عندما تدخل الملك الحسن الثاني لصالح الاتحاد العام لمقاولات المغرب ضد قرار وزير الداخلية إدريس البصري

رد على مقال الباحث أقصبي لجريدة “المساء”

بقلم: عبد الرحيم العلمي الحجوجي – رئيس اتحاد مقاولات المغرب سابقا

—-

   على إثر الاستجواب الصحفي الذي أدلى به الخبير الاقتصادي السيد أقصبي في  صحيفة “المساء” 19/10/2019، حول المداخلة التي قام بها رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب المستقيل في إحدى المحافل الدولية على أرض المغرب، يؤسفني أن أسجل وبكل مرارة، أن هذا الأخير قد قدم تصورا خاطئا ومليئا بالقذف والتشويه للاتحاد ومهامه.

إن التركيز في هذا الاستجواب على تبخيس دور الفاعل الاقتصادي الوطني وحصره في شكل بقايا الاستعمار، لهو أمر مهين ومسيء للمقاول والمغرب على حد سواء.

في هذه الحالة، أتساءل كيف لأستاذ جامعي أن يسمح لنفسه بنعت النسيج المقاولاتي المغربي بهذا الوصف القدحي جاعلا من النزعة السياسية المتطرفة التي ينتمي إليها تهيمن على التحليل الموضوعي والمنطقي.

ورجوعا إلى جوهر الموضوع، ومحاولة مني لاستيعاب مضمون ومقاصد ورقة السيد الباحث، فإنني أجدها في شكل فوضوي، كما أنها تفتقد إلى روح التحليل المسؤول، بل اكتفت بسرد لائحة من الاتهامات العشوائية الموجهة إلى المقاولة منها:

– ربط الاتحاد في صفته الحالية بالاتحاد أثناء فترة الحماية ووصفه بنادي المعمرين القدامى والجدد.

– اتهام أعضاء الاتحاد بالحصول على امتيازات متعددة من طرف الدولة، من  ضمنها مليون هكتار التي وزعت على أفراده، حسب زعمه.

– فشل القطاع الخاص في المساهمة بالنهوض بالتنمية الاقتصادية.

– مدى تدخل الاتحاد في سياسات الدولة.

قبل الرد على هذه النقاط، يجب الوقوف أمام الوضع الاقتصادي المغربي بعد نهجه سياسة الانفتاح، حيث أصبح مندرجا كليا في الاقتصاد العالمي، مما يستدعي الحزم واليقظة قصد تطوير وتحسين منافسة النسيج المقاولاتي حتى لا يصبح فريسة للأسواق الدولية، وهنا يتجسد دور الاتحاد الذي عليه أن ينقل للسلطات الحكومية كل تطلعات وتخوفات المقاولين حتى يصبح النسيج الاقتصادي أكثر مسايرة لوتيرة المنافسة، وفي هذه الحالة، أتساءل لماذا يرى السيد الباحث أن الدفاع عن تشجيع المقاولة المغربية يكون دافعه هو الركوض وراء المال والجشع وليس تنمية الاقتصاد؟

إن الاتحاد ليس ناديا لبقايا الاستعمار كما زعم السيد الباحث، وإنما هو تجمع لفعاليات اقتصادية لها الفضل في الحرص على خلق مناصب شغل مع تحمل كل المخاطر التي تحيط بالقطاعات الاقتصادية.

