلمة لي في ساحة كبيرة، وعندما تفحصت بيانه، لم يذكر فعلا أي جهة، ودعا إلى قطع اليد المدسوسة التي ورطت الجزائر والمغرب في حرب الرمال”.

وإن كان تقدير الحسن الثاني من طرف معارضيه متقدما، في ستينات القرن الماضي، فقد جاء متأخرا مع حميد برادة، ففي لحظة موت العاهل الراحل، وفي أول برنامج تلفزيوني فرنسي عن الفقيد، قدره واحترمه، مما استدعى اتصال إدريس البصري لتهنئته، وسبق أن رد الجواز الدبلوماسي الجزائري، ورفض استخدام الجواز السوري لعدم ثقته في البعثيين، وطلب مدير “جون أفريك” من السفير المغربي في فرنسا، بلعباس، الجواز المغربي، فلم يخيبه، لأن مقالات حميد برادة في “جون أفريك” كانت ممنوعة في الجزائر بسبب قضية الصحراء، وممنوعة في المغرب بسبب الملك، يقول حميد برادة: “كنت في طائرة سينغور  (الرئيس الأسبق للسنغال) وحطت ترانزيت بين باريس ودكار في الدار البيضاء، تقدمت بدون أوراق إلى الجمارك والشرطة المغربية فقالوا لي: أهلا بك في بلدك”، ويقول معلقا: “لقد وثقت بهم رغم أن حكم الإعدام لا يزال ساريا، لأن هناك خطوطا أعرفها لا يمكن للأجهزة أن تتجاوزها”، مما يظهر أن حميد برادة اعتمد على نفسه ولو بالمخاطرة بعد موت صديقه عبد الرحيم بوعبيد.

 حميد برادة لا يريد أن يتحدث عن والده وعن حزب الشورى

خارج صديقه الوزاني، الذي عمل في ضريح محمد الخامس، والقريب جدا من أسرار الشورى والاستقلال، لم يرغب حميد برادة في إعطاء أي توضيحات بعد تأكيد هيئة “الإنصاف والمصالحة” أن والده اختطف وقتل في “دار بريشة”، ربما ظل الوالد أقوى من غيره في استدعاء عاطفته، فيسكت، ويبدأ التاريخ بحديثه عن اليوسفي، في سفر ذكي ومتوازن نحو الجذور، عندما قال له برادة: ليس لديك لوبي أو مافيا أو حزب لتقود رئاسة الحكومة، فقال له عبد الرحمان اليوسفي: لي صديق واحد هو الحسن الثاني، ويعلق: لقد قال الملك الراحل له كل شيء، فقد ألححت عليه بشأن ما قاله عن المهدي بنبركة، لكن اليوسفي ظل صامتا، ولم ينف أبدا أنه سمع من الحسن الثاني، وبقليل من السفر إلى التاريخ يمكن الفهم.

فقد بدأت الثورة في الريف “الغربي” بدعم سوفياتي للشورى والاستقلال، وتواصل مع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ولذلك، فالأب برادة والابن حميد، خط واحد.

 في نظر “السي. آي. إي”، وطبقا لوثيقتها الموقعة في 13 دجنبر 1964 والمعاد تقييمها في 4 أبريل 1977 بعد التوترات المسلحة في المغرب، والتي جاءت تحت عنوان: “خطط مبدئية لثورة مسلحة في المغرب”(1)، فإن المساعدة الروسية كانت مباشرة للوطنيين في المغرب، وفي طنجة (بالحرف) حسب الفقرة 4، وفي الفقرات 2 و4 و5، وهناك سياسات من الوطنيين لخلق جبهة وطنية، طبقا للفقرات 2 و4 و5 والمرفوع عنها السرية في سنة 2009، ويتأكد من الفقرة “ألف”، أن أعضاء حزب الوحدة الوطنية في الحزام الإسباني شمال المغرب، ومن الريف الغربي تحديدا، والمدعوم من أعضاء “درقاوة”، يجمعون قطع السلاح الممكنة، والتقاط أسلحة إضافية من الإسبان، وأن سيدي أحمد بن الصديق الشريف، (رئيس درقاوة)، آمن بأن العمل المباشر والمسلح هو أحسن طريق لاستقلال المغرب، وقد تلقى تأشيرة للسفر إلى مصر من أجل لقاء المفتي الأكبر وجامعة الدول العربية.

وحسب الفقرة “ب”، فإن معظم هؤلاء الوطنيين، مجموعات بدائية تنطلق من الجبال لقطع شرايين الحياة الاقتصادية والتجارية.

ويشارك طبقا للفقرة “ج” في هذه الدعوة، الشيوعيون في المناطق الفرنسية، ويرغبون إلى جانب الشيوعيين الإسبان، في إسقاط فرانكو، وجرى تجميع الأسلحة والتغذية الكافية لخمسة شهور في الجبال التي لا تصلها الدبابات ولديها طائرات قليلة، وقد وقع حزبا الشورى والوحدة، اتفاقا بهذا الخصوص.

