أغــاني بــلا كـلمـات!!

عثمان محمود. الأسبوع

لم يكن لأغنيتنا نصيب من الانتشار، شبيه بهذا الذي تظفر به في أيامنا هاته. فهي تحظى باستماع واسع، إذ باتت الأذن تستقبلها في كل مكان وزمان، جلوسا، ومشيا، وركوبا، وإذا جئنا إلى نطاق المشاهدة، نجدها قد حققت المراد، وزيادة على منصات المهرجانات التي لا تعرف التوقف، وعلى شاشات المحطات التلفزية التي تفننت في عرضها في أروع الصور، وفي أوقات متقاربة، وعبر الشبكة العنكبوتية، حيث الأرقام القياسية في نسب المشاهدة.. لكن متى كان غثاء السيل نافعا ومجديا؟! فالأغاني التي تتقاذفها الوسائل التواصلية وما إليها، لا تصل إلى المستويات الفنية الراقية التي تستحق التقدير الأمثل، إذ الكثير والكثير منها يفتقر إلى الكلمات ذات المضمون الهادف الذي يستدعي اللحن العذب، والموسيقى الساحرة التي تداعب الأحاسيس والمشاعر، فالمتمعن في الرائج من أغانينا يقف على محدودية كلماتها التي تكاد تكون محسوبة، ومضامينها بسيطة ومستهلكة، ولذلك، لا نستغرب إذا عجزت هاتيك الأغاني عن الإبحار في الزمان مثبتة تواجدها بين المستمعين، والمهتمين لسنوات، فهي تترادف ويحل البعض منها مكان البعض وكأنها النكت تلقى في الجموع، تضحك في اللحظة والحين، ثم ما يلبث أن يطوح بها النسيان في سراديبه!! وكيف لا يكون هذا وقد بتنا نفتقر الافتقار التام إلى كاتب الكلمات المتخصص الذي يعد بحق الواضع الأساسي للهيكل العام للأغنية، الذي يتجاوب مع كلماته تلك الملحن، فيخرجها إلى عالم النغم، وهناك يجد الموزع ذي الأذن الموسيقية الحساسة المؤهل الذي يوائم بين العازفين، ويوفر بذلك الأجواء المناسبة للمغني المتفاعل مع الكلمات والنغمات، فتصل بذلك إلى المتلقي في أبهى الحلل.

في غياب ما سبق، بتنا نرى المؤدي للأغنية، ومعه الفرقة، يستفردان بالأمر كما لو أن الألحان سابقة على الكلمات، والنغمات مستدعية للمضامين، وليس العكس!! فلا بدع، والحال على ما هو عليه، أن نجد أغنيتنا اليوم عبارة عن كشكول متنافر من الكلمات تجمع بينها موسيقى صاخبة تحجبها عن الاستيعاب، ولا نقول التذوق، لأن هذا مطمح راق يستحيل بلوغه مع هذا النوع من الأغاني!! فهل آن الأوان كي يسترجع كاتب الكلمات مكانته داخل أغنية اليوم، حتى يتأتى لها تناول مواضيع متنوعة، وما أكثرها، في ظل ظواهر اجتماعية متباينة، ومناسبات دينية، ووطنية، وعالمية عديدة، وقضايا إنسانية ملحة، وليعط الوقت الكافي، والتأني اللازم متى توفرت الكلمات المناسبة والجادة، لكي تحظى بألحان رفيعة، ولا يتأتى هذا إلا لأهل الاختصاص، فهم المخولون بإلباس المضامين أحلى الأنغام، واختيار أعذب الأصوات لتأديتها تحت إشراف أحسن الموزعين، وأمهر العازفين، من أجل حضور فعلي وازن لأغنيتنا، بين المستمعين والمشاهدين على السواء، فالعصر يتطلب السمو بكل أنواع الفنون، وعلى رأسها الأغنية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box