في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | ويــل للــوزراء

بقلم: مصطفى العلوي

“ويل للوزراء”، وأقف عندها مثلما يقف الكثيرون عند “ويل للمصلين”.. لأن ويل للمصلين على وزن ويل للمطففين، سورة في القرآن، وويل للوزراء حديث نبوي (رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة)، وكان الخليفة أبو بكر الصديق، هو الذي ابتدع في حياة الرسول لفظة الوزراء مستنبطا هذه التسمية من “الوزر” وثقل المسؤولية، فروت عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر كان يتكلم إلى “الأنصار” فقال لهم: ((نحن الأمراء، وأنتم الوزراء)).

وبقيت الدنيا تتدحرج وتنزلق، ولم يبق الوزراء من الأنصار.. وإنما أصبح فيهم من هم أقسى من قلوب قريش الكفار، وأصبح فيهم السفهاء والفجار، وقطاع الطرق والمقامرون الأشرار، والسماسرة والفساق، والصعاليك الكبار، وكل يوم ترذلون. ولا حول ولا قوة إلا بالله القوي الجبار..

وإن كنت لا أقصد كل من يسمون أنفسهم وزراء فيما يسمى بالحكومة الحالية، إلا أنه شتان ما بين وزراء متأصلين من ينبوع التربية الإسلامية على نهج السنة المحمدية، أولئك الذين حملوا الإسلام إلى قلب أروبا وأقاموا الجادة بها، ولازالت شاهدة قائمة أربعة عشر قرنا، وبين وزراء تخصصوا في وضع وزر الوزارة على أكتاف كاتباتهم، وقد سمعنا وقرأنا أن كاتبات عندنا، أصبحن يمضين القرارات، ويعينن نيابة عن الوزراء(…) لفرط تأثيرهن على من كان يختار ويرشح بعض الوزراء.. وأصبحت بعضهن وزيرة فوق الوزير(…) وإن كان ليس لها ظهير(…).

ولست أدري، لماذا تحرمنا الأيام في مغربنا من متعة التفرج على سقوط الوزراء المخطئين في أتون الويل النبوي.. وهي فرجة تمتعت بها الأجيال قبلنا، وسارت بذكرها الركبان فأطربت تفاصيلها سمعنا.

فمنذ عهد نبينا الذي قال “ويل للوزراء” إلى زمن الاستخفاف بالأخلاق، وانقلاب الموازين، حتى أصبح بعض الوزراء هم الويل بعينه، ملئت كراسات التواريخ بنماذج سقوط الوزراء المسيئين في الويل، الذي وعدهم به النبي عليه السلام.

وكان سقوط الوزراء هو المسلسل المشوق الذي سبق مسلسلات الفضائيات.

حتى أن أحد الشعراء المعارضين كان مارا ذات يوم في عهد العرب بالأندلس – وقد أصبحنا نتعود اليوم على تعبير: “العرب بالباب”- كان هذا الشاعر في حضرة وزير يسمى “أبو عمار”، وهو رجل متنطع، فضرب الوزير الشاعر بركلة، والركل طبعا من صفات البهائم، لا من صفات البشر، فكتب الشاعر إلى السلطان رسالة فيها بيتان من الشعر يقول فيهما:

قل للخليفة يا بن عم محمد             ارفع وزيرك إنه ركال

اشكله عن ركل الرجال وإن ترد      مالا فعند وزيرك الأموال

فلم يكن نهب الأموال من شيم(…) الوزراء في عهدنا الحاضر.. وحدهم إذن.. وإنما، كما نرى ارتبط النهب بحياة الوزراء عبر القرون والأجيال، ولولا نهبهم لما تجددت ثقة الشعوب في أولى أمرهم، كلما جروا الوزراء المفسدين إلى مقصلة الموت أو حولوهم إلى فرجة التتريك، كما هو ثابت في النصوص الشرعية، هو مساءلة كل مستغن بدون شرع: من أين لك هذا.. ومحاسبته، وسحب كل مكتسباته وصبها في صندوق المخزن.. عمره الله.