إن الاتفاق الرسمي بين حزبي الشورى والاستقلال والو حدة مع الشيوعيين في الدار البيضاء وفاس، تكشفه المخابرات الأمريكية، وهو ما يؤكد أن برادة الابن واصل تراث الأب، من خلال خط شيوعي ثوري تواصل بعد الاستقلال ضد الملكية.

عبد الله إبراهيم سبق المهدي بنبركة في تشكيل الحكومة بسبب “عدائه للأمريكيين”

قدم الوطنيون المغاربة (الشيوعيون والاشتراكيون) عبد الله إبراهيم لرئاسة الحكومة، لعدائه للأمريكيين وخصومته للحسن الثاني الذي أوقفه عن عمله، لأنه حاول طرد ضابط أمريكي في ديوان وزير الداخلية(2)، لأنه كان سكرتير الدولة المنتدب من مجلس الوزراء مكلف بالإعلام في حكومة البكاي الأولى، والتي رفض وفدها استمرار عمل الأمريكيين في أربع قواعد فوق الأراضي المغربية حسب اتفاق دجنبر 1950.

وحاولت واشنطن إسقاط حكومة عبد الله إبراهيم بعدما حكمت سنة و4 أشهر و27 يوما.

وقد حبك الحسن الثاني اللعبة، لأنه عوض شخصيا عبد الله إبراهيم، الذي لم يكن رئيس حكومة فقط، بل ووزير خارجية المملكة، مما أربك الحسابات مع واشنطن فأسقطته، ورأس الحكومة، مولاي الحسن (الحسن الثاني)، فمرر اتفاقا استثنائيا مع الأمريكيين، بشأن العمل في قواعدهم فوق الأراضي المغربية، وهو ما تكشفه الوثيقة الموقعة من طرف “السي. آي. إي” يوم 28 فبراير 1972، المرفوع عنها السرية في 6/3/2007(3) تحت عنوان “آفاق السي. آي. إي في المغرب” عقب انقلاب أوفقير.

وتتضمن هذه الوثيقة خلاصات مرقمة:

1) أن كل تحول في المغرب، عهد الحسن الثاني، سيكون عبر انقلاب، وسيعيد التفاوض حول الاتفاقيات مع الولايات المتحدة.

2) الحسن الثاني نجح، لأنه استطاع بمناوراته تشتيت وحدة الساسة المدنيين، ولعدم وجود قائد عسكري له شعبية تخلق التحدي، وتحول القصر إلى مفترق طرق للغنى، وبعد خمس سنوات من حالة الاستثناء، حاول الملك الراحل إعادة شرعنة نظامه بعد مجلس منتخب في 1970 لا يستطيع تحدي الملك وهو تحت سقف الدستور.

وتتحدث الوثيقة عن الأحزاب السياسية التي لا تعكس قناعة الشعب، وعمليا هي لم تدر الحكومة منذ السنوات الأولى للاستقلال، والتاج حرم العمل السياسي بشكل قاس، وتحالف الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية أضعف من مواجهة الملك، ويظهر أن “الاتحاد الوطني أكثر مرونة من رغبة الاستقلاليين في السيطرة على الساحة السياسية” كما جاء في الفقرة السادسة من التقرير السري، وحاول الاستقلاليون التركيز على “حرية العمل البرلماني” ولو تحت سقف دستور ممنوح، فيما الاتحاد الوطني ركز على الطبقة العاملة لتكون مستقلة.

وعلى الصعيد العسكري تقول الفقرة السابعة،

3) إن 60 ألف شخص في المؤسسة العسكرية يشكلون مفتاح القوة السياسية في المغرب، وقد كان “الضباط الكبار” الذين عملوا مع الفرنسيين، “ملكيين محافظين”.

ولم يتحرك العسكريون إلا بفعل “سيطرة الرشوة والفساد على النظام”، فظهرت مخططات للانقلاب في أوساط الضباط المتوسطي الرتب، والتحق الجنرالات بهم، فرفع الحسن الثاني من عقابه ضد “الضباط الصغار”.

والمؤسسة العسكرية التي قادت الانقلابات، مختلفة ومتمايزة عن باقي المؤسسات الرئيسية في المغرب، بفعل النسبة الكبيرة للبربر (الأمازيغ) في صفوف الجيش، و”الزواج بين عناصر بربرية وعربية لا يكتمل أبدا في هذا البلد”، حسب الوثيقة(4)، ولذلك كسر الحسن الثاني القاعدة بزواجه من أمازيغية من خنيفرة، وحاول أن يرد عليه الفقيه من نفس المنطقة، في أحداث مولاي بوعزة شهر مارس 1973، مواصلة منه لاتفاق سابق بين “تنظيم” وهو اسم الفرع الثوري أو المسلح والسري للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وبين الجيش في انقلاب 1972 الذي قاده أوفقير.

