في الأكشاك هذا الأسبوع

وداعا مولاي مصطفى العلوي.. وداعا الحقيقة الضائعة وصوت الحكمة

بقلم: عبد الرحمان البدراوي

خطفت يد المنون منا يوم السبت 28 دجنبر المنصرم، مولاي مصطفى العلوي عميد الصحافة المغربية والكاتب والمناضل، لكن لا مرد لقضاء الله.

لقد نزل علينا خبر الوفاة كالصاعقة لم نتحمله في البداية، لكننا فوضنا أمرنا لله وكنا مرة أخرى على موعد معه في مقبرة مولاي مسعود حيث التأم أصدقاؤه وأسرته الكبيرة والصغيرة ليكون العزاء واحدا والأسى والأسف عنوان كل من واكب جنازته المهيبة من بيته العامر إلى مثواه الأخير.

تركنا مولاي مصطفى ونحن كنا من الأجيال التي عرفته عن قرب واستفادت من مدرسته التي تجود بها جريدة “الأسبوع الصحفي” كل يوم خميس، خاصة ركن “الحقيقة الضائعة” الذي فتح أعيننا على قضايا يجتمع فيها التاريخ الحديث والمعاصر والقراءات الموضوعية لأحوال الساسة والشعب على حد سواء.

وبفضل مولاي مصطفى تربت أجيال من القراء والكتاب على فن الكتابة الصحافية وعلى ما تتطلبه من موضوعية وتجرد، وأخلاق مهنية.

لم يكن وداعنا لمولاي مصطفى إلى جوار ربه ظهر ذلك اليوم الحزين بالأمر الهين، ونحن نودع عميدا ومربيا وأبا حنونا، وتاريخا حافلا بالمعارك مع الرافضين لحرية التعبير وحرية الفكر والمعرفة والصوت الحر. لقد كان محاربا شرسا، وكان النصر حليفه في مختلف الحروب التي خاضها في الماضي القريب والحاضر، ليلقننا دروسا كان القلم فيها سيد نفسه، قلم لا يلين رغم الضربات الموجعة، ورغم إمكانات ومكانة الخصوم، لقد كان فيلسوف عصره دون منازع.

ودعنا مولاي مصطفى، وودعناه في عصر ذلك اليوم الحزين وقلوبنا مكلومة ونفوسنا مهزوزة أمام هذا المصاب الجلل، لكوننا ندرك أننا فقدنا رجلا من خيرة رجال المغرب الحديث، رجلا أسس لنا أسلوبا في القطاع الإعلامي، وأسلوبا في الحياة، وفي التواصل مع مختلف الشرائح الاجتماعية، ولعمرنا عرفنا إعلاميا مثله، ولا كاتبا في مستواه ولا فقيها ومؤرخا في مقامه، كيف لا وهو الذي كان يتحفنا بتاريخ المغرب القديم والمعاصر والحديث، ويشد انتباهنا إلى محطات كان فيها المغرب قريبا من أحداث تارة تقويه، وتارة أخرى تضعفه، ألم  يكن مولاي مصطفى الصحفي والكاتب الوحيد في وطننا من له الفضل في اختزال المفاهيم الحديثة وفي التصور الحديث لمغرب اليوم والغد؟ ألم يكن مولاي مصطفى المفتاح لسياستنا العمومية المحلل لأخطائها والمنذر لهفواتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية؟ وإلى ذلك يبقى ركنه “الحقيقة الضائعة” مرجعا نستقي منه أدبيات الكتابة الصحافية، وتاريخا مفتوحا لمن يرغب في معرفة ماضينا السياسي وتراثنا الضارب في عمق ذاكرتنا الأدبية والثقافية.

لقد كنتم بالفعل مؤسسا لثورة لامست كل قضايا الأمة العربية والإسلامية، ورجل الاستراتيجيات بامتياز، وشخصية تؤمن بالاختلاف دون إقصاء الآخر، كما كنت تملك الصدر الرحب في النقد البناء، وكنت معلمة قائمة الذات تتعالى فوق كل ما من شأنه أن يعصف بالمبادئ والأخلاق، بل لقد كنت ولما عهدنا فيك، عصيا على كل من حاول اللعب معك عبر جياد المال والجاه والسلطة، ولنا فيك يا مولاي مصطفى القدوة والعبرة..

كم كنا تائهين ظهر ذلك السبت ونحن على مقربة من مثواك، في جو عجز فيه اللسان عن الكلام لتحل محله عيون شاردة تتبادل حجم الحزن الذي خيم على جو الوداع.. كم كانت الهمسات خافتة بين المودعين، كيف لها أن تكون غير ذلك والحال وهي أمام جثمان لرمز من رموز المغرب، ولعنوان يصعب نسيانه، ولشخصية من الصعب أن يجود بها الزمن مرة أخرى.

ودعناك يا مولاي مصطفى، ونحن اليوم منك على مسافة جزؤها لا يتجزأ، وأمام روحك الخالدة مشدوهين لا حول لنا ولا قوة، وما لنا إلا أن ندعو لكم بالمغفرة، وأن يجعلك الرحمن الرحيم في صف الأنبياء والصالحين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box