وجهات نظر

وجهة نظر | ألا يعتبر موقف الحكومة ومن صوت على المادة 9 تمردا وعصيانا لأوامر الملك؟

بقلم: ذ. عبد الواحد بن مسعود*

تتمة لما نشرناه في العدد السابق نطرح السؤال التالي: هل للمادة 9 من مشروع قانون المالية 2020 سند شرعي أو قانوني؟

قطعا، لا ترتكز هذه المادة على أسباب شرعية أو قانونية في بلاد دينها هو الإسلام ويحكمها قانون دستوري، بل إن هذه المادة مخالفة لقول الله تعالى في الآيات: ((يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود))، ((ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل))، ((وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل))، و((وأن احكم بينهم بما أنزل الله)) وأيضا ((وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا))، وكذا قول رسول الله (ص): ((نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه)).

إن القرآن الكريم ينص على نظرة الميسرة، بقول الله تعالى: ((فإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة))، وهذه النظرية تطبق على الأشخاص لا على الدول، لأن المفروض في الدولة ملاءة الذمة، اللهم إذا كانت الدولة نفسها معسرة وتطلب من الدائنين مهلة للوفاء بديونها، وهذا الموقف له أثر وخيم على سمعة الدولة دوليا، فهل وصلت دولتنا إلى حافة الإعسار لتطلب من أصحاب التعويضات عن الضرر الذي لحقهم مهلة استرحامية عسى أن تسدد ديونها في أجل يمتد إلى ثلاث سنوات؟

وبالرجوع إلى قانون الالتزامات والعقود، نجد أن القانون يحرم مبدئيا إمهال المدين في تنفيذ التزاماته أو إجبار الدائن على قبض مستحقاته مقسطة أو على دفعات، وينص على بعض القواعد، منها:

ـ العقد شريعة المتعاقدين.

ـ يكون المدين في حالة مطل إذا تأخر عن تنفيذ التزامه كليا أو جزئيا من غير سبب مقبول، والدولة لم تقدم سببا مقبولا تبرر به عدم تنفيذ الأحكام.

ـ يستحق التعويض إما بسبب عدم الوفاء بالالتزام وإما بسبب التأخر في الوفاء به ولو لم تكن هناك سوء نية من جانب المدين، وهنا نتساءل أيضا: هل التأخير في التنفيذ لمدة ثلاث سنوات ينتج فوائد بالنسبة للمبلغ المستحق؟

فما هي إذن الصعوبات الواقعية أو القانونية التي تتذرع بها الحكومة لإيقاف تنفيذ حكم أو تأجيله؟ ولماذا لم تثر الجهة المدينة تلك الصعوبات عندما كانت القضية معروضة على المحكمة، لتنظر المحكمة في مدى جديتها؟

إن الفقرة الأخيرة من الفصل 440 من قانون المسطرة المدنية تنص على ما يلي: ((إذا رفض المدين الوفاء أو صرح بعجزه عن ذلك، اتخذ عون التنفيذ الإجراءات المقررة في الباب المتعلق بطرق التنفيذ))، لذلك كان رؤساء المحاكم الإدارية على حق ويطبقون القانون، لما أمروا عون التنفيذ باتخاذ الإجراءات التحفظية إذا رفض المدين الامتثال لما حكمت به المحكمة.

ومن القواعد المعروفة في قانون المرافعات، أن الحكم يحوز قوة الشيء المقضي به، ولا يمكن المساس أبدا بتلك الحجية وإلا فقدت الأحكام هيبتها.

ولقد صدرت عن بعض رؤساء الحكومات السابقة عدة مناشير تشير إلى ضرورة تنفيذ الأحكام، كان من جملتها المنشور الصادر عن رئيس الحكومة الأسبق، عبد الرحمان اليوسفي، وقبله رئيس الحكومة عباس الفاسي.

ومما ورد في رسالة عمر بن الخطاب قوله: ((لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له)).

كما أن هذه المادة، مخالفة لأحكام الدستور الذي ينص على احترام القانون، وأول من يقع عليه احترام القانون: الدولة، وأولياء الأمور، ليكونوا قدوة ومثالا يحتدى.

ومن مضار هذه المادة، كونها تسيء إلى سمعة المغرب، لأن الآمر بالصرف أصبح صاحب الكلمة العليا، وله الحرية المطلقة في كيفية تنفيذ الأحكام، ومن يقدمه ومن يؤخره تبعا لما هو سائد ومعروف، كما له الكلمة في موضوع تفسير المقصود بالمؤسسات العمومية.

وبقيت مصيبتنا في نوابنا في البرلمان، بمن فيهم المعارضة التي من المفروض أن تكون أول من يطلب حذف هذه المادة، بأن تقوم المعارضة بحملة تدعو فيها إلى التصويت بالإجماع لحذف هذه المادة.