ولم يسمّ “تنظيم” الذي يسمى به الفرع الثوري أو المسلح إلا في أواخر 1969 من طرف الفقيه البصري، المسمى محمد الدمناتي، وساعد في الانقلابين محاولا في جبال الأطلس إعادة نسخ الحراك المسلح للريف في 1959 الذي قضت على آخر جذواته، المحاكمات التي أعقبت الانقلابين: انقلاب الريفيين المدبوح واعبابو، قبل أن يلتحق أمازيغ الجنوب الشرقي عبر أوفقير بانقلاب آخر، وفشل بدوره.

الفرنسيون عن وعي منهم، شجعوا البربر على الخدمة العسكرية، كوزن أو ثقل مضاد للعرب الذين هيمنوا على الساحة السياسية(5).

وتختتم الفقرة الثامنة هذه الملاحظة بالقول: “إن قادة الجيش يواصلون دعمهم للضباط الأمازيغ”، ومن أصل 16 جنرالا، قتل أربعة في انقلاب الصخيرات وأعدم خمسة آخرون بعد المحاكمة بتهمة التواطؤ، وأوفقير بربري، حسب المخابرات الأمريكية، وليس قويا بقربه من الملك، بل بإدارته للأمن الداخلي وبفضل شبكاته الاستخبارية، وهو وجه “به كثير من الغموض”، حسب الفقرة 10، ففي الماضي، ساعد ولي العهد مولاي الحسن على تقوية سلطات الملك، وبعد انقلاب الصخيرات، لم يعد “أمره واضحا”، خصوصا بعدما حاول الحسن الثاني صناعة وزن مضاد للجنرال أوفقير، عبر مفاوضاته مع الأحزاب كي لا يترك المملكة في يد واحدة.

وخاض أوفقير مفاوضات مع رجالات السياسة باسم الحسن الثاني مرات لقيادة تحالف ضد الملك، خصوصا بعد دعوة الجبهة الوطنية إلى مقاطعة استفتاء دستور 1970.

وقبل بداية ما تسميه المخابرات الأمريكية “هذه الحزورة” أو التمثيلية، قاد أوفقير انقلابه، مستبقا تسويات انتهت إلى خروج الحزبين (الاستقلال والاتحاد الوطني) عن أمر التوافق على الإصلاحات الأساسية مع الحسن الثاني، فكان التحالف الحكومي إصلاحا تربويا أو شكليا، وشكلت محدودية الموارد المالية للبلاد عائقا أساسيا باتجاه الإصلاح.

وفشل المغرب في مواجهة مشاكله، لعدم كفاية مبادرات الملك، وانتقدت الأحزاب والضباط الشباب، ما يجري، في وضع تقوى فيه اليسار الجذري.

وحسب الفقرة 18، فإن الولايات المتحدة تشارك وتنسق مع الملك، حيث المساعدات الأمريكية كبيرة للرباط، وتشكل المساعدات العسكرية عشرة أضعاف المساعدة الاقتصادية منذ الاستقلال، وأكد حميد برادة في شهادته على اعتقال كل من تورط في تهريب السلاح من القاعدة الأمريكية بمساعدة مخابرات واشنطن، وتسليم بريطانيا لانقلاب عسكري على الأقل، وصل إلى جبل طارق، بما يؤكد أن الغرب لم يكن بجانب أوفقير، فاعتمد على تسوية داخلية مع اليسار المسلح والراديكالي.

تقول الفقرة 19: “إن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وخصوصا حزب الاستقلال، مع سحب كل التسهيلات الأمريكية في القنيطرة(6)، وأثيرت هذه القضية ضمن الترتيب المبكر لأولويات الحزب”، في حين رأى الحسن الثاني، أن القاعدة الأمريكية في القنيطرة، والتسهيلات المنوطة بها، فيها بعض القيمة في الاحتفاظ بهذا الرابط مع الولايات المتحدة، معترفا بأنه مقتنع بالمزيد من المساعدة الأمريكية لبلاده، وأن هذه الواجهة مورد للعملة الأجنبية، وأن أصول هذه التسهيلات تتراجع.

ولم تكن للولايات المتحدة نية لخفض هذه التكلفة المرتبطة بالقنيطرة، إلى درجة أن الحسن الثاني يعتقد أن الولايات المتحدة لا تريد اضطرابات جديدة تدفع إلى إغلاق هذه المنشآت (أو القواعد)(7).

وفي الفقرة العشرين، يظهر الموقف الأمريكي واضحا من “إسقاط النظام” بقولها: “إن العلاقات الوثيقة بين المغرب والولايات المتحدة، ستكون بشكل جذري أكبر بكثير من تعطل هذه العلاقات، إن سقطت الملكية”(8).

