الحقيقة الضائعة | لهذه الأسباب تهاوى عرش سليمان.. فأية حقوق لأي إنسان

بقلم: مصطفى العلوي

لم يسبق للمغرب لا في عهد السيبة.. ولا في عهد المخزن، ولا في أيام قطاع الطرق، ولا أيام “هب الريح”، ولا حينما كان المسافر من فاس إلى مكناس يؤجر “زطاطا” من “سطات” ليؤمن له الطريق، ولا عرف المغرب عهد جبروت “الكلاوي” ولا قوة القايد “الكندافي”، وهيبة القائد “المتوكي”، وتاريخ المغرب حافل بنماذج الفوضى، التي كانت تسمى سيبة.. ولكن المغرب لم يعرف في أي زمن من الأزمان، هذا الواقع المزري الذي أصبحنا نعيشه، في ظل الخوف المهيمن على سكان القصور.. والفيلات الفخمة، وما أصبح حديث سيدات المجتمع اللواتي كان شغلهن التباهي بالقفاطين الجديدة، والسرتلات والدماليج، وخواتم الضياماند، فأصبحت مجلببات مقطبات الجبين لا يتحدثن إلا عن الخطر(…) الذي يزيده هلعهن ضخامة.. وذلك الجزع الذي يجعلهن تتذوقن طعم المرارة في كؤوس العصير المسكرة.

حتى الطرق، رشحت المغرب لأن يكون أكثر الدول العالمية خطورة على حياة المسافرين، يموت حوالي ثلاثة آلاف شخص على الطرق، بينما الجرحى، والرقم في عام واحد، بلغ تسعة وأربعين ألفا.

وغرقت المحاكم، وقضاتها القليلون الذين لم يعرفوا الزيادة إلا في عدد ملفات الجرائم، وتشرذم المحامين الذين لا يستعملون من النصوص القانونية التي تعلموها إلا ما يتعلق بالقتل والسرقة والزور.. الفنون الجديدة التي برع فيها الكثير من المغاربة هذه الأيام، والتي جعلت تجار الحشيش والمحرمات الأخرى(…) يصبحون أثرياء العصر.. وهي مظاهر كلها لا تطمئن على سلامة المغرب ولا تشجع أحدا على الثقة فيه، ولقد صدق المرحوم الملك الحسن الثاني، عندما شبه أطرافا من جانب الواقع المغربي بأنها كمنساة النبي سليمان.. مخرومة مخروبة يكفي أن تأكل أرضة حبة منها لتتهاوى كما تهاوى عرش سليمان(…).

وليس من شك أن عصر الانحطاط الذي يعيشه العالم أجمع، والذي أصبحت نماذجه تدخل علينا بيوتنا عبر الأنترنيت، أسهم في إفساد الأجيال المغربية التي لم تكن قد تلقت تكوينا صحيحا لا في البيت ولا في العائلة.. الشيء الذي تترجمه هذه النهضة الكبرى(…) في مجال إقامة وفتح المقاهي، ما بين المقهى والمقهى مقهى، حيث الجالسون الذين غالبا ما يتقاسم الثلاثة منهم كأس قهوة، لا ينفكون ينممون ويشتمون ويبرككون ويضايقون المارات.. ولا يدخلون بيوتهم إلا بفراغ على فراغ، بينما شعوب أخرى، أكثر منا عدا وأعلى منا مستوى ثقافيا، مثل مصر.. يخرج الطبيب فيها من مستشفاه ليتحول إلى سائق تاكسي أو صباغ، أو نجار، ليكسب تتمة حاجياته المادية في منتصف الشهر، بشرف وكرامة، هناك في مصر وفي فرنسا، وفي غيرها من بلاد الدنيا، تعطي الرجل درهما أو ما يقابله، فيقول لك شكرا.. وعندما تعطي للمتسول عندنا عشرة دراهم، فتبتلعها أنامله، ويلوي مشيحا عنك بوجهه.. لأنه كان يريد أكثر.

ويسأل كل خائف على هذا الوطن، من هذا الإهمال العام، وترك الحابل على النابل، والحبل على الغارب، فنجد بعض الذين امتهنوا السياسة ليصبحوا نوابا أو وزراء.. والكثير منهم برع في حيه في مجال مبايعة الوالي والعامل، وتقديم السخرة لرئيس الحزب.. وتقديم أشياء أخرى للكاتب العام.. فتكون مجازاته عبر ترشيحه لحضور الحفلات الرسمية ليصفق وسط المصفقين، ويتم انتخابه وسط المرضى عليهم من بين المرشحين.. وبعد فترة وجيزة تراه يسمسر في العاصمة من موقعه في البرلمان، وطبيعي أنه لا يجد طاقة ولا علما، ولا قدوة، ولا إلهاما على الاهتمام بمستقبل البلاد.

وتزداد البلاد ضياعا – يا عباد الله – وتفككا، ويزداد عدد المجرمين، والسراق، والمخلوضين هيمنة على الواقع المغربي، بدءا بمراقب السيارات والتاكسيات الذين يلزمهم القانون بالمراقبة اليومية، فتتحول مراقبتهم إلى مدخول يومي من كل سيارة للمراقب، يعطي إمضاء الموافقة على سيارات وشاحنات تنطلق في الرعايا(…) سفكا وقتلا.. إما تحت العجلات، وإما بدخان الغاز الذي تنفثه في رئات الأطفال والنساء يوميا، ليحكموا على مستقبل الجيل الحاضر بالسرطان المؤكد، ويقولون بعد هذا أن الأمر يتعلق بحقوق الإنسان، ناسين أن الإنسان الذي أعطته أروبا الحق وضمنته له، هو إنسان بكل معنى الكلمة يعرف حقوقه وواجباته.. وليس ذلك الإنسان الذي كان في السجن من أجل ارتكابه جريمة، واستفاد من العفو الملكي في أحد الأعياد، وما أن جاء العيد الثاني حتى كان مورطا من جديد، في جريمة أكبر من سابقتها.

ويبقى النموذج السعودي الذي يقطع يد السارق، ورأس المتاجر أو مستهلك الحشيش، نموذجا محترما من طرف الغرب، لا يؤاخذ عليه حكومة السعودية، وإنما يحترمها.

ونحن نعرف في المغرب أنه إذا لم تغير القوانين الجنائية، ولم تصدر قوانين عقابية جديدة، وإذا لم يردع المراقبون المحزمون بمختلف البذل الزرقاء.. وقد أصبحت بذلهم كلها زرقاء، بوليس، على درك، إذا لم يردعوا.. ويعرفوا أن الثلاثة أو أربعة آلاف قتيل في طرق المغرب كل سنة، وحوالي عشرة قتيل بالجرائم يوميا، وعشرات الهجومات على البيوت، والاختطافات والاغتصابات هي حالة من الفوضى التي لا مبرر لوجود قوات الأمن إذا لم تكن مهمتهم هي وضع الحد لها.

وإذا كنا لم نسمع يوما عن مشروع إصلاحي يناقش في مجلس الحكومة ولا تحت قبة البرلمان، فإننا سنسمع يوما ما يجعلنا لا ندرك الحقيقة إلا بعد فوات الأوان.

ودولة لا يجد فيها المواطنون الجدية في أي أحد(…) دولة دخلها الغش من دكان الحداد والخياط والنجار إلى مكتب الوزارة، إلى محضر الحادثة حيث كثيرا ما يصبح الضارب مضروبا والمخطئ في السياقة هو المظلوم، دولة تعج أسواقها بالمتسولين الذين لا يريدون أن يشتغلوا وإنما ربما يكسبون بالتسول أكثر مما يكسبه موظف بسيط.. دولة هذه حالتها.. لا يمكن الاطمئنان على مستقبلها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box