فموقف النواب يعرفه الخاص والعام، لأن هذه المادة لن تضرهم شخصيا، ولا فائدة من ذكر أسباب التضامن مع الحكومة في التصويت بـ”نعم”.

إن التطبيق العملي لهذه المادة سيكشف عن عيوبها، بل ومآسيها وعواقبها كما حدث في أداء ضريبة مغادرة التراب الوطني ثم وقع العدول عنها، فالآمر بالصرف سيصبح هو صاحب الكلمة في تعريف المرفق العمومي، وما يدخل تحت هذه المادة، وسيتوسع في التفسير، ليشمل الوزارات، والجماعات المحلية، والمكاتب الوطنية، والوكلات، وحتى الشركات التي تقوم بتسيير مرفق عمومي كالبريد والنقل وغيرهما.

إن هذه المادة قوضت دعائم الضمانات في استيفاء الديون، وتعد تراجعا خطيرا عما ورد في قانون التنظيم القضائي بالمملكة، ونكسة كما ذكر البعض.

نعود مرة أخرى لقانون الالتزامات والعقود، ونجد الفصلين  اللذين لم تلتفت لهما حكومة الكفاءات، وهما الفصل 79 والفصل 80، إذ ورد في الفصل 79: ((الدولة والبلديات مسؤولة عن الأضرار الناتجة عن تسيير إداراتها وعن الأخطاء المصلحية لمستخدميها))، وورد في الفقرة الأولى من الفصل 80: ((مستخدمو الدولة والبلديات مسؤولون شخصيا عن الأضرار الناتجة عن تدليسهم، أو عن الأخطاء الجسيمة الواقعة منهم في أداء وظائفهم)).

إن الوزارة الوصية التي سمحت بتمرير المادة 9، هي التي تولت شرح الفصلين المذكورين في الكتاب الذي أصدرته ويتعلق بـ”شرح قانون الالتزامات والعقود” وهو مكون من جزأين، واعتمدت تلك الوزارة على آراء الفقيه دولو بادير (جريدة “المحاكم المغربية” الصفحة 25 عدد 923 بتاريخ 20 فبراير 1943، والصفحة 49 من عدد 926 في 3 أبريل 1943)، وجاء في الجزء الأول وابتداء من الصفحة 187، أن ((الوزارة تسلم بأن للقاضي، حسب الظروف وبالنظر لحاجيات المجتمع، الحرية في تقدير أي القواعد أولى في التطبيق، هل التي تنبني على نظرية الخطأ، أو التي ترتكز على نظرية الضرر وتحمل التبعة))، وجاء في الصفحة 187: ((حقا، أنه لما يتنافى مع روح الإنصاف، أن يتحمل المتضرر وحده عواقب الضرر الناشئ عن تصرف تستفيد منه الجماعات العمومية…)).

وهذا التوجه هو الذي جاء أيضا في كتاب “نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي/ الجزء الأول مصادر الالتزام” للدكتور مأمون الكزبري، حيث شرح في الصفحة 591 ((مسؤولية موظفي الدولة))، وذكر أن ((الأضرار الناجمة عن الأخطاء الإدارية تسأل عنها الدولة أو البلدية وحدها)).

وإذا كانت الدولة أو البلديات قد تصرفت بشكل أضر بشخص معين، وأصبح هذا الأخير دائنا لهما بالتعويض، فإن أموال المدين، أي الدولة أو البلديات، تعتبر ضمانا عاما للدائنين طبقا لمقتضيات الفصل 1241 من قانون الالتزامات والعقود، وللدائن أن يتخذ جميع الإجراءات التحفظية، ومنها الحجز، ليضمن استيفاء مستحقاته.

والقانون تكفل ببيان عناصر التعويض الواجب لإصلاح الضرر، وذلك في الفصل 98 من قانون الالتزامات والعقود، إذ نص ذلك الفصل على ما يلي: ((الضرر في الجرائم وأشباه الجرائم، هو الخسارة التي لحقت المدعي فعلا، والمصروفات الضرورية التي اضطر أو سيضطر إلى إنفاقها لإصلاح نتائج الفعل الذي ارتكب أضرارا به، وكذلك ما حرم منه نفع في دائرة الحدود العادية لنتائج هذا الفعل، ويجب على المحكمة أن تقدر الأضرار بكيفية مختلفة حسبما تكون ناتجة عن خطإ المدين أو تدليسه)).

فهل سينتظر الدائن المتضرر انصرام ثلاث سنوات في انتظار تنفيذ الحكم ويعاني من المصائب والأهوال طيلة هذه المدة، ويبقى تحت رحمة وأهواء ومزاجية الآمر بالصرف؟

يبقى الأمر موكول الآن لغرفة المستشارين، وللمحكمة الدستورية، التي تراقب مدى مطابقة القانون لأحكام الدستور.

