الحقيقة الضائعة | الإسلام لا يتعايش مع الديمقراطية

“مازال، ما مهيئينش للديمقراطية” (فؤاد الهمة)

بقلم: مصطفى العلوي

منذ أكثر من قرن وعشرين عاما ((عاد الملك الفرنسي لويس الرابع عشر من جنازة صديقه، الذي يحكم محله، “مازاران” الذي كان بإجماع الناس يحكم فرنسا نيابة عن الملك الشاب، لويس 14 الذي عاد حزينا دامعا، والأجراس الكنائسية في باريس، لازالت تواكب الصلوات، حين أحاط الوزراء والأعوان والعبيد بالملك، وقالوا له: مولاي: ممن سنتلقى أوامرنا ابتداء من الآن، فأجابهم: مني أنا)) (le soleil offusqué. Paul Morand).

كان قرار الملك هذا، سببا في هزة تاريخية، في المجتمع الفرنسي الذي كان يعيش الملكية المطلقة، وكانت الملكية المطلقة لعبة في أيدي، مازاران، الذي سماه الكتاب المذكور: بالشمس.. الكتاب أضاف: ((مازاران، هو الذي علم الملك، مهنة الملك، وعلمه كيف يسير الدولة وحده ويقول له: سأجعلك أعظم ملك في الدنيا، شريطة أن تبتعد عن الاتصال بهؤلاء الأغراب)) (نفس المصدر).

كثير من الكتاب الفرنسيين، تحدثوا في تلك الفترة، عن الثورة الفرنسية قبل وقوعها بمائة وثمانية وعشرين عاما، لكن الثورة حصلت فعلا سنة 1789، في عهد الخلف، الملك لويس السادس عشر، لإقرار الديمقراطية: الحرية والعدالة والأخوة، وليتوسع التاريخ، في أن الديمقراطية التي حققتها الثورة الفرنسية، كانت سرابا وتجربة فاشلة، آلت معها الأمور، إلى الزعيم “روبيسبيير” الذي تحول في أيام قليلة بعد تكليفه بإعادة النظام(…)، إلى ديكتاتور قتل أكثر من سبعة عشر ألفا، من الزعماء والأقطاب الذين صنعتهم الثورة(…).

وقبل ديكتاتورية روبيسبيير، زعيم الثورة على الملك المثار عليه، لويس السادس عشر، كانت هناك الظروف الممهدة للثورة نفسها، حيث تجمعت أخطاء البرلمان الفرنسي، في التحضير للثورة، ليصبح البرلمان الفرنسي أيام الملك لويس السادس عشر، رغم الطقوس الشبه ديمقراطية التي كانت تشمله، فاعلا من عناصر التحضير للثورة، تصوروا.. البرلمان أسهمت تصرفاته في التحضير للثورة الفرنسية، فأحرى البرلمان المغربي، الذي أصبح التعامل فيه هذه الأيام، بلغة ساقطة وعبارات قبيحة، ورئيس برلماننا المغلوب(…) على أمره ينصح علنا، النواب بإصلاح هندامهم، وتحسين عباراتهم ((وهكذا وجراء نزاع في شأن التساوي بين عدد نواب الغرفتين، نشأت جرثومة ذلك النزاع السياسي الهائل الذي انتهى بقلب نظام الحكم في فرنسا)) (كتاب الثورة الفرنسية. حسن جلال).

الثورة الفرنسية إذن، لم تكن منبع الديمقراطية، كما يتوهم البعض بل كانت هي أيضا خطوة نحو ديمقراطية، أصبح الكثير منا يسميها الآن زائفة.

فبعد مئات السنين على هذه الثورة الديمقراطية(…) يحن زعيم الحزب الاشتراكي الفرنسي ميتران، إلى ميزات ما قبل الثورة الفرنسية، ويقول في لقاء مع الملك الحسن الثاني ((إن الاستمرارية هي الميزة التي نحسد عليها الملكيات، ونحن أيضا، في تاريخنا، لو لم يفلت الزمام للخيول التي كانت تجر عجلة الأمير الصغير ولد الملك لوي فيليب، لتقتله، لكنا الآن نعيش استمرارية نظام ما قبل الثورة)) (مذكرات ملك. إريك لوران).

لهذا.. وفي زمننا هذا.. ونحن نعيش في المغرب، ديمقراطية نخشى أن توصلنا إلى ظاهرة روبيسبيير(…) نقرأ بإمعان هذه الأيام، وجهة نظر قطب فرنسي مفكر، عاش خبايا حصولنا على الاستقلال، والديمقراطية، ورأى ماذا جرته الديمقراطية علينا، وعلى تونس، وعلى ليبيا وعلى مصر، “جاك اتالي”، فكتب تحت عنوان عريض: ((هل من حتمية لإلغاء الديمقراطية)) « faut il renoncer a la démocratie » (ليكسبريس. 20 مارس 2013).

