“الجوكر”.. رسائل الفيلم الذي شغل الناس

بقلم: مراد الضفري*

شاهدنا مؤخرا أنا وزوجتي فيلم “الجوكر”، كانت القاعة الكبيرة في سينما كوليزي بالرباط ممتلئة عن آخرها بجمهور دفعه الفضول الفني لمعرفة ألغاز هذا الفيلم، لكن عند نهايته، قلة قليلة انبرت للتصفيق له، كنت من بينهم في الوقت الذي رفضت زوجتي التصفيق مستغربة من الحشو غير المبرر للعنف في القصة، التي كان بإمكانها أن تكون أفضل مما خرجت عليه في الفيلم لو ركزت على ثنائية سلطة النظام والمجتمع المقهور، هي محقة.. لكن إطلاقا لم نعد كما كنا قبل مشاهدة هذا الفيلم “المعقد”! خرجنا من السينما والحيرة تملأ أسئلتنا الباحثة في ثنايا نظرة المخرج تود فيليبس للفيلم، وفي الأداء الخرافي والمعقد للممثل جواكين فونيكس. فما شغلني شخصيا أكثر، ولطيلة أسبوع، هو ما الرسالة من التركيز، في أكثر من مشهد، على نحافة جسد الجوكر وبشاعته وضعفه؟ ولماذا كان من الضروري على الممثل فونيكس أن يخسر أزيد من 23 كيلوغراما من وزنه ليؤدي هذا الدور؟ المسألة ليست عبثية أبدا، وما ستعرفونه غريب حقا!!

لن أحكي لكم القصة، فغالبيتكم تعرفها، وغدت مستهلكة في العديد من المقالات، لكن من يعتقد منكم أن الجوكر شخص مريض نفسيا استهواه القتل والعنف، عليه أن يعيد مشاهدة الفيلم من زاوية أخرى. قبل أن يرتكب “الجوكر” كل الجرائم التي ارتكبها، تعرض لاعتداءات مشينة وحاطة بكرامته من طرف مجموعة أشخاص من ضحاياه، لكن لم نقل على هؤلاء أبدا إنهم مرضى نفسيون؟ هو وحده فقط الذي وضعناه في خانة المريض نفسيا، لماذا؟ لماذا نظرنا للخلل في “صاحب رد الفعل” ولم ننظر للخلل في “صاحب الفعل”؟! لأن المخرج، ببساطة، قال لنا إنه “مريض نفسيا” دون أن نحتكم نحن لميزان العقل والقيم والتشخيص العادل للواقع. قام المخرج بـ”قولبتنا” (أي وضعنا في قالب لا نحيد عنه)!!.. أراد أن يقول لنا: “هكذا يتم التلاعب بكم وقولبتكم في الواقع، هكذا تغسل أدمغتكم لتبتعدوا عن الموضوعية والصورة الواضحة”!.

الشباب الذين هاجموا “الجوكر” أمام المحل الذي يعمل أمامه لكسب قوته اليومي وانهالوا عليه بالضرب المبرح والإهانة وكسروا له لافتة الإشهار فقط من أجل التسلية، لماذا لم نقل عنهم مرضى نفسيون وقد رأينا فعلهم عاديا؟ الرجال الثلاثة المثقفون أصحاب البدلات الأنيقة وربطات العنق الذين تحرشوا بالفتاة في الميترو وبعدها انهالوا بالضرب والإهانة على “الجوكر”، لماذا لم ننعتهم بالمرضى النفسيين ونشجب أفعالهم المجرمة المريضة؟ لماذا عندما قتلهم “الجوكر” كـ”رد فعل” غير محسوب وتحت الضغط بسبب مرضه صار بسهولة هو المريض نفسيا وهو المجرم وهم الضحايا؟ رجل السياسة الأنيق الذي كانت تشتغل عنده مربية “الجوكر”، لماذا لم نره مريضا نفسيا في كذبه ومجرما في نفاقه السياسي وتلاعبه بمصائر الناس وخدمة الصالح العام؟ اللوبيات التي قطعت المعونات الطبية على المراكز الاستشفائية التي يعالج فيها المرضى النفسيون مثل “الجوكر”، لماذا لم نرهم مرضى نفسيون ومجرمون؟ الإعلامي الأنيق الذي جعل من حلم “الجوكر” ومشروعه الكوميدي مادة للسخرية كي يزيد من إشعاعه الإعلامي ونسبة مشاهدة برنامجه، لماذا لم نره مريضا نفسيا ومجرما إعلاميا؟ زميله الذي أعطاه أداة القتل (المسدس) وكان يسخر منه دائما، لماذا لم نره مريضا نفسيا، مربيته التي كذبت عليه وعذبته وهو طفل وسببت له خللا وإعاقة نفسية مزمنة، لماذا لم نرها مريضة نفسيا…؟ لماذا نظرنا إلى كل هؤلاء كـ”ضحايا” لرد الفعل الإجرامي لـ”الجوكر” فقط لأنه “طبيا” مريض نفسيا، ولم ننظر للفعل الأول وللجريمة الأولى وللمرضى النفسيين الحقيقيين؟؟ ببساطة لأننا كنا مغيبين وحكمنا على رد الفعل الصادر من شخص مريض لا حول ولا قوة له دون أن ننظر للفعل الأصل الصادر من أناس المفروض أنهم أسوياء.. فمن المريض إذن؟ لعل الكثير منا اكتشف أنه مريض هو الآخر لأنه طبع مع المرض وانجرف مع الخلل القيمي للنظام المجتمعي، فمن أنت وسط كل هذه الفوضى؟ من أنت؟