ويثور سؤال آخر: لماذا وردت هذه المادة في مشروع قانون المالية؟

إن المشرع نص في القانون المحدث للمحاكم الإدارية، على أن ((قانون المسطرة المدنية يطبق أمام المحاكم الإدارية))، وأحال على عدد من الفصول الواردة في قانون المسطرة المدنية، ومن ذلك:

– المادة 3 تحيل على الفصل 32 من قانون المسطرة المدنية.

– المادة 4 تحيل على الفصل 329 والفصل 333 إلى الفصل 336 من قانون المسطرة المدنية.

– المادة 10 تحيل على الفصل 27 وما يليه إلى الفصل 30 من قانون المسطرة المدنية.

– كما أن المواد 14 و16 تحيل على فصول وردت في قانون المسطرة المدنية.

ألم يكن من الأحسن أن تنزل المادة 9 من مشروع قانون المالية لسنة 2020 ضيفا على قانون المسطرة المدنية، وأن تدخل تعديلا على الفصل 458 من قانون المسطرة المدنية الذي ينص على الأشياء التي لا تقبل الحجز، ويضاف ذلك التعديل إلى الفصل 458 من قانون المسطرة المدنية بفقرة تحمل رقم 8 تتعلق بالدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية، ويصبح الفصل كما يلي:

((لا تقبل الحجز على الأشياء التالية:

1) فراش النوم والملابس وأواني الطبخ اللازمة للمحجوز عليه ولعائلته.

2) الخيمة التي تأويهم.

3) الكتب والأدوات اللازمة لمهنة المحجوز عليه.

4) المواد الغذائية اللازمة لمدة شهر للمحجوز عليه ولعائلته التي تحت كفالته.

5) بقرتين وستة رؤوس من الغنم أو المعز باختيار المحجوز عليه، بالإضافة إلى فرس أو بغل أو جمل أو حمار باختيار المحجوز عليه مع ما يلزم لأكل وفراش هذه الحيوانات مدة شهر من تبن وعلف وحبوب.

6) البذور الكافية لبذر مساحة تعادل مساحة الملك العائلي.

7) نصيب الخماس ما لم يكن لفائدة رب العمل.

8) أموال وممتلكات وأدوات وآلات الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية)).

إن الحكومة تتذرع بكون الأحكام بأداء التعويضات ترهق ميزانية الدولة والجماعات المحلية والترابية والمؤسسات العمومية، لذلك يمكن رفع هذا الإرهاق والعجز المالي، باتخاذ بعض الإجراءات، ومنها على سبيل المثال ما يلي:

1) اختيار أو انتخاب الأكفاء وأصحاب المؤهلات لتسيير الجماعات المحلية والترابية، والاستمرار في تكوينهم إداريا حتى يتجنبوا الشطط في استعمال السلطة.

2) احترام العقود التي تبرم مع المقاولين والموردين، والكف عن ابتزازهم.

3) التقليل من التظاهرات والحفلات والأسفار وأداء التعويضات، واستغلال موارد الدولة وشراء السيارات الفخمة، وإعادة النظر في المرتبات العليا، ورواتب التقاعد، وتعويضات انتهاء المهام.

4) تقليص عدد الوفود التي ستشارك في المناسبات كيفما كان نوعها، دينية كانت أو دنيوية.

5) منع الاعتداء المادي وسلب ممتلكات المواطنين بدون وجه حق أو مبرر شرعي.

6) التقليل من اتباع مسطرة نزع الملكية، واقتناء تلك العقارات بالطرق العادية  وعدم الإقدام على نزع الملكية إلا بعد توفر الغلاف المالي المتعلق بأداء التعويض عن نزع الملكية، وموضوع نزع الملكية وأداء التعويض كان محل خطاب ملكي سامي بمناسبة افتتاح دورة تشريعية للبرلمان.

7) أن يتحمل المسؤولية المالية كل من أقدم على عمل يتسم بالشطط في استعمال السلطة.

8) سن قانون زجري يعاقب كل من امتنع بدون موجب شرعي عن تنفيذ حكم نهائي.

9) إعادة النظر في الدعم المالي الذي يقدم لجهات لا تقوم بأي نشاط ثقافي أو اجتماعي أو تأطير المواطنين.

10) وللدولة أو الجماعات وغيرهما أن تقيم وتشيد ما تحتاج إليه على الأراضي التي تملكها الدولة، إما ملكية عامة أو ملكية خاصة، وكذلك من فائض أراضي الجموع والكيش والأوقاف، وجزء من الأملاك الغابوية، لتخفف من وطأة نزع ملكية الخواص.

وعليه، وبناء على ما ذكر وسطر، نرى من جانبنا ضرورة حذف هذه المادة، لأنها تفتقر للسند القانوني والشرعي.

* من هيئة المحامين بالرباط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق