تحليل إخباري | معاقبة مزوار تكشف حرب مواقع بين المكلفين بمهام في الديوان الملكي

إعداد: سعيد الريحاني

خرجت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي عن هدوئها المعتاد، يوم الأحد الماضي، والأحد هو يوم عطلة، لتوبخ، بلغة حادة، وزيرها السابق صلاح الدين مزوار، الذي كان قد تحدث بصفته رئيسا لاتحاد المقاولات المغربية عن الوضع في دول المنطقة المغاربية خلال حضوره أشغال النسخة 12 من مؤتمر السياسة العالمي، الذي افتتح يوم السبت الماضي في مراكش، من تنظيم المنظمة السويسرية  Fondation World Policy Conference (..).

مزوار الذي كان يتحدث عبر المنصة الفاخرة للقاء، وهي نفس المنصة التي استحضر فيها الوزير الأول الفرنسي إدوارد فيليب (مشارك)، مقولة الحسن الثاني التي قال فيها ((السياسة تشبه إلى حد ما الطقس، ونحن نتقدم في طقس صاف أو طقس غائم، يتعين علينا في كل مرة اختراق غيوم المستقبل))، قاده حظه العاثر (المقصود مزوار) للتعليق عن الوضع في الجزائر، فقال جملتين عاديتين جدا، لا تقبلان أي تأويل، وتقولان بأن ((الاحتجاجات في الجزائر سلمية وتبعث على الأمل)) و((دعوة العسكر إلى القبول باقتسام السلطة)).

من حق مزوار أن يقول ما يشاء باعتباره مواطنا، وليس موظفا لدى وزارة الخارجية، كما أن رئاسته للباطرونا لا تتعارض مع إبداء الرأي، لكنه ما إن أنهى كلامه، الذي نقلته بعض المواقع الإلكترونية، حتى بادرت وزارة الخارجية، وبسرعة البرق، إلى إصدار بلاغ يهاجمه بلغة “غير دبلوماسية” رغم أن الوزارة تتوفر على طاقم كفؤ في التواصل ويستبعد أن يكون أعضاؤه هم من دبجوا بلاغ إدانة مزوار في يوم عطلة(..).

يقول بلاغ وزارة الخارجية، التي يوجد على رأسها ناصر بوريطة الذي حظي بالثقة من جديد خلال التعديل الحكومي الأخير، أنه يشجب ((التصرف غير المسؤول والأرعن والمتهور)) للسيد صلاح الدين مزوار، رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب، الذي اعتقد أنه يتعين عليه التعليق على الوضع الداخلي بالجزائر خلال مؤتمر دولي منعقد بمراكش، وأوضحت الوزارة، أن هذا التصريح أثار تساؤلات على مستوى الطبقة السياسية والرأي العام بخصوص توقيته ودوافعه الحقيقية.. ((إن المملكة المغربية قررت التمسك بنهج عدم التدخل إزاء التطورات بالجزائر.. إن المغرب يمتنع عن أي تعليق بهذا الخصوص، فهو ليس له أن يتدخل في التطورات الداخلية التي يشهدها هذا البلد الجار، ولا أن يعلق عليها بأي شكل كان)) (المصدر: بلاغ وزارة الخارجية الصادر يوم الأحد الماضي).

الاتحاد العام لمقاولات المغربية، ليس هيئة تابعة لوزارة الخارجية، كما أن مبرر “التدخل في الشأن الجزائري” لم يكن واضحا، بدليل أن الجزائر نفسها لم تهتم لكلام مزوار، ومع ذلك، فقد صدر بعد دقائق فقط على الصفحة الرسمية لاتحاد مقاولات المغرب، نص استقالة صلاح الدين مزوار، ليطرح السؤال عما إذا كان هو من كتب نص الاستقالة أم جهة أخرى، بالنظر إلى سرعة رد الفعل؟