المخرج بدهائه الفني، حاول تصحيح نظرتنا هذه منذ بداية الفيلم، محاولا إعطاء إشارات لمن لن يسيروا في “القولبة” عندما أوضح لنا الجانب الإنساني والجميل لشخصية “الجوكر” تجاه كل المجتمع، وليس فقط مع “ضحاياه”، فرأيناه مثلا يحن ويعطف على “مربيته” (ضحيته المقبلة)، حيث كان يعد لها الطعام ويغسل لها في الحمام ويسايرها في الحديث برأفة! رأيناه كيف كان يشاهد برنامج ذاك “الإعلامي” (ضحيته المقبلة) بجمالية ورومانسية (تجلت في فرحه الطفولي وسرعته في إطفاء الضوء عند بداية البرنامج)، ويحلم بأن يكون هذا الإعلامي هو والده وقدوته والشخص الوحيد الذي سيفهمه ويعطيه قيمة اجتماعية! رأيناه كيف فتح الباب لزميله قصير القامة تاركا إياه دون أن يؤذيه بعد أن قتل زميله الضخم، بل قبل رأسه وقال له: “شكرا لك، أنت الوحيد الذي لم تكن تسخر مني في العمل”!! رأيناه كيف كان عطوفا حنونا على الأطفال في المستشفى، في “الباص” وحتى مع ابن رجل السياسة… في النهاية ستجدون أن عامة الناس في الفيلم هي من فهمت “الجوكر” جيدا وتعاطفت معه وانضمت إلى “ثورته”، لأنها فهمت أن المجتمع وزعماءه هم المرضى نفسيا وليس هو، وأنهم جميعا سيكونون “الجوكر” في ظل فوضى المجتمع!

أما بخصوص رمزية اللقطات التي أظهرت هشاشة وضمور جسد “الجوكر” الهزيل، فهي إن بحثتم جيدا في تاريخ وفلسفة الجمال والفن (الاستطيقا)، فستذكركم بشيء واحد، هو لوحات الفنان التشكيلي النمساوي إيغون شيلي، الذي كان مولعا برسم “الذات” من خلال تيمة الجسد الغارق في النحول والضعف والانكسار ببشاعة، باعثا رمزية “المحكوم بالإعدام” الذي يقوده جلاده إلى الإعدام وهو متباه ببشاعة جسده المتهالك، حيث تكمن جمالية ما، نعم جمالية رمزية حتى في البشاعة والقبح والانطواء، وهي التي سميت في الفن التشكيلي بـ”الغروتيسك”.. وهذه هي صور محاكاة لوحات الفنان التشكيلي إيغون شيلي في الفيلم.

دون أن أطيل عليكم أكثر (وقد فعلت، وإن كان سيلزمني مقال طويل أكثر وأكثر للوقوف عند رسائل ورموز الفيلم الأخرى).. لقد أتعبنا هذا الفيلم الغارق في رموزه، والتعب فيه يدعونا جميعا إلى إعادة مشاهدته من زاوية أخرى، بعد أن تعرف من أنت، ومن أنت في المجتمع.

*كاتب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box