الحكومة القوية لا تعني استعراض القوة ضد المواطنين

بقلم: ذ.حسوني قدور بن موس

الحكومة القوية لا تعني السلطة التي تستعمل القوة وتسخر أجهزة الشرطة والعساكر ضد المواطنين وتقمع الحريات الفردية والجماعية وترهب المواطنين باستعمال السلاح وتبث الخوف والرعب في النفوس، بل هي الحكومة التي تتمتع بتأييد شعبي وسياسي شامل، وتحظى بأوسع مساحة من التضامن السياسي، وتستطيع تقديم مشاريع علمية لمعالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في البلاد، ويتم ذلك عن طريق أوسع مشاركة للقوى السياسية الموجودة في الساحة السياسية، هذا فضلا عن فسح المجال لمختلف أوساط الجماهير ولا سيما غير المنتمية، وجمعيات المجتمع المدني، والمهن الحرة، ويتطلب هذا إطلاق الطاقات الشعبية وليس كبتها أو احتواءها بالقوة، والحكومة عندما تكون قوية بهذا الشكل الصحيح، ستحوز أوسع تأييد ومشاركة من الشعب الذي سيقف معها ويبذل المزيد من أجل إنجاحها وبقائها في الحكم، فمنذ استقلال المغرب، ظلت الساحة السياسية تشهد أحداثا حافلة بمظاهر العنف بين الأحزاب من أجل الحصول على مقاعد في البرلمان أو مناصب في الحكومة، الأمر الذي أدى الى وقوع أزمات سياسية خطيرة كان ضحيتها الشعب المغربي الذي عانى من مظاهر الفقر والحرمان في جميع المجالات، ومن أهم هذه الأزمات، حل البرلمان في 7 يونيو 1965 وإعلان الملك الراحل الحسن الثاني نفسه حاكما مطلقا، واتهمته المعارضة اليسارية بالدكتاتورية والانفراد بسلطة القرار، واعتبرت الدستور ممنوحا وضع على مقاسه لا يعكس الإرادة الشعبية، وقد ظهرت أحزاب مخزنية خرجت من الماء العكر، زادت من حدة الأزمات السياسية، فظهر حزب “جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية” القريب من القصر، والذي يشبه حزب الأصالة و المعاصرة، فتأزمت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والمالية، وخرجت على إثرها احتجاجات في شوارع الدار البيضاء بعد صدور قرار وزير التربية الوطنية، يوسف بلعباس، بطرد كل تلميذ تجاوز عمره 17 سنة من التعليم الثانوي، فتظاهر مئات التلاميذ رفقة أمهاتهم في الشوارع احتجاجا على القرار، ما خلف عشرات القتلى، في حين كان الوزراء والأثرياء والمقربون من المخزن، يرسلون أبناءهم إلى أوروبا لمتابعة دراستهم، وإلى يومنا هذا، تستمر احتجاجات المعطلين وقطاعات التعليم والصحة والفقراء والمظلومون في المدن المغربية، أهمها الحسيمة وجرادة، وغيرها من المدن المهمشة، التي تعاملت معها السلطات بمنطق القوة المفرطة والقمع والاعتقالات الجماعية، ولم تستطع الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال إيجاد المخرج السياسي لتجاوز المأزق السياسي في ظل صمت النص الدستوري عن تقديم الجواب فيما يخص تداخل السلط، وهكذا يتجه المغرب نحو الشلل التام، وهذا ما شاهدناه في عهد حكومة بن كيران المنبثقة عن اقتراع 7 أكتوبر 2016، حيث كانت نسبة المشاركة الشعبية ضعيفة جدا نتيجة سخط وعزوف المواطنين، وخاصة الشباب، وتوالت الأزمات السياسية والاجتماعية، والمثال على ذلك، حالة “البلوكاج” وفشل رئيس الحكومة بن كيران في الوصول إلى حل توافقي مع الأحزاب التي يسعى أعضاؤها إلى الاستوزار بأي وسيلة، الأمر الذي أدى إلى إعفائه من رئاسة الحكومة وتعيين العثماني خلفا له بعد “بلوكاج” وجمود دام أزيد من خمسة أشهر، كان الشعب المغربي هو الخاسر فيها.

إن توالد الأحزاب السياسية، هو نتيجة عدم وجود حزب قوي، يحظى بمفرده بثقة الشعب، يطبق برنامجه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، كما أن النظام الحزبي في بلادنا القائم على التعددية، أدى إلى تشتيت الرأي العام ووقوع أزمات سياسية متتالية، أما في النظام الثنائي، فإن كل حزب قادر على الحصول على الأغلبية البرلمانية التي تخول له الحكم بمفرده دون اللجوء إلى ترقيع الحكومة بأحزاب صغيرة لم تحظ برضى الشعب كما يقع في المغرب، حيث يتم تشكيل الحكومة عن طريق ائتلاف حكومي هش يجمع بين الإسلامي والشيوعي والاشتراكي واليميني، مع العلم أن لكل حزب سياسي مبادؤه، فكيف يعقل أن يتم الانسجام السياسي بين مختلف هذه الأحزاب؟ لا يمكن طبعا، لأن الحزب الاشتراكي يقوم على أساس مراقبة الدولة للنشاط الاقتصادي والتدخل فيه للحد من الاستغلال الرأسمالي لقدرات البلاد التي تعمل على توفيرها للشعب، كما يعمل هذا الحزب على تركيز الثروة في أيدي الشعب وتوفير فرص العمل للشباب، بخلاف الحزب اليميني الذي يسعى إلى تركيز الثروة في أيدي عدد محدود من الأفراد واحتكار ثروات البلاد كما هو الحال في المغرب، وعلى خلاف ذلك، يقوم الحزب الاشتراكي بمراقبة النشاط الاقتصادي في الدولة ومحاربة سياسة الخوصصة التي تهدف إلى تجويع المواطنين ومنعهم من الاستفادة من ثروات البلاد، وهذا التوجه الاشتراكي أصبح بلا معنى في قاموس الأحزاب الاشتراكية في بلادنا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box