هكذا مارست وزارة الخارجية فعلا سياسيا، بمحاسبة مسؤول مدني عن تصريح سياسي، لتعود إلى الأذهان واقعة تدخل نفس الوزارة، نهاية سنة 2016، لردع الأمين العام السابق لحزب الاستقلال، حميد شباط، عند قوله بأن ((موريتانيا كانت جزءا من التراب المغربي(..)))، وانظروا للمفارقة، فقد كان وزير الخارجية وقتها هو صلاح الدين مزوار، لكن الذي كتب البلاغ ضد شباط باسم مزوار هو الوزير المنتدب في الخارجية ناصر بوريطة، الذي أصبح اليوم وزيرا للخارجية(..)، وقتها قالت الخارجية إن تصريحات الأمين العام لحزب الاستقلال (شباط) التي قال فيها إن موريتانيا كانت ضمن خريطة المغرب، بأنها ((تصريحات تفتقد بشكل واضح لضبط النفس وللنضج، وتساير نفس منطق أعداء الوحدة الترابية للمملكة الذين يناوئون عودتها المشروعة لأسرتها المؤسساتية الإفريقية))، ومن نفس المحبرة التي كتب منها البلاغ ضد مزوار واصفا إياه بـ”الرعواني”، قالت الوزارة في بلاغها: ((إن تصريحات شباط تضر بالعلاقات مع بلد جار وشقيق وتنم عن جهل عميق بتوجهات الدبلوماسية المغربية التي سطرها الملك والقائمة على حسن الجوار والتضامن والتعاون مع موريتانيا الشقيقة)).

بوريطة إذن، وصف شباط سنة 2016 بـ”الجاهل”، ووصف مزوار سنة 2019 بالجاهل، غير أن الفرق بين مزوار وشباط، هو أن الأول اختار الاستقالة مباشرة من رئاسة الباطرونا، لكن شباط دافع عن موقفه ليصدر عن حزب الاستقلال أقوى بلاغ ضد وزارة الخارجية في عهد مزوار، حيث قال شباط بلسان اللجنة التنفيذية لحزبه: ((إن وزارة الخارجية ليس من مهامها تقييم وتصنيف مواقف وقرارات الأحزاب السياسية، كما أنها مطالبة بالتوفر على قدر كبير من الكياسة واللباقة في اختيار العبارات التي تصوغ بها بياناتها، وأن حزب الاستقلال يرفض التطاول عليه وعلى أمينه العام، كما يرفض تلقي دروس في الوطنية من وزير الخارجية)).. هكذا تحدثت اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، قبل أن يخرج شباط ليتهم المستشار الملكي الفاسي الفهري على قناة “فرانس 24” (بعد أن أغلقت في وجهه منافذ الإعلام العمومي) بالوقوف وراء “كهربة الأجواء” والتدخل في الشؤون الداخلية لحزب الاستقلال، وقتها كان بن كيران بصدد التفاوض لتشكيل حكومته الثانية، فكان جزاء شباط هو إبعاد الاستقلال من الحكومة، رغم أن الحزب كان متمسكا بالتحالف مع بن كيران(..).

ويا لها من مصادفة، أن يكون أحد منتقدي وزارة الخارجية بالأمس هو سفيرها اليوم في تونس، فقد سبق للقيادي الاتحادي حسن طارق، أن قال بأن ((قوة رد وزارة الخارجية المغربية على تصريحات الأمين العام لحزب الاستقلال، غير متناسبة مع تصريح شباط)).

