الحقيقة الضائعة | المعارضة المغربية بين عهد المخزن.. وعهد السيبة..

بقلم: مصطفى العلوي

يخيل للمهتمين بالأوضاع السياسية في المغرب، مغاربة بالدرجة الأولى، وأجانب، بحكم الاهتمام الخارجي الأكيد، بما يجري داخل المغرب، يخيل لهم ولنا أن شعب المغرب مقسم إلى قسمين: الحكومة والمعارضة.. وأن “المرضى عنهم ورضوا عنه” هم الحكومة، ومن يدور في فلكها دورانا أزليا – حسبما يبدو- وأن “المغضوب عليهم ولا الضالين” هم الطرف المعارض، وإذا كان هذا التصنيف كاريكاتوريا أكثر منه واقعيا، فإننا نجد الاستعمار عندما احتلت جيوشه المغرب بدءا من سنة 1904، كان في كل كتاباته يصنف المغاربة إلى صنفين: “المخزن.. والسيبة..” بينما مدلول السيبة كما سيلي، إنما يعني المعارضة.

وبحكم الممارسة الطويلة والمنطق، فإن الطرف الأول (الحكومة أو المخزن) أكل وشرب على ممارسة الاحتياط من المعارضين، وإبعادهم والابتعاد عنهم، والهروب من عدواهم.. حتى السفارات الأجنبية – المهتمة بالمغرب ومستقبله – قسمت مستشاريها ما بين مكلفين بالمهادنة والتأييد لدى الأطراف الرسمية، وما بين الاتصالات “الأندر كراوند” مع المعارضين بواسطة طرق ملتوية وأساليب سرية..

ولقد تأثرت أطراف المعارضة في المغرب، وفي غيره من الدول التي تجمعها بالمغرب صلات الصداقة والتفاهم والتمازج، والتكامل، تأثرت هذه المعارضة في هذه الدول كلها بالنظام العالمي الجديد، بعد انتهاء الحرب الباردة، بتفكك الاتحاد السوفياتي وتجريد مدلول المعارضة من صبغته المكتنفة بالغموض والأسرار، بعد أن اتضح أن أغلب المعارضات في الدول النامية(…) كانت مصنوعة أو مفخخة الأجهزة، أو ممولة، أو مدفوعة من طرف أقطاب الحرب الباردة الذين كان لهم مخطط في كل دولة..

وفي المغرب على الخصوص، ومع انتهاء كل مبرر لاستمرار ثقة أقطاب المعارضة الكبار، في أنبياء المعارضة ورسلها، وانتهاء أسطورة الثقة في هياكل الرفض – وكلنا نذكر جبهة الرفض – وفجيعة الأجيال العربية كلها في “الناصرية” وثبوت الدليل على انهيار تجارب “البعث”، حتى أصبح المعارضون المغاربة يفضلون دهاليز كوميساريات المغرب، على أصفاد المخابرات الجزائرية والسورية، بعد أن انقضى زمن كانت فيه شوارع الجزائر ووهران متزاحمة بالمعارضين المغاربة الذين كانوا يبنون قصور المجد المستقبلي فوق طاولات مقاهي القصبة بالجزائر، بل كان بعض الشبان المغاربة يتدربون عسكريا في معسكر “الزبداني” بسوريا لقلب النظام عسكريا بالمغرب، ومع إقفال حنفيات “الكاجي بي” السوفياتي التي كانت فياضة بالأموال والمناشير والأسلحة، فجفت وتحجرت، ومع الوصول الطوعي إلى “قعر خابية” الأمر الواقع، أصبحت المعارضة في المغرب، مثلما أمست المعارضات الحليفة قديما في مختلف أرجاء العالم، واقفة جميعها أمام الحقيقة المجردة.. وهي أن البنزين جف من المحرك ولا رُكب ولا أكتاف لدفع الهيكل الثقيل للشاحنة المشحونة، ولا مناص من الرجوع إلى الأصل.. وربط العربة إلى الحقيقة الوطنية، وجرها بالحمار التقليدي.

المعارضة إذن، عند غيرنا، وعندنا بالتحديد، عادت إلى قواعدها سالمة، وأصبحت بحكم التحولات العالمية الأخيرة، إلى حقيقتها راجعة.. ووقفت أمام مرآة الأيام لترى نفسها على حجمها المكوكم، وانتصبت على ميزان الأحداث لتكتشف وزنها الحقيقي، وبين ذلك التنقل المكوكي لمعارضتنا الرسمية، ورجوعها من فضاء الأوهام إلى أرضية الواقع، تنزل هذه المعارضة على تلك الأرضية القاحلة بسلام ودون إثارة الكثير من الغبار، لأن أقطاب المعارضة عندنا لم يكونوا – جميعا – متطرفين إلى أقصى حدود التطرف، فكانوا يحافظون دوما على خيوط الاتصال، وهي جزئية هامة سبق للمرحوم الملك الحسن الثاني أن أوجزها في إحدى ندواته الصحفية (18 شتنبر 1974) حينما تحدث عن المعارضة بهذه العبارات: ((إن المعارضة في المغرب تكتسي أشكالا جد خاصة، فهي معارضة نوعية، إننا نعمل المعارضة في الصحف، لكننا نذهب إلى حفلات العقيقة عند بعضنا البعض، وكذلك إلى حفلات الزفاف)).

المعارضة المغربية – رغم حدتها زمان – بقيت مدينة لاستمرارها بذلك الارتباط اللاشعوري بالأصالة المغربية..