ديمقراطية الفساد، ديمقراطية الفوضى، ديمقراطية الانحلال، ديمقراطية تفكك الدولة، ديمقراطية الفجور، ديمقراطية الشباب المغربي المطالب بحرية الزواج بين الرجال، الديمقراطية التي تستفيد من زمن السرعة، وقد قال الصحفي “جيل كيبيل” ((نحن أمام وضع زمن السرعة، حيث تحدث أشياء من الصعب جدا توقعها)).

صحفي آخر، أكثر وعيا وأوسع تجربة، حسنين هيكل، وبعد سقوط مبارك، واكتساح الربيع الديمقراطي لمصر، لخص الوضع الحاضر كما يلي: ((نعود إلى المشهد العام حيث خرجت من تحت الأرض(…) حركات وقوى سياسية ودينية، كان بعضها مكبوتا وبعضها مقهورا، وبعضها محظورا.. وإنني قلق، قلق جدا)) (مصر إلى أين. حسنين هيكل).

قبل هيكل، حل المفكر المغربي عبد الله العروي الإشكالية الديمقراطية، وكتب بكل نزاهة ((الديمقراطية فكرة جميلة لولا أنها غير قابلة للتطبيق، هي حلم يتلهى به المفكر الغر)) (ديوان السياسة. عبد الله العروي).

هو بالتأكيد، بالنسبة لنا، نحن ضحايا هذا الوضع الديمقراطي الذي لا وجود له عمليا، إلا في عبارات الخطب الرسمية، وشعارات الأحزاب، ألسنا مرغمين على النظر بعيون إيجابية، إلى ما جرى للديمقراطية في عهد النظام الحالي؟

نذكر أن أقرب الناس إلى الملك محمد السادس، المستشار علي الهمة، وعندما بدأ في السنوات الأولى لحكم الملك محمد السادس، يضع القواعد الأولى للنظام الجديد، أسس الهمة وبمبادرة منه للاجتماعات، التي ضمت أقطابا من اليسار الذي كان يقول لنا، إنه متعطش للديمقراطية، وأسسوا ما أسموه “حركة لكل الديمقراطيين” مستنجدين بالجنرال دوكول(…) في إطلاق حركتهم يوم إطلاق دوكول لحركته: “18 جوان” 2008 والمغاربة في مجال السبق إلى التشبيه بالآخرين، لا يضاهيهم أحد، وكأن الديمقراطية مرتبطة بالتواريخ والأسماء.

ولكن الهمة فؤاد، وهو يقتعد اللوج العالي، سرعان ما تحلى بشجاعة استثنائية، وهو يواجه الموت البطيء لحركة الديمقراطيين، التي دخل أقطابها للحكومة، فلم يحكموا شيئا ولا نفذوا بندا من بنود الديمقراطية ((لم يتردد متتبعو أنشطة “حركة لكل الديمقراطيين” في الحكم على مستوى النقاش في لقاء الدار البيضاء بأنه الأضعف على الإطلاق(…) متدخلين اختاروا لغة الخشب، وآخرين لغة المديح المبالغ فيه، والممثل الذي سأل “واش كاين شي فلوس”.

حتى رئيس حركة لكل الديمقراطيين أحمد خشيشن، وزير التربية(…) التزم الصمت طوال اللقاء الذي دام أربع ساعات قبل أن يغادر المنصة مختالا)) (جريدة الصباحية. 24/6/2008).

لهذا فرضت الشجاعة نفسها على فؤاد الهمة، فقال أمام هذا الجمع استنتاجه الإيجابي: ((مازال ما مهيئينش للديمقراطية، وربما نسمي حركة كل الديمقراطيين: حركة المغاربة ولاد الناس)) (نفس المصدر).

مصدر صحفي آخر نقل حرفيا ما قاله فؤاد الهمة في نفس الاجتماع ((أنا ماشي ديمقراطي، أنا أمني، وعاد كنتعلم الديمقراطية)) (الجريدة الأولى. 30 جوان 2008).

رجل قوي آخر، أكثر تجربة من الهمة، لأن الذين عانوا من السجون، يعتبرون أكثر تجربة من أولئك الذين يتعلمون في مخامل القصور، رئيس تونس السابق، المنصف المرزوقي، وبعد حكم فؤاد الهمة على الديمقراطية، يختصر المرزوقي تجربته بعد أن أصبح رئيسا للجمهورية التونسية، ويقول عن علاقته بالديمقراطية:

((إن الديمقراطية في العالم العربي مشوبة بسبعة عيوب. هي نبتة(…) معرضة للموت السريع، خاصة وأن التربة الثقافية لا تتقبل مثل هذه النبتة، الديمقراطية لا تعني دائما سيادة الشعب، وإنما سيادة الأحزاب والأشخاص ومجموعات الضغط(…) الديمقراطية لا تحقق العدالة الاجتماعية، في حين يتجلى عيب آخر، هو قابلية كل قواعد الديمقراطية للغش ولسوء الاستعمال، الديمقراطية تفتيت للقرار وتصعيب له وطريق لتوزيع الديكتاتورية)) (المرزوقي: في مركز الجزيرة للدراسات).