ورغم كل التحديات والمصاعب، فقد خلق القطاع الخاص حوالي 3.400.000 منصب شغل المصرح بهم لدى صندوق الضمان الاجتماعي مع صرف 150 مليار درهم سنويا ككتل للأجور، هذا دون القطاع الغير المنظم أو الغيرالمهيكل والذي يساهم بدوره في تنمية الاقتصاد، علما أنه في الستينيات، كان عدد العمال المصرح بهم لا يتعدى 300.000 عامل وكتلة الأجور تنحصر في  ملياري درهم، فكيف يمكن تبخيس كل هذا المجهود؟

ثم زعم السيد أقصبي أن الاتحاد قد وزع آنذاك مليون هكتار على أعضائه، أي ما يساوي ربع المساحة الكلية الصالحة  للزراعة في المغرب.. فهل يعقل هذا؟ إنه  لغو وتهريج، ومن المؤسف أن توصف المقاولة كمصدر للنهب والاغتناء، وإنني في الوقت نفسه لا أنفي وجود عناصر استفادت من مزايا سخية، ولكنها تبقى حالات منعزلة تدعو للأسف والمحاسبة معا، وأرجو من السيد الباحث أن يعيد قراءة مقاله وأن يعتذر عما جاء على لسانه من قذف مجاني.

بخصوص مدى تدخل الاتحاد في القضايا السياسية، لا يمكننا الفصل بين السياسة الاقتصادية والسياسة العامة، خصوصا وأن اقتصادنا أصبح مرتبطا بالأسواق الدولية، مما يجعلنا خاضعين للاتفاقيات الدولية التي تجعلنا نتحمل أثارها الإيجابية والسلبية معا، وفي هذه الحالة، أقول بأن للاتحاد الحق في الإدلاء برأيه في جميع القضايا التي لها وقع على تنافسية الاقتصاد الوطني عموما والمقاولة خصوصا.

لقد سبق للاتحاد أن اتخذ موقفا سنة 1995 ضد قرار حكومي يرمي إلى إسناد صفقة تدبير الماء والكهرباء بمدينتي الرباط والدارالبيضاء لمجموعة فرنسية   دون المرور عبر مناقصة دولية، مما حال دون ضمان الحصول على أفضلية العروض، وكاتبنا وزير الداخلية آنذاك إدريس البصري، في هذه النازلة، معبرين عن رفضنا لأن سعر الماء والكهرباء يشكل عنصرا من عناصر تدخل في كلفة  المنافسة، ورغم الضغوطات التي  تلقيناها من وزير الداخلية، أصررنا على موقفنا إلى أن تدخل الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله، وحسم الموضوع بإعطاء أوامره لترتيب لقاء بين الاتحاد والمجموعة الفرنسية لمراجعة مضامين العرض، حينذاك أكدنا لوزير الداخلية أن عدم وجود عروض منافسة هو بمثابة  تسليم شيك على بياض للمستفيد منه، وبعد هذا اللقاء جاءت التعليمات الملكية بإحداث لجنة تتكون من خبراء من الطرفين، الشيء الذي مكننا من تحسين العرض لصالح المغرب، وبعدها سلمنا دراسة لوزير الداخلية مفادها أن عرض المجموعة الفرنسية سيكلف المستهلك المغربي عبئا إضافيا يقدر بـ 22 مليار درهم على مدى 30 سنة، فاقتنع الوزير بمعظم ملاحظاتنا وطلب منا سحب تحفظاتنا، إلا أننا رفضنا مبدئيا شكل الصفقة، ورغم ذلك لم نتوصل بأي توبيخ أو لوم من الملك الراحل رحمه الله، بل وكما عهدناه بنظرته الشاملة والحكيمة، أمر  بأن تأخذ ملاحظاتنا بعين الاعتبار.

وهنا، ورجوعا إلى تدخل السيد مزوار خلال المحافل الدولية باقتحامه لسياسة داخلية لبلد شقيق بإعطاء نصائح وقراءة للمشهد السياسي الجزائري، فإن ذلك لخطأ فادح، وما كان عليه أن يقحم الاتحاد العام لمقاولات المغرب في هذا الجدل، علما أن السياسة العامة للمملكة أعلنت منذ سنوات حيادها بشأن كل ما يخص  المشهد السياسي الجزائري، وهنا أؤكد على أن الاتحاد يمكنه التدخل فقط فيما فيه  مصلحة الاقتصاد الوطني.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box