وهو ما يعني أن العرش العلوي كنز استراتيجي لاستراتيجية الغرب والولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما ساعد في إفشال الانقلابين والمحاولات المتعددة لتصفية الملك الراحل، وإن بشكل بدائي، ويورد حميد برادة في شهادته، بأن إحدى المحاولات التي سماها “مؤامرة” وسماها معارضوه “ثورة”، نقلت عبر دراجة قنبلة إلى خشبة سيقوم عليها الحسن الثاني، وأوقف شرطي هذه الدراجة لعدم الإنارة، وفتشها ليجد “قنبلة موجهة لتفجير موقع”، والأكيد عند المعارضين أن ما جرى، خيانة لتسويق بعض أعضاء التنظيم السري لمصالحتهم مع الملك، للحفاظ على حياتهم، وعند البعض الآخر، ومنهم الصحفي وأول رئيس للاتحاد الوطني لطلبة المغرب، حميد برادة، فإن ما جرى يؤكد على التهور، فالفقيه البصري في فراره من سجن القنيطرة عام 1955 إلى جانب 37 مقاوما، أعطى الشرطي المغربي العامل إلى جانب الفرنسيين بطاقته المزورة وبطاقته الأصلية، ويرد مناصروه أن ما قام به، “ذكاء”، لأنه لم يعتقل، وهي مغامرة محسوبة تماما كمغامرة برادة في النزول في مطار الدار البيضاء ـ ترانزيت ـ من طائرة الرئيس السنغالي.

ويؤكد الأمريكيون أن العمليات التي قام بها الفقيه البصري، محسوبة وبدعم من مخابرات دول في المنطقة، لذلك، فإن بعض “البوعبيديين” ينتقدون الفقيه البصري والمهدي بنبركة، لاختلاف الرؤى، وقادوا دوما الحوار مع الملك لعودة المنفيين، لإعادتهم إلى الصندوق.

وكما تورد الوثائق الأمريكية، فإن عبد الله إبراهيم كره الوجود الأمريكي في المغرب أكثر من بنبركة، لكنه بقي في المملكة، وعمل الفقيه البصري على علاقاته الوثيقة مع البعثيين ومخابرات القذافي، المعتمد على فصائل قتالية فلسطينية، ونجح المغرب فوق الأراضي الفرنسية والتونسية قبل أن يوقف جزئيا سياسة الاغتيالات، ولم يطلب تبادل مطلوبين مع الدول العربية، لكنه سلم مطلوبا إلى القذافي، وترك الفقيه البصري الفيلا التي سلمها بومدين له قبل أن يرفض لمين زروال استقباله، فانتقل إلى باريس.

إن سقف فرنسا بات معروفا في معارضة الملك المغربي، وهو الجزء الذي انتهى إليه المعارضون المغاربة، فلا يمكن أن تكرر الرباط ما قامت به مع المهدي بنبركة فوق الأراضي الفرنسية، فانتقل حميد برادة إلى باريس وتبعه الفقيه البصري.

لقد صرح برادة في أحاديثه بتاونات، عن هذا المبرر في انتقاله إلى باريس التي احتضنت في آخر المطاف الفقيه البصري، وفيها أجرى عملية على القلب قبل أن يعود إلى المغرب ويموت في الدار البيضاء في 4 أكتوبر 2003 ويدفن في شفشاون، بعيدا عن دمنات، لطي صفحة الرابطة الأمازيغية التي اعتمدت عليها المخابرات الأمريكية لتفسير علاقة الفقيه البصري وأوفقير عن طريق أمقران في محاولة 16 غشت 1972، وأعدم أمقران في يناير 1973 إلى جانب 10 من أصدقائه، وفوق سماء تطوان، تعرضت الطائرة الملكية لهجوم جوي لم يكن مسبوقا، إذ هذه المحاولة تعد الانقلاب الوحيد “جوـ جو” في تاريخ الانقلابات في كل العالم.

وهوجمت الطائرة الملكية من طرف طائرات “نوثروب إف 5 فريدوم فايترر”، انطلقت من القنيطرة حوالي الساعة الثالثة زوالا و40 دقيقة، ثلاث منها فقط كانت مسلحة: الأولى للوافي كويرة، الذي عرف قبل ثلاثة أسابيع بالمحاولة، والثانية لعبد القادر زياد الذي لم يعرف بالأمر إلا قبل دقائق من إقلاع الطائرة، والثالثة لحميد بوخالف والذي عرف بالمحاولة في الجو وسميت العملية بـ”البراق”، التي رد عليها الملك محمد السادس بإطلاق هذا الاسم على “تي. جي. في”، للتأكيد على التنمية، وطي صفحة الماضي من خلال آلية هيئة “الإنصاف والمصالحة”.

وبعد فشل “البراق”، انطلقت عملية أخرى (ريد فلايت)، لأن القباج تمكن بعد 12 دقيقة من القصف، من النزول في مطار الرباط سلا، فقصف المطار مخلفا 8 قتلى و50 جريحا، وأطلق أمقران عملية ثالثة (ريد ليتنينغ) لقصف القصر، وطار رفقة بلحاج إلى جبل طارق، وبعد 36 ساعة، سلمت لندن الطيارين، رغم عدم وجود اتفاقية لتسليم المجرمين، فيما الطيار كويرة نزل في سوق الأربعاء، ليحمل إلى الملك في نفس الليلة.

