في الأكشاك هذا الأسبوع

بمناسبة اليوم العالمي للطفل.. الطفولة والتحصيل الدراسي

الأسبوع. ذ. كمال كحلي

يعتبر التحصيل الدراسي للأطفال، والمتعلمين عموما محصلة، لعدة عوامل، منها عاملين أساسيين: مستوى تطور نموهم الناتج المُركب للنضج والرعاية (التطور الجسمي والعقلي والاجتماعي والتطور الانفعالي..)، ومستوى التعلم أو الخبرات التي تزودهم بها البيئة (الأسرة، المدرسة..) التي يعيشون فيها، فهو عبارة عن تفاعل بين استعداد كامن لدى الطفل وبين الخبرة أو التعلم أو الرعاية التي يمر بها، وهما عاملين، بالإضافة إلى اختلاف فرص التعلم أمامهم، أسباب قادرة على خلق الفروق بين الأطفال والمتعلمين على مستوى التحصيل.

كما أن التحصيل يأتي بالتدرج والاستعداد، فمثلا القدرة على القراءة عند الطفل، تحصيل تراكمي يبدأ في أشهره الأولى بعد الولادة باكتساب اللغة التي هي عملية تتمثل أولى مراحلها في الخبرة الحسية من سمع وبصر وذوق وشم وحس، تليها بعد ذلك، قدرته على فهم وتمييز الأصوات التي تتحول إلى كلمات طبيعية في محيط الأسرة، وتعتبر الكلمات التي تصبح عندئذ جزء من محصوله اللغوي، أساسا جوهريا تقوم عليه القدرة على القراءة فيما بعد، وما أن يحين موعد التحاقه بالمدرسة حتى يكون قد اكتسب قدرة فائقة على التحدث باللغة وضبط قواعدها، وتنمو بذلك قدرته على التعمق في فهم مختلف مواد القراءة والاستفادة منها بما يتناسب مع نموه.

يقول ابن خلدون في وجه الصواب في تعليم العلوم وطريق إفادته: “اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين، إنما يكون مفيدا إذا كان على التدريج شيئا فشيئا، وقليلا قليلا يلقى عليه.. وتراعى في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه.”

إن اكتساب القدرة على القراءة عند الطفل متلازمة مع النمو، فنتائج بعض الأبحاث التي قامت على عدد من الأطفال الذين تعلموا القراءة بطريقة تلقائية نهاية مرحلة ما قبل الدراسة، أظهرت أنهم سريعو النمو في مختلف الاتجاهات، والذين لم يحرزوا تقدما ملموسا رغم بلوغهم المستوى الثاني أو الثالث في المدرسة الابتدائية، تبين أنهم بطيئوا النمو في مختلف الاتجاهات كذلك، بمعنى أن عملية القراءة عملية تطور تدخل فيها السرعة التي يحقق بها الأطفال نضجهم، فليس بوسع التعليم وحده أن يخلق التجانس في جميع الأطفال وأن يصل بهم إلى نفس مستوى القراءة في سن معينة، فهم يتفاوتون في سرعة نموهم وتباين استعدادهم وقدراتهم على التعلم ولو مروا بذات التجارب والخبرات، فتميز بعض الأطفال، باستطاعتهم القراءة في سن مبكرة أو الإبداع فيها وهم ما يزالون في الصف الأول، فيعتقد البعض أن هذه النتيجة مردها الدروس الخصوصية أو مجهودات الأبوين داخل البيت، وإن كان السببان داعمين، فما يحدث بالفعل، هو أن الطفل يبدي اهتمامه بالحروف أو الأرقام، فيساعده من حوله، وسرعان ما يستطيع معرفة الكلمات والعبارات فنسمعه يتساءل عما تعنيه هذه أو تلك، وقد يعمد أبواه أو المعلم إلى تزويده بالكتب السهلة أو إلى كتابة الكلمات وقراءتها له، فيصبح الأمر عملية تبادل بين جانبين: طفل يبدي استعدادا فيساعده من حوله، فيطلب منهم المزيد من المساعدة، والجهد الكبير الذي يبذله البعض في تعليم الطفل بافتراضهم أن يخلقوا فيه الاستعداد وينموا لديه المهارة، لكن الذي يحدث، هو أن الطفل الذي يعوزه الاستعداد، يقابل مثل هذا التعليم بالعزوف وعدم الاكتراث.

يقول ابن خلدون: “وإذا ألقيت عليه الغايات في البدايات وهو حينئذ عاجز عن الفهم والوعي وبعيد عن الاستعداد له كل ذهنه عنها، وحسب ذلك من صعوبة العلم في نفسه، فتكاسل عنه وانحرف عن قبوله وتمادى في هجرانه”، و”لا يخلط مسائل الكتاب بغيرها حتى يعيه من أوله إلى آخره، ويحصل أغراضه، ويستولي منه على ملكة بها ينفذ في غيره، لأن المتعلم إذا حصل ملكة ما في علم من العلوم، استعد بها لقبول ما بقي، وحصل له نشاط في طلب المزيد والنهوض إلى ما فوق، حتى يستولي على غايات العلم، وإذا خلط عليه الأمر، عجز عن الفهم وأدركه الكلال وانطمس فكره ويئس من التحصيل، وهجر العلم والتعليم”.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box