وتذكرون الأيام التي سمعنا فيها أنه في مغرب العجائب والمصائب يا سادة يا كرام، ويا كل سيدة وكل “مدام” أن التحقيقات التي كانت جارية في مجال التهريب، والحشيش والمال الحرام.. أوصلت إلى شخصيات عالية المستوى، اتضح أنها كانت تغرف من أموال الحشيش، وأنها نظرا لضخامة مسؤولياتها، أو لسوابق اطلاعها على جزئيات هامة من خبايا الدولة وأسرارها، فلابد من الاكتفاء بإدراجها في عداد ما “صار بالبال” وتعبير “المسؤولين الكبار” كما كانت تريد صحف المعارضة آنذاك، المطالبة بالمحاسبة، أن تقف عند هذا الحد في التعبير عنهم خوفا ولا شك من الوصول إلى أسماء بعض أقطابها.. وتلك هي معضلة المعارضة، وهو تعبير يعني أسماء لوزراء سابقين ومعاصرين نواب برلمانيين، حاليين وسابقين، وكوميسارات وعمال ورجال سلطة على كل المستويات.. تحملوا وزر المسؤولية، فهم، وإن لم يكونوا يحملون اللقب “وزراء” مادام، تعبير الوزير، منطلقا من تحمل الوزر.. فإنهم بمثابة وزراء إذن.. فنصيبهم من الويل، كما جاء في حديث الرسول عليه السلام، لا مفر منه، لأن انعدام العقاب يبقى وصمة عار فوق جبين الدولة(…) على الدوام.

فلم يعرف لتاريخ الإسلام نظائر متعددة لوزير عالم قطب فيلسوف مصلح(…) مفكر، سارت بذكره الركبان، وذاع اسمه وصيته في المشرق والمغرب والأندلس، وكان أول من تحمل لقب ((ذي الوزارتين)) “لسان الدين ابن الخطيب”، توزر في المغرب والأندلس (عند دولة بني الأحمر في الأندلس والمرينيين في المغرب) وسماه المستشار المؤرخ المرحوم عبد الهادي بوطالب في أحد كتبه، بذي الوزارتين، حتى أن ابن خلدون قدمه في تاريخه على أنه الوزير المثالي، واهتم بتخليد قصة حياته التي كانت نموذجا لويل الوزراء(…).

ذلك أن هذا الوزير الذي تناثرت ميزات الصلاح على أطراف مجده، كان ضعيفا أمام المال هو بدوره، لم يستطع أحد أن يتجرأ على الإشارة بأصبع إليه، خصوصا وأنه كان يحظى بعطف خاص من السلطان، ما أن هبت ريح أوضاع سياسية إصلاحية، كتلك التي هزت هذه الأيام أشجارنا العاتية، حتى هرب الوزير ابن الخطيب إلى الأندلس، مثلما يحضر كثير عندنا للهرب عبر الأندلس(…) مما جعل أحد صحفيي عصره ويسمى القاضي “النباهي” كتب إليه رسالة يقول له فيها: ((همزتم، ولمزتم.. وجمعتم من المال ما جمعتم، ثم هربتم بأثقالكم)).

وبعدما استمر ذو الوزارتين ابن الخطيب في التلاعب بين دولتي بني الأحمر في الأندلس والمرينيين في المغرب، حتى كادت الحرب تشتعل بين الدولتين، وغلب العطف السلطاني على كلام المعارضة(…) اضطر القاضي المؤرخ “النباهي” إلى كتابة رسالة كانت في ذلك الزمان تحل محل الافتتاحيات عندنا، يقول فيها عن “ابن الخطيب” وأشباهه وأنصاره والمحيطين به(…) ((أنهم حديثو العهد بالنعمة وأن ثروتهم هذه لم تأت إلا عن طريق المنصب والسلطة)). يقول ابن خلدون بالجزء الثامن: ((وتغيرت الأوضاع السياسية بالمغرب..)) فعاد “ابن الخطيب” من الأندلس، ليتقرب من السلطان الجديد الذي بويع وكان طفلا، واسمه “محمد السعيد”، معتقدا أنها الفرصة التي سيصبح فيها الوصي، فمهد لتلك المرحلة بكتابة مؤلف تزليفي(…) بعنوان: “أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام”، ولكن الرأي العام الوطني(…) كان صارما في حق الوزير الذي هرب أموال الدولة، فلم يهدأ للمغاربة خاطر، إلا بعد أن تسرب مسجون صعلوك إلى سجن الوزير القوي “ابن الخطيب” بعد اعتقاله، على يد وزير أقوى منه، وبعد عراك بين المسجونين(…) انتهى العراك بموت الوزير.. ودفن في باب محروق بفاس، وانتهت قصة واحد من الوزراء الأقوياء.. بعد أن طبقت الأقدار في حقه مقولة النبي عليه السلام. ويل للوزراء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box