وأطلقت النار على أوفقير من مسدسه فيما سمي “انتحارا” أو “رميا بالرصاص” من الدليمي ومولاي حفيظ العلمي، كما في حكاية زوجته، التي رأى الحسن الثاني أنها متورطة (لأنها عرفت بالمحاولة).

لقد كان انقلاب أوفقير عاملا على إعادة تفسير “المؤامرة” أو “الثورة”، وهل أوفقير جزء منها، أم أن مسألة “الثورة” تتعلق بمحاولات الفقيه البصري انطلاقا من ليبيا فقط؟

يقول برادة: إن الأخضر الإبراهيمي، سفير الجزائر في القاهرة، التقى المهدي بنبركة، ونبه أن “باريس تعج بالبوليس المغربي”، فقال له بنبركة بأنه سيلتقي الجنرال، وتحدثا مطولا عن أوفقير في تلك الليلة، وبين الجنرال أوفقير والجنرال دوغول، ساد الخلاف حول تأويل هذه الرواية، ولم يقل أحد أن ما حدث “تنبيه مباشر من المخابرات الجزائرية”.

ولقاء أوفقير وبنبركة يفسره الأمريكيون بـ”تقدير أوفقير لكل رجالات الحركة الوطنية”، وقد يكون الانقلاب لتسليم الحكم لهم، جزء من هذه الرؤية، وقد تأكد أن المغرب جرح دوغول عندما اغتال ضيفه، وقد تخلص الحسن الثاني من أحد ضلعي المعادلة، لأن الاتفاق بين الرجلين سيكون لا محالة كارثيا على حكمه.

وفي الوثيقة التي عمل عليها هارولد سوندرز، مسؤول الأمن القومي في البيت الأبيض من “الغرفة 372 ألف”، وراي كيلن من “الغرفة 6531″، وجيمس بلاك من “الغرفة 4513″، وروبرت مور من “الغرفة 623 ألف” وديفيد نيسون، والموجهة لسكرتارية الشؤون الإفريقية، وتجمع كلها على “عدم وضوح وفاء أوفقير للعرش بعد انقلاب الصخيرات، ولا علاقة للسي. آي. إي، وإم. آي .إكس البريطانية بانقلاب أوفقير لـ 16 غشت 1972”.

ويوضح جيمس نويز من مكتب “نيزا /إيزا” في البنتاغون، وجورج بادر، المدير الجهوي لـ”إفريقيا / إيزا”، من “الغرفة 4 بي 880″، أن “خليفة الحسن الثاني من داخل العائلة أو خارجها، سينهي ولا شك كل التسهيلات الموجهة للأمريكيين في القنيطرة”.

من جهة، لأن أوفقير لن يجد حليفا في حال نجاحه، سوى الجبهة الوطنية، الراغبة في إغلاق القاعدة المذكورة، والجنرال ليست له شعبية بفعل اتهامه بقتل المهدي بنبركة، واستطاعت الدولة صنع حاجز نفسي بين الجيش والاتحاد الوطني وذراعه المسلح “تنظيم” بفعل دم بنبركة، ووضع حاجزا نفسيا آخر بين الإسلاميين واليسار من خلال دم عمر بنجلون، وأديرت اللعبة والتحالفات تحت هذا السقف.

وتوقعت “السي. آي. إي” إغلاق القاعدة الأمريكية في القنيطرة إلى جانب التسهيلات الأخرى، وبالتالي، فإن وقوعها من طرف الحسن الثاني، جاء لفتح الحوار مع الأحزاب الوطنية في مقابل الجيش.

وانتظرت المخابرات الأمريكية إنهاء التسهيلات من طرف الحسن الثاني في صده لأي انقلاب عسكري أو وقوع الانقلابيين تحت ضغوط الجبهة الوطنية، وألغى صدام الجيش والعرش في 1972، هذه التسهيلات.

لم تكن هناك صداقة بين المهدي وأوفقير، فالجنرالات حكموا على بنبركة بالخيانة في حرب “الرمال”، وكانت هذه بداية بناء الجدار بين الاتحاد الوطني والجيش، ولم يقبل الحسن الثاني من بعض قادة الاتحاد اتخاذ مواقف “مغاربية” أكثر منها “مغربية”.

تقول “نيويورك تايمز” نقلا عن مصدر استخباري، أن المهدي بنبركة لم يعتمد على من يسميهم المحافظين، الجيش وملاك الأرض الإسلاميين والمتنافسين بين أجنحة اليسار، لأن عبد الرحيم بوعبيد انتصر لليسار الفرنسي، وبنبركة للتيار الماوي الصيني، والفقيه البصري للاشتراكية العربية، وعمر بنجلون لاشتراكية محلية قطعت مع الكفاح المسلح، لكنها دفعت الثمن وإن طالبت بالملكية البرلمانية، لأن الدعوة كانت جماهيرية، وما يظهر أنه سلوك لين مع بعض المناضلين اليساريين من الحركة الوطنية، هو نتاج للحسابات التكتيكية للمرحلة، وتعود شخصيا للملك الحسن الثاني وليس للجنرال أوفقير.

