الحقيقة الضائعة | لماذا لا يستقيل البرلمانيون بعد وصفهم بالأكباش وتجار المخدرات؟

بقلم: مصطفى العلوي

لم يخطر ببال النائب البرلماني الريفي(..) وهو يناقش قانون المالية في الرباط، بإحدى اللجان المغلقة، أن يكون لسانه الطويل سببا في جره إلى المحاكم، بعد أن تلقف مواطن آخر من الريف كلامه المنشور في المواقع والجرائد، وكيفه كجريمة، ث فراح يبلغ عنها لدى وكيل الملك بالحسيمة، ليجد هذا النائب، الذي قال إنه يعرف تجار مخدرات هاربين يخافون من التعامل مع الأبناك، نفسه محاصرا بتهمة “عدم التبليغ عن جريمة الاتجار في المخدرات والعملة”.

وبينما كان هذا النائب يحاول توسيع المجال ليشمل الجزء الثاني من حملة “عفا الله عما سلف”، مهربي الداخل على غرار مهربي الخارج، في حرية التعبير التي تضمنها الحصانة البرلمانية(..)، أخذت القضية أبعادا أخرى بدخول مكتب مجلس النواب الذي يقوده المالكي على الخط، وليست هذه المرة الأولى التي يتهم فيها برلماني مغربي تحت قبة البرلمان في قضية مخدرات(..)، فحلم انفصال الريف يتزعمه برلماني سابق، استقدمه حزب الهمة في وقت من الأوقات ليدافع عن الحكم الذاتي، فإذا به يتحول إلى أكبر انفصالي مغربي في هولندا(..)، ويبقى تصريح الاتحادي خيرات، أقوى تصريح في تاريخ العمل النيابي بالمغرب، بعدما جاء إلى تلفزيون القناة الثانية سنة 2009 ليعلن أن ثلثي أعضاء البرلمان المغربي تجار مخدرات، ليطرح السؤال: كم عددهم اليوم(..)؟

عدم معاقبة خيرات على تصريحه وقبول البرلمانيين بهذا النعت الذي أضاف له خيرات صفة أخرى للنواب، وهي أن جلهم “حمير”، و”مجمكين” بالتعبير “السطاتي”، وتماهي مجلس النواب مع هذه الصفات، لم يكن سوى تصريحا من بين تصريحات أخرى تصب في نفس الاتجاه، وقد سبق لـ”الأسبوع” أن أثارت إشكالية تعايش نواب الأمة مع وصفهم بصفات الحيوانات، سنة 2013 (ضمن ركن الحقيقة الضائعة عدد 10 يناير 2013)، عندما تحدثت الصحفية الفرنسية المتمغربة(…) ناديا صلاح، عن انشغال نواب البرلمان بالميزانية بدل اهتمامهم بالكارثة الاقتصادية التي تهدد المغرب، بعد نزول صادرات المغرب بنسبة خمسة في المائة، فشبهت هؤلاء المنتخبين بالأغنام، وعنونت مقالها: “الكباشles Moutons”، وزادت: ((إن منتخبينا تصرفوا ككباش العيد حين تبادلوا التهاني(…)، لأن الجزار تأخر عن الوصول، وكان في الواقع مشغولا بشحذ السكين الذي سيذبحهم بها)) (ليكونوميست عدد 4 يناير 2013).

وزادت من تفسير خطورة دور الجزار(…) الذي أمهل الأغنام(…)، فقالت بأن المصيبة، هي أنه لا النواب ولا المعارضة، سيدفعون الثمن، لأن المخطط السياسي، مرسوم على أساس أن لا يعاقب أحد من الأغلبية ولا المعارضة في هذه البلاد على سوء تصرفهم.

طبعا.. لم تقل لنا الصحفية من سيدفع الثمن.. وتركت القارئ يكمل من رأسه، ولا أدري ما إذا كانت الصحفية المتمغربة قرأت القرآن، ولو فعلت لزادت من آيات القرآن، ما يحرج رئيس الأغلبية، المشبهة في إطار البرلمان بالأغنام، ولكشفت أنه أخطر من الخطر الاقتصادي، أن الأغنام هي فصيلة من المخلوقات التي قال عنها القرآن: ((إن شر الدواب عند الله الصم البكم)) (سورة الأنفال).

استعاذ القرآن إذن، وتشاءم من هؤلاء الحواريين(…) الذين قالوا للرسول عيسى: ((هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء)) و((قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا)) (سورة المائدة).

ولو تعلق الأمر بهم، وخرجوا عن صممهم وبكمهم، لاكتفوا بميزانية البرلمان، وليأكل الشعب التبن.. إن وجده، خصوصا بعد أن أصبح التبن بسعر القمح هذه الأيام.

وإذا كان المثل الذي قاله الأجداد، ينصحنا بقولهم: إذا رأيت لحية صاحبك تحلق، فبلل لحيتك، فإننا نحن أيضا في المغرب، على أبواب الكارثة الاقتصادية.

لا يذهب بنا التشاؤم إلى قراءة ما قاله أحد صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، عن المغرب: ((كان عصمة بن قيس الهوزني، من الصحابة، يتعوذ بالله من فتنة المشرق، فقيل له: فكيف فتنة المغرب، قال: تلك أعظم وأعظم، وكان في صلاته يتعوذ من فتنة المغرب)) (كتاب قيد الأوابد، محمد الناصر الكتاني).

