في الأكشاك هذا الأسبوع

خاص | الحقيقة الضائعة.. المقال الصحفي الذي يقرأه الملك والشعب

إعداد: سعيد الريحاني

“لم يمت” مصطفى العلوي صباح يوم السبت الماضي، لأن ما تركه الراحل من “حقائق ضائعة” يكفي لعيش عدة أجيال، بل إن البحث عن الحقيقة وهي المهمة التي وهب الراحل حياته من أجلها، ستبقى مستمرة، وقد شاءت الأقدار أن يكتب أستاذنا قبل رحيله في العدد الماضي، مقالا يحمل دلالات عميقة بحديثه عن: “حتمية التصالح بين النظام المغربي والريف” (انظر الحقيقة الضائعة/ عدد 26 دجنبر 2019)، وقد أصر العلوي كما كان يصر دائما على تحدي كل الظروف من أجل الوفاء بموعده الأسبوعي مع القراء، ويا لها من حكمة ربانية،  فرغم أن القدر المؤسف كان ينتظره يوم السبت الماضي في بيته، إلا أن مولاي مصطفى، كان قد رتب موعده مع القراء من خلال كتابة مقاله الأخير (حلقتان)، وتشاء الأقدار أن يكون عمر “الحقيقة الضائعة” أطول من عمر صاحبها.

هكذا هو مصطفى العلوي يعطي الدروس للأغلبية الصامتة حيا وميتا، من عهد محمد الخامس إلى اليوم، وانظروا لبلاغة مصطفى العلوي وهو يواجه ظاهرة الحزب الوحيد في عهد محمد الخامس قائلا: ((هذا الشعب الذي يعاني حياة الضنك والضيق.. ويذوق المذلة والهوان ويتحمل تنكيل الجهاز البوليسي والعسكري للاستعمار، أصبح يرى في الشوارع مواطنين في صفوفه أصبحوا يتحكمون في الرقاب باسم شارة الحزب، فلقد تأسست بسرعة غريبة فيالق الحزب، وإطارات الحزب، وجنود الحزب، وشرطة الحزب، وبكل أسف تشكلت حتى فرق التصفية الجسدية ودور سرية للتعذيب، ولازال عدد من ضحايا هذه الفرق يحمل في أجساده شارات تلك الفترة المظلمة على شكل قطع جسدية مبتورة، أو قطع اللحم مقطوعة.. كما تأسست الفرق الموسيقية للحزب.. والقطع الحزبية المتنقلة على موتوسيكلات على طريقة الجندرمة.. وأصبح الحزب في غضون أيام معدودة يحل محل السلطة.. ورغم أن الملك محمد الخامس دعا إلى الهدوء والنظام، فإن الفرق السرية للحزب أحرقت مواطنين وسط الاحتفالات بعد أن صبت عليهم الوقود(..)، وكان ذلك كافيا لأن يصبح الحزب الحاكم بأمره.. المتصرف المطلق، القوة التي تبعث الرعب في القلوب والهيبة في النفوس.. ومن كان بإمكانه أن يفتح فمه معارضا أو محتجا أو رافضا.. والحزب خرج من كل تنور، من كل بئر، من كل خيمة، ومن كل بيت.. كان عهد المغاربة بخبايا السياسة قريبا.. وكل الطرق كانت مشروعة بالنسبة للحزب.. طبعا لقد ترك ذهاب الاستعمار فراغا في كل المجالات، وكان الحزب وحده مؤهلا لملء الفراغ.. وفهمت الجماهير أن أقرب الطرق للوصول هي الانخراط في الحزب، وأن بطاقة الوطنية يوزعها الحزب.. وأن تعريف المواطنة لا يصدر إلا عن الحزب، وبالتالي، فإن كسب العيش لا يتم إلا عن طريق الحزب.. والحزب طبعا هو حزب الاستقلال)) (المصدر: كتاب الأغلبية الصامتة بالمغرب).

أي تشابه في الأحداث أو الأحزاب بين الأمس واليوم، ليس مجرد صدفة، بل هو درس من دروس التاريخ كما يقدمه الراحل مصطفى العلوي، ولكن ذلك لا يمنع من تصور المشهد في عهد الملك الراحل محمد الخامس، ((فقد كان مؤتمر الحزب الأول حدثا لم يعرف المغرب في تاريخه السياسي نظيرا له منذ ذلك اليوم إلى اليوم إلى الآن.. فمن له شرف الحضور في مؤتمر الحزب، ومن له شرف السلام على مشارك في مؤتمر الحزب.. وكيف يستطيع الإنسان أن يحصل على شرف الحصول على بطاقة دعوة لحضور مؤتمر الحزب.. وبالتالي، كم يساوي شرف الحزب، وما أسهل العمل من مركز القوة، وما أسهل الكلام عندما يتم إسكات الجميع..)) (نفس المصدر).

 إعادة تربية المغاربة من طرف حزب من الأحزاب، ليست إذن ظاهرة جديدة في تاريخ المغرب، فقد بدأت مع حزب الاستقلال(..)، ولكن صراع “المخزن” والأحزاب، لم يكن ليجنب صحفيا في قلب الحدث، مطبات الزمن، لدرجة تعرضه في عهد الحسن الثاني لمحاولة اغتيال عندما تم اختطافه لمعتقل سري بوجدة، ولم تكن عائلته تعرف عنه أي شيء، لكن لحسن حظه أنه التقى هناك بالمناضل الاتحادي، المرحوم الحاج أحمد العربي، الذي كان له الفضل في إخبار عائلة مصطفى العلوي بمكان تواجده، وقد كان المخطط هو محاولة قتل مصطفى العلوي، ورميه عند الحدود الجزائرية، لإيهام الرأي العام بأنه قتل من طرف حراس الحدود الجزائريين..

سواء تعلق الأمر بعهد السلطان محمد الخامس، أو الملك الراحل الحسن الثاني، فقد كان مصطفى العلوي حريصا على ممارسة مهنة الصحافة، رغم كل المحن(..)، فقد أصدر جريدة “أخبار الدنيا”، أول جريدة محايدة في المغرب المستقل، وجريدة “الدنيا بخير”، و”الكواليس”، ومجلة “7 أيام”، وجريدة “بريد المغرب”، كما أصدر باللغة الفرنسية مجلة “فلاش ماكازين”، وأسبوعية “ليكوليس”، ومجلة “لوميساجي ماروكان” الخاصة بالعمال المغاربة المقيمين في الخارج، وقد كانت هذه الصحف في أغلب الأحيان معرضة للحجز، والسبب هو قول الحقيقة للملك والشعب(..).

نقل الحقيقة، أو ممارسة المواطنة من خلال الصحافة، كان له ثمنه في عهد الحسن الثاني، الذي ارتبط بعهد أقوى وزير داخلية في المغرب، إدريس البصري،  ففي سياق أحداث التسعينات وقد أصبح مولاي الحسن ملكا على المغرب، كتب مصطفى العلوي مقالا ينتقد فيه ما اعتبره “تفاؤلا” في الطقوس المرعية، وكان موضوع المقال: “لو بقي مولاي حفيظ حيا”، وكان المقصود هو مولاي حفيظ العلوي، الذي كان مديرا للتشريفات والأوسمة، فنودي على مولاي مصطفى من قبل إدريس البصري، بمعية مدير ديوانه، عثمان بوعبيد، الذي كان يكتب المحضر، ونقل البصري إلى صاحب “الحقيقة الضائعة”، عن الحسن الثاني قوله: ((سيدنا يقول لك لا تكتب أي شيء عن دار المخزن، فسأله مولاي مصطفى، شكون هو المخزن؟ فقال له البصري: المخزن هو أنا، فقال له مولاي مصطفى: البلاد اللي يحكم فيها بحالك أنا منبقاش فيها))(..).

الحكاية كما حكاها الناطق الرسمي السابق باسم القصر، الأستاذ الجامعي حسن أوريد، ترتبت عنها بعض المضاعفات فيما بعد، حيث صدر بلاغ في التلفزيون يقول أن الوزير الأول آنذاك، عبد اللطيف الفيلالي، قرر إغلاق مجلة “المشاهد”، علما أن الفيلالي لا علاقة له بالقرار الذي وقع باسمه، لكن الأدهى من ذلك، هو أن ما نقل للملك لم يكن مطابقا للحقيقة، ولكنه كان مشابها لها، إذ قيل له إن مولاي مصطفى قال: ((البلاد اللي يحكم فيها بحالك (وكأنه يقصد الحسن الثاني) أنا منبقاش فيها))، في إشارة إلى الحسن الثاني، والحالة أن هذا كذب وبهتان.. (يحكي حسن أوريد في معرض قراءته لكتاب “الحسن الثاني الملك المظلوم”).

وبما أن العلوي كان يمارس “التأريخ” بالإضافة إلى الصحافة، فقد أصدر قيد حياته، كتابا خاصا عن مرحلة حكم الحسن الثاني، خلص فيها إلى أن الحسن الثاني ملك مظلوم رغم كل شيء(..)، رغم أن العلوي نفسه كان يقول بأن علاقته مع الحسن الثاني كانت مثل العلاقة بين القط والفأر، ((هو يحاول اصطيادي وأنا أحاول الهروب منه، وهذه مميزات الصحافة التي تعلمتها))، هكذا تحدث مصطفى العلوي رحمه الله، قبل أن يفسر بأن وصف أي ملك بالمظلوم، هو منتهى المجازفة بثقة القراء، خصوصا إذا كان الأمر يتعلق بالملك الحسن الثاني، والذي طبع عهد ملكه، وكان أكثر نفوذا كولي للعهد) بالخوض المستمر لحرب استنزاف في حق مناوئيه، وإزالة أشواك المعارضين من طريقه، وهي طبيعة البشر، منذ عهد النبي موسى الذي رغم علو شأنه، خلف عنه القرآن تخوفه هو أيضا من الرأي العام وقوله: ((فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين)) (سورة الأعراف)، لأن تصنيف كل حاكم مع الظالمين داخل في شماتة الأعداء. والذي سيقرأ هذا الكتاب بتمعن، سيكشف مبررات وصف الحسن الثاني بالظالم.. والعناصر المفسرة لوصفه بالمظلوم، وهي ازدواجية حسمت فيها الحكمة القائلة: ((خير الملوك الزوارون للعلماء، وشر العلماء الزوارون للملوك)) (المصدر: كتاب “الحسن الثاني الملك المظلوم”).

هكذا كان العلوي، صحفيا تقرأ مقالاته من طرف الملك والحكومة والشعب، في معادلة صعبة انتهت في بعض الأحيان بمحن غير متوقعة أوصلته إلى غياهب السجون(..)، ولكنه نال وسام الثقة من طرف الملك والشعب على حد سواء، وها هو الملك محمد السادس يعلن في برقية تعزية مرفوعة إلى عائلته، بأن الراحل مشهود له بـ((دماثة الخلق وبالكفاءة المهنية العالية، المفعمة بالغيرة الوطنية الصادقة، وبالالتزام بمقدسات الأمة وثوابتها)) (المصدر: تعزية الملك محمد السادس لعائلة الراحل مصطفى العلوي).

إنا لله وإنا إليه راجعون.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box