إن سياسة “فرق تسد”، كانت سياسة ناجحة في مغرب ما بعد الاستقلال، وأكدت من جهة أخرى، أن المهدي بنبركة منذ 1960 إلى 1962 عندما درس “الإيكونوميتريك” في باريس، انتهى إلى ضرورة عولمة الثورة، لفرض شروط جديدة على المنطقة.

لم يكن التقارب مع بكين مقبولا إلى الحد الذي أثار فرنسا، فالمهدي بنبركة أثار قرارا سابقا بالإعدام أطلقه الجنرال جوان، لقوله أن “عدو فرنسا الأول هو المهدي بنبركة”، فجزء من المؤسسة الفرنسية ضده إلى جانب حكمي الإعدام من بلاده، بالإضافة إلى عدم رغبة الاتحاد السوفياتي في تقارب كوبي صيني دشنه بنبركة، لكن “السي. آي. إي” والمخابرات المغربية لم تقرر أي شيء بخصوصه، لكنها ساعدت، بعد تورط الرباط في قتله، في التخلص من الجثة، بنقل الطلب إلى “الموساد”.

وقبل سنة، حسب الأمريكيين، وفي 1964، أكد بنبركة لمحاوريه، أنه سيختطف أو يقتل من طرف عملاء أوفقير والمتواطئين معه، وبقي متفائلا رغم كل ذلك، لاستطاعة الملك الحسن الثاني “خلق مخارج جديدة للأزمة”.

كان الحسن الثاني عند المهدي بنبركة أقرب من أوفقير، ويعرف أوفقير أن الانقلاب على الحسن الثاني لن يكون برأسين، وقبله جرى حساب الدولة، إذ لا يمكن أن يبقى قائدان انقلابيان (مدني وعسكري) في الساحة.

لقد بدأت العملية مستهدفة قتل بنبركة، لأن اختطافه والإفراج عنه سيكلف الكثير، لذلك تقرر تصفية المهدي بنبركة.

ومن خلال متابعة الوثيقة السرية “ألف ـ 186” والتي تكشف التوصيات الخاصة عن نظام الحسن الثاني والمعدة من طرف لورانس بوب، فإن الولايات المتحدة واصلت عملياتها التجسسية من موقعين بالمغرب، طنجة والدار البيضاء، فيما فرنسا لديها مكتب واحد، ويلاحظ نوع العدد العامل في هذه المنطقة (المغرب العربي وباريس ومدريد)، والبالغ من “السي. آي. إي”، 16 فردا و3 من وكالة الأمن القومي، ولم تكن أي عملية ضد بنبركة في سياق التنسيق العملياتي بين باريس والرباط عبر “السي. آي. إي”.

وبعد انقلاب أوفقير، أخذ المغرب أهمية قصوى في متابعة “السي. آي. إي” ووكالة الأمن القومي الأمريكي ووكالة المعلومات، لأن إدارة التفاصيل بين العرش والاتحاد الوطني للقوات الشعبية والعرش والجيش، هو ما عقد التفاصيل التي باشرها الملك برجاله في الموقعين.

لم يعتمد الحسن الثاني على القيادات المتعاونة مع مختلف مكاتب مخابراته في الجيش والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، بل اعتمد على صداقاته، ولم يسلم رئاسة الحكومة إلا لعبد الرحمان اليوسفي، منطلقا من هذه الصداقة وحجم الصمت الكبير الذي يرى اليوسفي التصرف به تجاه كل ما يتعلق بالملك، حتى بالنسبة للمهدي بنبركة الذي تجاوزه ما سمي بالتناوب، فلم يعد “دم المهدي” عائقا لمصالحة الملكية والاتحاديين، ليتركوا كل ما حدث للتاريخ.

وتغير المعجم من “الثورة” إلى “المؤامرة”، والمهدي بنبركة تحول إلى انقلابي إلى جانب أوفقير باسم صداقتهما، لكتابة اسم الجنرال بخط بنبركة، من باب متابعته، وتؤكد الوثائق الأمريكية أن أوفقير جاء اقتراحا من الحسن الثاني، ولم يباشر المهدي بنبركة مع الحسن الثاني أي مفاوضات قبل الاستقلال أو بعده إلى أن قتل في باريس.

الحسن الثاني فضل الحوار مع عبد الرحيم بوعبيد والثقة في اليوسفي ، وما عداهما فهو تيار ثوري

بشكل دوري، كتب المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد تقرير “الحالة المغربية تحت الاستعمار” الموجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، ودائما من باريس، ومنذ سنة 1952، وعبر طباخ مغربي عمل في الإقامة العامة، “أعاد بوعبيد تركيب سلة المهملات” لاستكشاف سياسة فرنسا في المغرب إلى أن جاء تغيير الجنرال غيوم بلاكوست، الذي خاطب بوعبيد، ومن خلاله “الوطنيون”: ماذا تريدون؟ فقال “جواز سفر”.