وكما أن الرجوع إلى الأصل فضيلة، لأن الفضيلة في الأصالة، فقد كان هناك أمل كبير في أن نكون اليوم، شهودا على ميلاد المعارضة الحقيقية في هذا الوطن، تنطلق من أرضية الواقع وبالوسائل المتوفرة، وفي جو سليم كجو الصحراء، مادام “الخير كله من الصحراء، والشر كله من الصحراء”، ومادامت الصحراء عبر جميع مراحل تاريخنا كانت محكنا ومحك الأجيال التي سبقتنا، والأجيال التي ستلينا.

فالمعارضة ليست بدعة ابتدعها الزعيم فلان، ولا القائد فرتلان بعد استقلال المغرب فقط.. وإنما النبش في أعماق التاريخ المغربي – ونبقى دائما في المغرب – سيكشف لنا أن أقطاب المعارضة، الذين التصقت أسماؤهم بذاكرة أجيالنا الحاضرة، إنما كانوا مبتدئين في مجال المعارضة، ضعاف عاجزين، إذا ما قورنوا بالأقطاب الحقيقيين الذين حملوا ألوية المعارضة عبر مئات السنين الخالية من تاريخ المغرب.

ولابد من طمأنة أقطاب الطرف الآخر، طرف الحكومة والسلطة، الذي ما أظنه إلا حاكا يمناه في يسراه فرحا – فرح الصبيان – بالحالة الخاملة للمعارضة الحالية، لابد من طمأنتهم على أنهم مخطئون، إذا كانوا يتصورون أن الجو خلا لهم، لأن الأمر في الواقع ليس “لعب عيال”.

فهناك معارضة أخطر من معارضة المعارضة المصنفة حزبيا.. أو التي ينكب الخبراء على تقسيمها أو تخريبها أو إغراقها، أو التي كان يقضي المحللون الموظفون لياليهم في قراءة ما كتب عن المعارضة المعروفة من تقارير، وما يقال في خطب أقطابها وما يكتب في افتتاحية صحفها. معارضة أخطر من تلك التي اتخذها بعض الموظفين الكبار، ناموسا تعيشوا به عشرات السنين وربوه وتعهدوه ودجنوه، حتى أصبح المبرر الوحيد لبقائهم واستمرارهم في الحكم.

ذلك أن المعارضة الحقيقية، هي تلك التي تولد في العقول وتتناثر كالذرات في الأوساط.

وأخطر أنواع المعارضة بدون شك، هو تلك المعارضة الغير مصنفة والغير مسموعة، والغير مرئية، تلك المعارضة التي تتوالد كبيض السمك في كل مستنقع حوض، في كل وقت وحين، وفي كل درب وبيت.

فكل مظلوم، معارض خطير.

وكل مرغم على دفع الرشوة، معارض رهيب.

وكل محروم من المساواة أمام سوق الشغل معارض كبير.

وكل إدارة لا تسير حسب الأصول والأعراف أو تسودها المحسوبية، ويهيمن عليها الفساد، هي مصنع نشيط للمعارضة والمعارضين.

وكل مدرسة أو ثانوية أو جامعة لا تؤدي إلى المخرج الطبيعي إلى مجتمع متوازن سليم، يتخرج منها عشرات الآلاف من المعارضين.

والواقفون أمام محطات الحافلات يغمرهم إحساس بالحسرة والألم والكراهية والحقد، كلما مر الأوطوبيس أمامهم مليئا مكتفيا بأن ينفث في وجوههم أمواجا من دخان الغاز.. وأولئك هم المعارضون.

وأخطر من هؤلاء المعارضين، المعارضات أولئك اللواتي تضفن إلى الكيد الذي كتب عنه القرآن ((إن كيدهن عظيم)) كراهية متجددة في كل حين وآن، متجددة في سوق اللحم، وسوق الخضر، وحتى عندما تدخلن للحمام حيث تتبجح “الحاجة فلانة” زوجة “السي فلان” بذهبها وسائقها وسيارتها، ومكانة الأسبقية لدى “طيابة الحمام” عندها.. أو في المكتب أو ديوان الوزير، حيث الصراع الطبقي بين الموظفات المحظوظات، والموظفات “المنحوسات”، تراهن متراصات على سلم إداري واحد كالبوم عند المساء، هذه تصبح “حاجة” على لسان الشواش، تشتري الممتلكات وتركب أفخم السيارات، والأخرى – من نفس السلم- تعايش الفقر والخصاص، فتتحول الأغلبية الساحقة من الموظفات المحرومات إلى معارضات حقيقيات.

ليست المعارضة إذن، هي التي تصدر صحفا للاحتجاج، ولا تعقد مؤتمرات أو مظاهرات لتكسير الزجاج، وإنما المعارضة الحقيقية هي التي تتوالد في العقول أثناء كل ردة فعل، وفي كل لحظة حيف، أو ساعة انتظار، أو كلمة حكم من فم قاض ظالم.

وأخطر من ذلك المعارض الذي يلقي خطبة ملتهبة أمام جمع من الطلبة، ذلك الجمع من المعارضين الذين لا يفهمون من قانون المالية إلا ما يتعلق بالزيادات في الأثمان، والتوسعات في الضرائب.

وكل من يقول اللهم إن هذا منكر، معارض.

وكل من يكتب رسالة طلب ولا يتلقى جوابا معارض.

المعارضة الحقيقية اليوم هي التي أصبحنا نجدها عند أكبر حزب، وهو حزب “الفايسبوك”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box