بين الأمس واليوم، يمكن أن يطرح سؤال: هل يتدخل المستشار الفاسي الفهري في السياسة؟ وإذا كان يتدخل في السياسة، ألا يعني ذلك أنه أخذ مكان المستشار فؤاد عالي الهمة المكلف الأصلي بالشأن السياسي؟ وهل هناك حرب مواقع بين المكلفين بمهام في الديوان الملكي؟ لا سيما أن كل تحركات الوزير بوريطة محسوبة عند الدبلوماسيين على الوزير المستشار الفاسي الفهري، الذي يقدم نفسه كملم بالوضع في الصحراء(..)، وتطرح تساؤلات كثيرة بخصوص قرارات دبلوماسية اتخذت مؤخرا، باسم الدبلوماسية المغربية، ومنها تعيين الاستقلالي يوسف العمراني المكلف بمهمة في الديوان الملكي، كسفير للمغرب في جنوب إفريقيا، والواقع أن تعيينا من هذا النوع، يمكن أن يفسر كإبعاد للرجل عن المربع الملكي، لا سيما أنه لم تكن تربطه أي علاقة ود مع المستشار الفاسي، كما تطرح عدة تساؤلات بخصوص سياق تعيين الكاتب العام لوزارة الخارجية، علي الأزرق سفيرا للمغرب في تركيا رغم أنه لم يعمر في المنصب طويلا(..).

إن الحديث عن معاقبة مزوار على تصريحاته، لكونها تتضمن إساءة للجزائر، يبدو عصيا على التصديق، ما يفرض ضرورة البحث في مجمل الكلمة التي عرضها مزوار في اللقاء الأخير بمراكش، حيث لم يتحدث عن الجزائر فقط، بل قال أيضا ما مفاده أن ((مستقبل المنطقة المغاربية هو لصالح الحركات الإسلامية، لأنها أكثر تنظيما، وأنها ستهيمن على الساحة السياسية في العقود المقبلة))، فكانت جريمته هي “التفكير بصوت مرتفع”.

مزوار الذي اعتقد أن من حقه التفكير، وهذا مرتبط بالمسار الذي صنعه، سيسجل له التاريخ قوله في آخر حياته السياسية، أنه دافع عن الصين، حيث قال أنه ((سعيد لوجود الصين كقوة تحقق التوازن مع الولايات المتحدة الأمريكية، لأن ذلك يساعد، في نظره، على استعادة النظام))، قبل أن يضيف: ((نحن في حرب مواقع، والأمر يتعلق بقوتين تتحاربان اليوم وستتفقان مستقبلا))، وأوضح مزوار أن ((الرجوع إلى التوازن العالمي يمر أساسا عبر قبول الولايات المتحدة الأمريكية والغرب بصفة عامة بوجود الصين كقوة أخرى تمثل عالما آخر، ومعها يتوجب وضع القواعد التي ستحكم العالم غداً”..في المقابل، عاب مزوار على الاتحاد الأوروبي وقوفه كقوة متوسطة، تواجه انقساماً وجدلاً مستمرا بخصوص “البريكست”، أمام قوتين عظيمتين تتصارعان، ليختار فيما بعد الجهة التي سيتبعها)) (المصدر: هسبريس: 12 أكتوبر 2019).. هكذا تحدث مزوار قبل استقالته، ليكون حديثه عن الصين، وتحديه لأمريكا، ودعمه للإسلاميين، عنوانا لمحاضرة لن ينساها بالتأكيد، لا سيما بعد فعفعته(..).

تعليق واحد

  1. ابن عرفة ضفاف الرقراق

    أن تعتقد بأن الباطرونا مستقلة عن الدولة (السيادة)،فهذا لن يصدقه حتى المبتدأ في السياسةفما بالك بصحفي يخطط مقالا غاية في التحقيق والتحليل وان تقليم اظافر مزوار من طرف الجالس على كرسي الخارجية لا يفهم لان مزوار مواطن حر من حقه أن يفكر بصوت مسموع.
    الا ان ماكان ينبغي ان يشار اليه ولم تشر اليه لماذا لم تنبس رئاسة الحكومة ببنت شفة؟؟ مع أن العثماني الرجل الثاني في الدولة وكان من الممكن أن يقبل عتابه ولومه وتصحيح الاعوجاج حتى لا يقع التشويش.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box