وفي سنة 1955، اجتمع إدغارفور، رئيس الحكومة الفرنسية ببوعبيد، وانتهى المطاف بزيارته رفقة عمر بن عبد الجليل للملك محمد الخامس في المنفى، وفي 5 نونبر من نفس السنة وفي قصر “هنري الرابع” بـ”سان جيرمان إن لاي”، اشتغل مولاي الحسن، ولي العهد الذي أصبح ملكا، على كتابة تقرير معا، وهو ما تم التوقيع عليه في إعلان “سيل سان كلود” بين الملك محمد الخامس والفرنسيين ، ولهذا السبب، لا يشك الحسن الثاني في القناعة الملكية لبوعبيد، ووثق الملك الراحل في مهرب السلاح، اليوسفي الذي لم يرغب مطلقا في تزويد “الجناح الثوري والراديكالي” لحزب الاستقلال بالسلاح، كي لا يوجه لصدر الملك، ولذلك، فإن العمل بين بوعبيد والمهدي بنبركة في التقارير الموجهة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وبعدها لباقي العواصم، لا يعارض مشاركة بوعبيد في التسوية بين فرنسا والملك المغربي التي ابتعد عنها تيار كامل في حزب الاستقلال، وبعدها حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

وعلى مر السنوات، عرف الحسن الثاني جيدا تمييز الملكيين المعارضين لنهجه، والجمهوريين الثوريين الراغبين في إسقاط الملكية، وكان مهما قص الأجنحة لتعود القيادة إلى بوعبيد، من نفي الفقيه البصري وبنسعيد أيت إيدر والمهدي بنبركة، وإبعاد عمر بنجلون.

حسب “السي. آي. إي”، أراد الكل، بمن فيهم الجنرال أوفقير، أرادوا بنفس طويل، نهاية  “الحزورة السياسية” (بوليتيكال شاراد)، وقد انتهت إلى تصفيات دموية بين أقطاب النظام من العسكريين (9 جنرالات من أصل 16 جنرالا في الصخيرات وعاشرهم الجنرال أوفقير بعد سنة في انقلاب غشت 1972) والمدنيين (يتقدمهم المهدي بنبركة وعشرات من حملة السلاح في جيش التحرير والمقاومة)، وبين الحزبيين (الاستقلاليين والشوريين)، ودائما، هل يسبق بناء الديمقراطية بنيات الدولة في رهان المغرب، وقد أفرد الجميع الموقع الأهم للديمقراطية؟

لو التزم القصر بالوعود التي قطعها على نفسه في المفاوضات، لانتهى الأمر، لكن إدارة موقع العرش في معركة الاستقلال، سبقت باقي أذيال الصورة.

واستدعى تطرف عودة السلطنة تحت عباءة الملكية، مواصلة الثورة، فأخرت التفاهمات التي جعلت اتفاقية “سيل سان كلود” تلتحق بـ”إكس ليبان”، وقد هندس بوعبيد هذا المسار، ولم ينته يوما من الأيام إلى دمقرطة النظام.

لقد راهن الجميع على موازين القوى لحسم المواقع، فيما بقيت المفاوضات سارية بقيادة  بوعبيد دائما من داخل الحكومة وزيرا مكلفا بالمفاوضات في حكومة البكاي، ثم سفيرا للمملكة في فرنسا، لتثبيت نتائج هذا المسار التفاوضي، وكان المساس بعبد الرحيم بوعبيد مساسا بمصالح فرنسا الاستراتيجية والمغرب، إنه “الكنز” كما يراه الملك محمد الخامس وولي عهده والمغاربة الثوريون، على حد سواء.

والإشراف على التطبيق الحرفي لما جرى الاتفاق عليه مع باريس، جعل بوعبيد في تنسيقه مع المخابرات الفرنسية “السديس”، أهم عنصر لها في المغرب، وتعد حماية حياته بنفس إجراءات حماية حياة مديرها، ونفس الأمر بالنسبة للقصر، لأن بوعبيد راعي اتفاقية “سيل سان كلود”، وبالنسبة لحزب الاستقلال، فهو راعي وديعة “إكس ليبان”.

وانتصار فرنسا لبوعبيد، يبرر انتصار حميد برادة لنفس القائد في شهادته “التاريخية” بتاونات، غداة تكريمه في الذكرى الفضية لصدور صحيفتها الجهوية “صدى تاونات”.

من المهم أن صحافي “جون أفريك”، المكرم على بعد أميال قليلة من فاس، ركز على أن بنبركة، وأربك بوعبيد المعروف باعتداله، فالمهدي قبل بحكومة تحت دستور 1962، فيما اشترط بوعبيد تعديلا دستوريا، وقال المهدي: نعمل ما عملناه مع أبيه (قاصدا حكومة مثل حكومة عبد الله إبراهيم)، كي لا تندفع الأمور إلى حالة الاستثناء التي توقعها المهدي قبل تنفيذها من الحسن الثاني.

