الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | السلطان صاحب الفيل ومغامراته مع طبيب الأسنان.. في ظروف إمضاء عقد الحماية

بقلم: مصطفى العلوي

تعود بنا هذه الإطلالة على جزء من تاريخ المغرب إلى جزئيات نسيها أو تناساها كل المؤرخين الذين كتبوا تاريخ المغرب، وخاصة في تلك المرحلة، التي أدت إلى فرض الحماية الفرنسية، بواسطة الجنرال ليوطي الذي كان يخطط لغزو المغرب من موقع قوته في الجزائر.

وهي المرحلة التي كانت أحداث الصراع على العرش قد حولت الإخوة الأمراء عندنا إلى إخوة أعداء، خصوصا عندما  اشتعلت هذه الحرب شعواء، بين الأخوين السلطان مولاي عبد العزيز وأخيه الأمير مولاي حفيظ الذي انتقلت ثورته ضد أخيه من مراكش بدعم من قبائل الرحامنة (ابن جرير) وهي الثورة التي هزمت سلطان الرباط عبد العزيز، ونصبت أخاه عبد الحفيظ سلطانا على هذه الدولة، التي زادتها تضخما الأخطاء الصبيانية التي ارتكبها السلطان المبتدئ(…) عبد العزيز، بعد أن أصبح سلطانا على هذا الوطن المفجوع(…) وهو في سن الاثني عشرة سنة، نتيجة اتفاق بين أمه الأرملة قيقا، والرجل القوي الذي تسلم الحكم بعد موت الحسن الأول، باحماد.

وكان السلطان مولاي حفيظ (سنة 1908) قد اختار بحكم ثقافته ومعرفته بطموحات الشعب المغربي، أن يسمي نفسه ملك الجهاد، الظاهرة الإسلامية في ذلك الزمان أيضا(…) وهي التي أثارت سخط القوات الفرنسية والإسبانية، وحتى الإنجليزية والألمانية ليتحالفوا، بعضهم عسكريا، وبعضهم سياسيا، من أجل تحويل انتصار سلطان الجهاد إلى مرحلة عابرة(…) سبقت توسيع نطاق الاحتلال الأجنبي للمغرب، بإمضاء عقد الحماية، الذي تواترت خلافات الكتاب الذين اهتموا بهذا الموضوع، بعشرات الكتب، وقد اختلفت بين من كتبوا بأن سلطان الجهاد عبد الحفيظ هو الذي أمضى عقد الحماية، ومن كتبوا باستحالة أن يكون سلطان الجهاد هو الذي أمضى عقد الحماية الفرنسية للمغرب، وكيف يمضي هذا العقد المذل للشعب المغربي، وهو الذي كتب أضخم المذكرات التي لم يكتبها قبله ولا بعده أي سلطان غيره(…) حين كانت مذكرات السلطان عبد الحفيظ هي الرصيد الوحيد الذي ألفه بعنوان “داء العطب قديم” وهو في منفاه الفرنسي سنة 1938.

وتبقى الإشكالية التي يتوسع فيها هذا الموضوع، بالضبط هو ذلك التناقض عند بعض السلاطين(…) بين موقعهم الجهادي والسياسي، ومسؤولياتهم الضخمة في القيام بهذه الواجبات، وبين اندحارهم أمام الظروف المخزنية والطقوس السلطانية.. وما أدراك ما الطقوس السلطانية..

وقد أبدع القرآن الكريم في إعطائنا نموذج التقارب بين هذه الطقوس وعام الفيل، مسميا سلاطين زمن غابر في القرآن بأصحاب الفيل، متسائلا: “ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل”، وسنرى قصة السلطان مولاي حفيظ والفيل بكل تفصيل، وقد يتساءل القارئ مستغربا هذا الانتقال من سلطان الجهاد إلى صاحب الفيل، رغم أنه تحول لم يشر إليه أي مؤرخ كتب عن هذا السلطان المجاهد الذي تم نفيه بعد الإطاحة بعرشه، وشوهد في بارات باريس(…) إلى أن أمر الملك محمد الخامس بنقل جثمانه لدفنه في المغرب.

فما أن استقر السلطان مولاي حفيظ في قصره بفاس، بصفته سلطان الجهاد، وتعرضه لمعارضة إسلاميين أكثر منه حدة(…) حاربهم حين غلبت عليه السلطنة، وأصبح جبارا عنيدا، تحت أعين صديقه الصحفي البريطاني “والطير هاريس”، الصحفي الوحيد الذي حكى عنه كيف أنه استقدم طبيب أسنان من إسبانيا، أحضر تجهيزاته التي كان أهمها كرسيا متحركا، ما أن جلس عليه السلطان المجاهد، حتى أعجبته حركات ذلك الكرسي، ليوقف طبيب الأسنان عن محاولاته فتح فمه، ويقول له: أوقف كل شيء، واذهب إلى إسبانيا لتحضر لي كرسيا مثل هذا، أجعل منه عرشا لي، واستحسن طبيب الأسنان الفكرة، ووعد بتحضير العرش المتحرك لجلالة السلطان.

وتوطدت العلاقة بين السلطان وطبيبه في الأسنان، الذي كان كلما طلب منه فتح فمه، أخرج له السلطان حجة للابتعاد عنه، بما فيها لعب طرح من الكارطة، التي كان السلطان يعشق اللعب فيها بما يسمى البريدج..

وبلغ الاستئناس السلطاني بطبيب الأسنان الإسباني درجة جعلت السلطان يختار أحد القصور القريبة من دار المخزن، ليعطيه مقرا قريبا منه ليجعله الطبيب الإسباني مسكنا له.