إن مسؤولية الرباط، في مواجهة الأزمة التي سنواجهها، خصوصا إذا تم إلغاء صندوق المقاصة، وأصبح الناس يدفعون ثمن المواد الأساسية بقيمتها الحقيقية، فقد قال أحد الحكماء المعلقين: إن إلغاء صندوق المقاصة سيكون القرار الذي سينتهي معه النظام، بل سيكون الضربة القاضية، لأن صندوق المقاصة أقيم في اليوم الأول من طرف الملك الحسن الثاني لتوقيف الغضبة الشعبية، فكيف لا ننتظر أن تعود الغضبة الشعبية إذا ما ألغي صندوق المقاصة؟

على الوزراء الحاليين التابعين لحكومة العدالة والتنمية، أن يراجعوا الظروف التي نزل فيها صندوق المقاصة قبل أن ينصحوا بإلغائه، لأنه إذا ألغوه لمجرد ضربة رأس، فإنه سيعرض البلاد للفتنة ويذهب هو مع الحكومة، وتبقى الفتنة.

ورحم الله الملك الحسن الثاني، الذي كان من قصره في الرباط(…) يسابق الأزمات، السياسية والاقتصادية، ويسلط على كل أزمة واحدا من مستشاريه، كل واحد منهم متخصص في مجال، يرسله إلى الملوك والرؤساء، ويقول له: لا ترجع إلا ومعك ما أرسلت من أجله.

مرة، وعندما استفحلت الأزمة المالية في المغرب، أرسل مستشاره المرحوم أحمد بنسودة، إلى الملك السعودي فيصل، ولم تكن المرة الأولى، وربما أظهر الملك فيصل بعض التبرم من هذا الدعم المتكرر للمغرب، فقال للمستشار بنسودة، إني لم أرفض لك طلبا، ولكن هذه المرة أمهلني بعض الوقت، وفهم بنسودة أنه سيعود للرباط فارغ اليدين.. وأن الملك الحسن الثاني سيعاقبه على فشله، ففكر مليا، ثم لجأ إلى الحيلة.. عبر النكتة، فقال للملك فيصل، إذا كانت جلالتكم لا ترفض لي طلبا، فأرجوكم أن تستجيبوا لي، لطلب آخر، فقال له الملك فيصل: وما هو هذا الطلب؟ فقال له المستشار بنسودة: أرجوك يا مولاي أن تزوجني، فضحك الملك فيصل، وقال له: أزوجك لماذا؟ فأجابه بنسودة: لكي أبقى هنا في السعودية ولا أعود لما ينتظرني في المغرب، فزاد الملك فيصل ضحكا، وقال له، زه.. وأعطاه الملايين.

بنسودة كان يعرف غضبات الملك الحسن الثاني، الذي لا يقبل أن يفشل مستشاروه، وإلا فما هو دور المستشارين؟ وما هو مقابل الميزانيات المخصصة لهم؟ ونراهم سرا يتدخلون بالتلفونات في جميع القضايا الأساسية والسياسية، فلماذا لا يتدخلون للإسهام في حل الأزمة الاقتصادية؟

مرة فشل بنسودة في مهمة أخرى فطرده الملك الحسن، وقال لحراس القصر: لا أريد أن أرى وجهه مرة أخرى.

ومرة أخرى، لجأ بنسودة إلى الحكمة، وبعد أسابيع وخلال أحد الأعياد، خرج الملك الحسن الثاني ليتلقى حشدا من مخازنية المشور وهم يبايعون الله يبارك فعمر سيدي، وفوجئ الملك بمخزني وسط المخازنية المبايعين، تفرس فيه وعرف أنه أحمد بنسودة يبايع وسط المخازنية، لينادي عليه ويرجعه إلى منصبه.

الحسن الثاني نفسه، عرف أزمات اقتصادية كبرى، لكنه واجهها في البداية بالاعتماد على صداقاته وتحالفاته مع دول الخليج، ولكنه لم يكن يتوقف عند هذا الحد، ويعترف: ((عندما نكون في البداية، شبابا، فإننا لا نكتشف أسباب الفشل بسرعة، الفشل الذي يكون نتيجة عدم معرفة الأهداف، أو نتيجة لجهل، ولكن مع التجربة تتحول الأمور. ولننظر إلى أزمة ديوننا الخارجية(…)، فلقد عالجناها، وإذا ما استفحلت الأمور في الشهور القادمة(…)، وهو شيء مستبعد، فإني أؤكد لكم أنه بالنسبة لي ستكون فشلا ذريعا)) (ذاكرة ملك. إيريك

لوران).

الأزمة الاقتصادية هذه الأيام القادمة، صعبة، لا شك أن من أسبابها ذلك الجهل أو التجاهل الذي لخصته بداية هذا الموضوع، سواء على مستوى الأحزاب أو البرلمانيين، أو الفاعلين، وها هي الحكومة الحالية، تحضرنا لتحمل قرارات من الصعوبة بمكان مع تهييء الظروف لإلغاء الدعم الحكومي للمواد الأولية، بمعنى أننا سندفع حتى إلى عشرين درهما، ثمن لتر البنزين، ومائة درهم ثمن قارورة الغاز، وقد يرتفع ثمن الخبز والزيت، وقد أعلنت الدولة أنها ستدفع ألف درهم لمليونين من المحتاجين، لكنها فوجئت بأن بالمغرب أكثر من عشرة ملايين من المحتاجين، ليتم صرف النظر عن موضوع شيك الألف درهم الذي جاء به بن كيران(..).

رحم الله الشاعر عمر بن معد الذي قال:

لقد أسمعت لو ناديت حيا

ولكن لا حياة لمن تنادي

ولو نارا نفخت بها أضاءت

ولكن أنت تنفخ في رماد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box