ضغط بوعبيد دائما في التفاوض بالجناح الثوري الراديكالي للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، لكن الجيش وفرنسا والولايات المتحدة، رفضوا حكومة جديدة لعبد الله إبراهيم.

لقد ظهر المهدي أكثر براغماتية سميت “انتهازية” عند بنبلة، نقلا عن حميد برادة، فيما حول القذافي الفقيه البصري إلى “متهور”، لكن اللعبة أعقد، عندما دافع الجميع عن قيادة بوعبيد وإقصاء بنبركة وبنجلون، وهو ما تحقق بيد فرنسية ومغربية لعبت على كل التناقضات للوصول إلى هذا الهدف، دون أن يرأس بوعبيد أي حكومة، لأن أي قوة له في هذا الموقع، ستوقع أزمة كبرى بسلطات القصر.

حرمان الحسن الثاني لبوعبيد من رئاسة الحكومة، إشارة قوية من المهدي بنبركة، لمن يعتبره القصر صديقا للملكية، وجزء من أسرارها، خصوصا وأن الحسن الثاني في ولاية العهد سلم مفاتيح الاقتصاد لبوعبيد، ثم للدويري، ولم يرغب في تسليم وزارة الاقتصاد للمهدي بنبركة، وهذان الخطان الأحمران، رئاسة بوعبيد للحكومة وإدارة المهدي بنبركة للاقتصاد، خوفا من نقله إلى “الطابع الشيوعي”، حفظ السلطات الواسعة للملك وليبرالية الغرب.

إيطو برادة ابنة الصحافي، لم تغب عن المشهد

في معرض حديثه في تاونات، لم تغب إيطو برادة، ابنة الصحافي برادة، من زوجته منيرة بوزيد، عن طيفه بين باريس التي عرفت ميلادها عام 1971، وكندا، والعودة إلى طنجة، المدينة التي عرفت ملحمة الجد، وتلك قصة أخرى من حزب الشورى إلى عالم التصوير الفني والعمل الجمعوي، فالسياسة تقف بين الوالد والابنة في تأييد البرلماني عمر بلافريج، وبين حراك 2011، وهو عام تتويجها “فنانة السنة”.

لا يخلو في حميد برادة ظل الأب، ومن ذكريات تحاول أن تربط الانقلابيين في المغرب تحت عنوان “المتآمرين”، الذي لا يقصد به موقفا إيديولوجيا، إنها محاولات للانقلاب على النظام (ضربنا وضربناه)، وكان مهما طي الصفحة من أجل الملكية التي يريدها حديثة وأن تكون الديمقراطية معيارية.

من الصعب إثبات صداقة المهدي بنبركة وأوفقير في أي وثيقة، ولا يختلف أحد في دعم الفقيه البصري لانقلاب أوفقير، لكن هذا لم يستتبع دعم القذافي أو الجزائر لهذه المحاولة، فأول من اتصل بالحسن الثاني، الجزائريون، وتأكد الليبيون أن لا بصمة لهم، كما نقلت مخابرات “الكا. جي. بي”.

لم يكن للثورة على الحسن الثاني حليف في الشرق والغرب، لذلك فشلت، رغم احتضان معارضين على أراضي دول، في مقدمتها فرنسا صديقة المملكة، لأن الإليزيه كان يضع السقف لكل معارضات العرش، فكيف تكون ثوريا وأنت تزور باريس أو تعيش فيها؟

“لم يكن ممكنا العمل المسلح ضد المغرب من باريس”، رسالة فهمها بنبركة، والحلقة متواصلة إلى الصحافي حميد برادة، لذلك، فالمعارضة ليست أكثر من غاضبين يذهبون إلى صديق مشترك، وخلطة المحاولات الانقلابية غير المعقدة، هي مجرد ردود أفراد أو مجموعات صغيرة، على تمادي الظلم والاستبداد واحتكار القرار من طرف العرش.

 

 هوامش:

1- jument 5, DDA, 4 apr 77, DDA, REG 77/1763 by 025, approved for release CIA, RDP 82 – 00457R0002009005.
2- Maroc. Abdallah Ibrahim, itinéraire d’une politique hors pair orient xi .info, 7 juin 2019.
3- prospects for political change in morocco, memorandum, approved for release 6/3/2007, CIA -RDP 79 R00967 A000400030003-2.
4- in prospects ibid senior members. the marriage of Berber and Arabic elements in morocco has never been complete).
5-(the French consciously encouraged Berbers to enter military profession as a counter weight to the Arab majority which dominated the political scene).
6- (the Istiqlal may raise this issue as an early order of business. while Hassan still sees some value in retaining this link to the US. he recognizes that in terms of an inducement for additional aid and as a resource of foreign exchange these facilities are waning asset).
7-(to reduce the complement associated with kenitra might lead Hassan to believe that US it self would not to be seriously troubled by the closing of these installations).
8-(the close relationship between the US and morocco would be far more seriously disrupted if the monarchy were be over thrown).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box