ويحكي الصحفي الإنجليزي والذي كان حاضرا، أن السلطان أوقف مرة أيادي طبيب الأسنان، وهي تفتح فمه، ليقول له: أكلفك هذه المرة أن تسافر إلى همبورغ في ألمانيا لتشتري لي بعض الأسود من سوق هناك قالوا لي أن اسمه سوق “هاكبيك”، وفعلا أحضر الإسباني عددا من الأسود، أطلقها السلطان في حدائق بيته بفاس.

وكتب الصحفي البريطاني، وليس غريبا في طقوس القصر السلطاني، أن يتحول طبيب الأسنان إلى تاجر اسود، كل هذا والسلطان ينتظر العرش المتحرك الذي وعده به طبيب الأسنان الإسباني، إلا أن فاتورة الأسود، كانت غالية كما قدمها الطبيب الإسباني، وعندما طلب منه السلطان بعض البيانات اختفى طبيب الأسنان الإسباني، وأرسل لينوب عنه في مهمة أسنان السلطان طبيبا أمريكيا ما إن دخل على السلطان رفقة ممرضة جذابة(…) وبدأ يفتح بيديه فم السلطان، حتى أوقفه مولاي حفيظ، ودعاه إلى لعب طرح من البريدج، حيث كان الأمريكي يربح كل مرة، لدرجة جعلت السلطان يقول للصحفي “هاريس”: ((هذا الأمريكاني جاء ليؤلمني في أسناني، ويأخذ أموالي، خصوصا وأن طبيب الأسنان الأمريكي كان يعد في فواتيره الساعات التي يقضيها في معالجة السلطان)) (مذكرات هاريس).

وحتى لا نبتعد قليلا عن مغامرات الطبيبين الإسباني والأمريكي، ونقترب من حكاية عام الفيل، نذكر بأن حياة السلطان مولاي حفيظ كانت مرهونة بالتحضير لعقد الحماية، وزيارات المارشال ليوطي الذي توسع الصحفيون في سرد خبايا مقابلاته مع السلطان، ليحكي الصحفي البريطاني “هاريس” أنه كان جالسا مع السلطان في حديقته بقصر فاس، وبينما السلطان مشغول عنه وأعين السلطان مشغولة بتتبع حركات فيلين، كانا رابطين بحجمهما الضخم اهتمام السلطان، بينما الصحفي البريطاني يحدثه عن أبعاد إمضائه لعقد الحماية، وإمكانية إبعاده عن العرش ونفيه إلى طنجة.

ليتوقف السلطان عن مشاهدة الفيلة، وينادي على أحد العبيد، ويقول له: هذان الفيلان انقلوهما إلى قصر طنجة..

ليحكي الصحفي، أن نقل الفيلين إلى طنجة كان سببا في أزمة شغلت السلطان والرأي العام بشكل غريب.

فقد جاءه أحد العبيد مرة وقال له: إن أحد الفيلين عندما أردنا إخراجهما من حديقة القصر، هرب إلى أطراف بادية فاس، وبينما الفاسيون لم يشاهدوا فيلا أبدا، فقد هيمن عليهم الخوف، وهربوا من بوادي فاس، والناس، يقول الصحفي، يبحثون عن الأسلحة لضرب الفيل، والذين عندهم أسلحة يضربون ذلك الفيل، فلا يحس برصاصهم، ولا بالجروح التي يحدثها الرصاص في جلود الفيل، والعبيد يأتون لينقلوا أخبار الفيل الهارب للسلطان.

ومرة جاءه عبد آخر، ليقول له: إن الفيل دخل إلى أحد المخازن الفلاحية، ليقول الصحفي، أن السلطان أمرنا بالوقوف لنذهب إلى الموقع الذي يتواجد به الفيل في

ضاحية فاس، وعندما وصلنا إلى موقع الفيل، كان الإشكال أنه جلس بأقدامه الأربع، وبقي المشكل كيف نرفعه ليقف على رجليه، وجلالة السلطان يفكر في هذه الإشكالية.

وتصدر الأوامر السلطانية بإحضار شاحنة وربط الفيل ورفعه إلى السماء، بعد أن أحاط العبيد بالفيل، وأخذوا يصلون على النبي وهو يهتز إلى أن تم رفعه إلى أعلى.

وتبقى الأزمة الكبرى كما حكاها الصحفي “هاريس”، تكتسي طابعا سياسيا دوليا(…) فقد انتهى غضب السلطان حين أمر جنوده بالذهاب إلى المسكن الذي سبق أن أعطاه لطبيب الأسنان الإسباني الغشاش لينطلق الرصاص الإسباني على الحراس المهاجمين المغاربة الذين كان فيهم فرنسيون ((وكنت أنا الوسيط بريطاني، والأسود التي استحضرها طبيب الأسنان من ألمانيا بمحضر طبيب الأسنان الأمريكي.. أوه.. إنها أزمة دولية)).

وقد ذهبت عند السلطان في قصره ونصحته باستقبال طبيب الأسنان الإسباني الذي قبل مغادرة سكناه مقابل حصوله على ديونه على السلطان.

وكان السلطان جالسا لا يلتفت إلى الإسباني، والإسباني يصيح: ادفع لي ثمن الأسود، والسلطان يقول دون أن يرفع رأسه أين الكرسي المتحرك الذي طلبته منك، لتنتهي المقابلة بأن دفع السلطان بعض الأموال للطبيب الإسباني.

أما بعد.. ففي 28 يوليوز 1912 أعلن مولاي حفيظ تنازله عن العرش لفائدة أخيه مولاي يوسف أب محمد الخامس، ثم استقر منفيا في باريس إلى أن توفي يوم 14 أبريل 1937.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق