في الأكشاك هذا الأسبوع

ما بين عبد المجيد تبون وإبراهيم غالي

بقلم: نوفل البعمري

في الوقت الذي كانت تعلن فيه قيادة جبهة البوليساريو عن انطلاق مؤتمرها الفضيحة، كان الرئيس الجزائري يلقي خطاب التنصيب، وهو تزامن وإن كان غير مرتب، لكنه يعكس نوعا من مكر الصدف التي تكشف أن مصير البوليساريو وقيادتها هو بيد حاكمي قصر “المرادية” الجدد/القدامى، وهو مصير مرتبط بالنظام الجزائري، وبالقوة التي تسيطر على البلد واقفة في وجه الشعب الجزائري الطامح إلى تقرير مصيره السياسي والمؤسساتي، والذي قرر الخروج للشارع منذ أكثر من سبعة أشهر إيمانا منه بأن وقت التغيير السلمي، والتداول الديمقراطي على الحكم بالجزائر قد حانت ساعته، لكنه وللأسف، واجهته طغمة عسكرية تريد أن تحافظ على الوضع الجامد بالجارة بالشكل الذي يمكنها من الاستمرار في التحكم بخيرات البلد وإهدار المال العام، في سباق غير مشرف نحو التسلح بدل السباق نحو التكامل المغاربي وتنمية الجزائر وتحقيق الرخاء لمواطناتها ومواطنيها من إخواننا هناك، في ظل هذا الجو العام، كان هناك حراك شبابي قوي أعلن منذ مدة عن تحرره من الخوف، مسقطا جدارا سميكا من الحواجز النفسية والقمعية التي سلطتها عليه ميليشيات الجبهة لضمان تكميم الأفواه، غير أن إرادة ورغبة الساكنة الصحراوية، وخاصة شبابها، في العيش بكرامة وحرية، وفي طموحها بتقرير مصيرها لضمان عودة سريعة لوطنها الأم المغرب وإسقاط الفساد والاستبداد الذي ظل جاثما عليه منذ سنوات طوال حتى تحرر من الخوف، قرر هؤلاء الشباب وغيرهم من النشطاء، مقاطعة المؤتمر الفضيحة إسوة بمقاطعة الشعب الجزائري للمسرحية التي أوصلت عبد المجيد تبون لرئاستها، فكان أن أعلن نشطاؤها عن مقاطعتهم له، وأعلنت معه “المبادرة الصحراوية للتغيير” ثم “خط الشهيد” وشخصيات أخرى من ضحايا التعذيب في سجن “الرشيد”، عن عدم مشاركتهم في مهزلة المؤتمر.

يبدو أن الجامع والمشترك اليوم بين قيادة الجبهة ومن يتحكم ويقود الجزائر اليوم، بعد خطاب رئيسها في حفل التنصيب الكثير من المشترك، هو أن مصير البوليساريو مرهون بالوضع في الجزائر، وهو ما حدا بالجبهة لتعبئة مختلف إمكانياتها المالية التي نهبتها من المساعدات الإنسانية لكي تدفع ساكنة المخيمات ممن يحملون الجنسية الجزائرية، للتصويت على الرئيس الذي ارتضاه قايد صالح لحكم الجزائر، فكانت أن حققت ولاية تندوف حيث توجد المخيمات، أعلى نسب المشاركة في الانتخابات وحاز فيها الرئيس الحالي الأغلبية الساحقة من الأصوات، التي هي في الأصل أصوات ساكنة المخيمات، فالجامع بينهما اليوم كثير جدا يمكن ذكر بعضه بنوع من الاختصار:

– القيادتان معا ترفضان التوجه للمستقبل المشترك من خلال رفض الجزائر لليد الممدودة ورهنها باعتذار مغربي للجزائر، مع العلم أنه لو أراد المغرب محاسبة الجزائر، لطالبها بأكثر من اعتذار منذ لحظة دعم المغرب للمقاومة الجزائرية إلى رفضه التدخل في شؤونها الداخلية، وهو الاختيار نفسه الذي نهجته البوليساريو في علاقتها بملف الصحراء وبالمبادرة التي قدمها المغرب لحل النزاع، مبادرة العيش المشترك، رفض القيادة الحالية البوليساريو لا يختلف عن موقف النظام الجزائري في تعبيره عن تهربه من اليد الممدودة المغربية، ويبدو أن التعايش والمستقبل الجماعي، يقلق القيادتين معا، لأنهما لا ينتعشان ولا يستمدان مبررات استمراريتهما إلا في ظل التوتر.

– القيادتان معا ترفضان الاستماع لنبض الشارع، فالنظام الحالي يرفض القيام بالإصلاحات الضرورية استجابة لمطالب الشعب الجزائري، ويصر على المضي قدما في إعادة استنساخ مرحلة الاستبداد التي عاشتها الجزائر منذ الاستقلال إلى الآن، وهي مرحلة تسببت في عشرية سوداء أتت على الأخضر واليابس في البلد الجار، وكان الشعب ضحيتها، إذ وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع الجيش تارة، ومع الإرهاب تارة أخرى، وهو نفس الوضع بالمخيمات حيث قيادة الجبهة ترفض الاستماع لمطالب الساكنة هناك وتصر على الاستمرار في نفس السياسة المنتهكة لأبسط حقوقه الأساسية، وتعرضه لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان لم تستثن أحدا، إذ كان ضحيتها الشباب والرجال والنساء اللواتي تعرضن للاستغلال الجنسي والاغتصاب في ظل صمت وتواطؤ مكشوف من طرف العسكر الذي غطى وسيغطي على هذه الجرائم.

– القيادتان معا مطروح عليهما اليوم سؤال المشروعية، والشرعية الشعبية، فهما معا مرفوضان من قبل الشعب ويرفضان المشاركة في لعبة سياسية سخيفة، مزورة، متحكم في نتائجها، هدفها فقط الاستمرار على الوضع الجامد، فقيادة الجبهة مرفوضة من طرف ساكنة المخيمات وتعيش عزلة قاتلة لها بعد أن انهار مشروعها السياسي والتنظيمي، هي نفس العزلة التي عاشها عبد المجيد تبون الذي تلقى تهنئات جد محتشمة من طرف قيادات العالم، بل منهم من لم يكلف نفسه هذا العناء، ومن القيادات من وجه له ملاحظات حول العملية السياسية التي تمت ودعوه إلى الاستماع والحوار مع المحتجين، نفس الوضع تعيشه الجبهة في مؤتمرها الذي قاطعته أغلب الحركات الأوروبية التي كانت عادة ما تحرص على الحضور لهكذا حدث، كما أن الدول التي كانت ترسل ممثليها للحضور، تجاهلت المؤتمر، ومنها من سحبت اعترافها بالكيان الوهمي قبيل أيام من انعقاد المؤتمر، كما منها من اختارت افتتاح قنصلياتها بالأقاليم الجنوبية الصحراوية، آخرها تمرير ميزانية الولايات المتحدة الأمريكية بالدعم المخصص للأقاليم الصحراوية الذي سيمر عن طريق المغرب.

يبدو أن هناك الكثير مما يجمع اليوم بين تبون وغالي، وهو الجامع الذي يؤكد أن هناك مصيرا مشتركا بينهما، وأن انهيار البوليساريو وتحلل المخيمات ونهاية النزاع، مرتهن بوقوع تغيير حقيقي، جذري، سلمي وديمقراطي بالنظام الجزائري.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box