لنفهم لماذا عوشر الهمة لأصحاب كل الديمقراطيين، وأوحى بتأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، لا ديمقراطية ولا هم يحزنون، إن المغرب غير مهيئ للديمقراطية.

((كتب المفكر “الساسي” في سياق تعطش الصحراويين إلى الديمقراطية، فابتدع  “تعبير” عشق الجمهورية(…) عند بعض الشباب الذين يعتبرون الملكية مرادفة للرجعية)) (المساء 18 أبريل 2013). وها هو الإلهام المنطلق من حرية التعبير التي ضمنتها ظروف الفوضى الديمقراطية، يدعو للتساؤل أولا، ما هي ظروف الجمهورية، أليست هناك بعد الثورات الشعبية الأخيرة، جمهورية في مصر، وجمهورية في تونس، وجمهورية في ليبيا، وقبلها جمهورية ديمقراطية في الكونغو، وجمهورية ديمقراطية في المالي، وجمهورية ديمقراطية في التشاد، واللائحة طويلة، لكن هل توفرت الظروف المؤهلة لقيام تلك الجمهوريات، وكيف يصوت الشعب، وأي شعب؟

أذكر هنا أنه منذ ثمانين عاما، حينما كان المارشال ليوطي الحاكم الفرنسي للمغرب، وضع مخططا مفصلا يقضي: ((بخلق مجموعة جمهوريات بربرية، في شكل حزام جغرافي، وحجم كل واحدة منها يعادل مساحة تونس، وسمى المشروع “تونسة المغرب” وفي المغرب مجال لخمسة دول في حجم تونس، لأن ليوطي، كان يجد نفسه وسط شعب جاهل متخلف يفعل به ما يشاء.

مرة عرض ليوطي على أصدقائه رسالة توصل بها من طرف عسكري مغربي متقاعد، يقول له فيها: “بونجور مون جنرال كومندار طو ليزاراب، عزيزي الجنرال، أكتب لك هاد الرسالة وأنا سعيد أن أراك وأن أراك بيانطو، أطلب بلاصة مخزني أو البوليس أنا قاتلت معكم الألمان وأنت ستسعدني مانتنان مون جنرال لأنك أحسن من أبي، أورفوار”.

عبد الكبير بن الحاج العربي، أنا في القصبة 69 درب حمان. مراكش)) (المصدر. ليوطي والمؤسسات. ريفي).

فهل تقدم المغرب كثيرا أكثر من هاد عبد الكبير، أم أن هذا مجرد نموذج للأغلبية الساحقة من المغاربة، الذين لازالوا – في عهد الديمقراطية – يدفعون الرشوة من أجل سبق الواقف أمامهم في الصف.

سيسأل سائل عن البديل، مادامت الديمقراطية لم تقدم أي بديل لهذه الشعوب. الشعوب التي تطالب بالخبز والعدالة، وهو ما يظهر أن الديمقراطية لم توفره لهذه الشعوب..

وبصريح العبارة، هل الملكية، مضطرة للتمسك بالديمقراطية، للمحافظة على العرش، وها هي الديمقراطية، ماضية في طريق تقسيم الوطن المغربي وتشريده بحكم التطلعات العرقية والقبلية، والأخطار العقائدية التي إن فاز دعاتها فإنهم لن يتعايشوا مع الملكية، وإن فاز اللادينيون فإنهم سيقضون على رمز الدين.

أم أن الحل الوسط، هو ما يراه واحد من أمراء الأسرة الحاكمة: ((إنقاذ الملكية كامن في قدرة الملك، على أن يعمل أحسن من جمهوريات السوق، التي تخلف الملك في حال فشله، لأن الملك هو الوحيد المؤهل للدعوة إلى ديمقراطية تحد من أخطار التغيير، وتدعو لمواطنة تكرس أن الإسلام لا يتناقض مع الديمقراطية)) (مولاي هشام. كتاب الملكيات العربية. ريمي لوفو).

طبعا، الأمير مولاي هشام مخطئ.. وها هو قطب إسلامي، المرحوم مولاي عبد الكبير العلوي، الوزير السابق في الأوقاف يكتب أن لا تعايش بين الديمقراطية والإسلام:

((الإسلاميون إذا قبلوا بالنظام الديمقراطي، فمعناه أنهم قبلوا ببشرية التشريع، وتحاكموا إلى الطاغوت الذي هو السلطان البشري، المستبد، المتمرد عن حكم الله، إن هذه الديمقراطية التي تتجاهل ما يقرب من نصف الشعب الناخب، إذا امتنع أو تغيب عن التصويت قد تمنح الفوز بفارق صوت واحد أو صوتين، لأن الديمقراطية وفي أرقى الدول، لا تستطيع أن تنكر خضوعها للمال والإعلام لأن الديمقراطية قد تمنح الرئيس سلطات تجعله الحاكم بأمره وتمنحه ما لا يتوفر عليه الملك من القوة والنفوذ)) (كتاب الحكومة الملتحية. عبد الكبير العلوي المدغري).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box