الحقيقة الضائعة | قصة أول تحالف عسكري سياسي ضد قرار ملكي

بقلم: مصطفى العلوي

يلتقي المغرب مع كثير من الدول المستهدفة(…) على أرضية فرشتها أدمغة المخابرات الأمريكية، وخطط لها خبراء جهاز السيا، ((ما بين 1950 و1975 امتدت عمليات السيا على جميع أرجاء العالم(…) مؤامرات دولية، تحريك للكوامن المخابراتية، تلاعب بالحكومات(…) وبالتنظيمات الحزبية، انقلابات دموية.. اغتيالات للأقطاب)) (كتاب مؤامرات السيا. ألان جوبير).

وقبل سنة 1975 بثلاث سنوات، كان المغرب مسرحا لأحداث تؤكد هذا الاتجاه.. حيث شاهد المغاربة آنذاك، وفي أعقاب ثورة الصخيرات (10 يوليوز 1971) كيف تم إعدام النخبة العسكرية المغربية.. ممثلة في الجنرالات حمو، بوكرين، حبيبي، مصطفى أمحراش والكولونيلات شلواطي، بوبري، بلبصير، الفنيري. والكومندان المنوزي، أخ المعارض المنوزي الذي لم تعثر عليه هيأة الإنصاف والمصالحة لحد الآن.

ودارت الأيام.. لتكشف الأسرار، أن أغلب الضباط المعدمين.. الذين أعدموا جميعا بدون محاكمة(…) لم يكونوا متورطين في محاولة الانقلاب. سنة من بعد.. وفي غشت 1972، أعدم الجنرال أوفقير.. وعشر سنوات من بعد (23 يناير 1983) أعدم الجنرال الدليمي، ليتم القضاء النهائي على النخبة العسكرية التي كانت تضم أقطابا كبارا في العسكرية، وفي الاستراتيجية وفي النخوة البشرية، تلك النخبة.. التي لم يكن يطمئن لها، لا النظام الجزائري(…) الذي تلقى على أيديها الضربات القاسية (حرب أكتوبر في حاسي بيضا سنة 1963) ولا أقطاب النظام الأمريكي الذي لم يكذب أنه أغمض العين، على عملية اغتيال الزعيمين الإفريقيين: المهدي بنبركة وباتريس لومومبا.

النظام العالمي الجديد(…) الذي ولد في أعقاب الاغتيالات والانقلابات.. خطط للتخلص من كل الضباط الذين يفكرون(…) سواء في المشرق أو في المغرب.. وها هو هذا النظام.. يشرب نخب انتصاره في تحويل منطقة ما يسميه بالشرق الأوسط الكبير، من بغداد إلى الرباط، حيث مات ذلك الزمن الذي كنا نسمع فيه عن الوحدة الكبرى، وعن القومية وعن حزب البعث، وأصبح الجيل الجديد.. لا يدخل في أية سوق، إلا سوق راسو.

أنظمة في شكل ديكتاتوريات، بالعمامات تارة، والقلنسوات تارة أخرى، ورؤساء لدول عربية، عوضوا الملوك والسلاطين.. وأخرسوا ألسنة شعوبهم.. وقزموا قامات ضباط جيوشهم.

حالات يطول شرحها.. لتبقى حالة الجنرال أحمد الدليمي.. أكبر من أن يعطيها واحد من أولاد أخيه، طابعا تصفويا، خاليا من العامل السياسي، يصعب على الشاب الذي كان صبيا أيام مقتل عمه أن يضبط العناصر الحقيقية والأسباب الكامنة وراء تصفية الجنرال الدليمي، ويحصرها في صراع مع موظفين من قبيل الوزير إدريس البصري، أو أحمد رضى جديرة.. إضافة إلى الخطأ القاتل لأطروحة ابن عم الدليمي هشام، الذي تحدث في سرده عن تواجد الكولونيل بوعطار ساعة إعدام الدليمي. بينما بوعطار أعدم قبل الدليمي بثلاثة أسابيع (انظر موضوع هشام الدليمي. مجلة أكتويل عدد 8 يناير 2011).

الجنرال الدليمي، كان من صنف تلك النخبة من الضباط الذين كانوا يحكمون عدة دول قريبة منا، ويقضون مضاجع الاستعمار الغربي. كان الدليمي من المعجبين بجمال عبد الناصر، والقذافي أيام مجده(…) ويعرف أيضا بدموية صدام حسين، وبدهاء حافظ الأسد، فلم يكن ذلك الضابط الذي يكردف(…)، لكل حاكم.. بمجرد ضمان رتبته وأجره، والتغطية على أغلاطه وثرواته(…) كما هو الحال في كثير من الأحوال(…).

الجنرال الدليمي، الذي غادر مهامه بمحض إرادته، وقدم نفسه للشرطة الفرنسية في باريس، وقال للمحكمة: إذا كنتم متأكدين من دوري في اختطاف المهدي بنبركة فحاكموني، لتبرئه المحكمة الفرنسية.. هو إذن، من طينة ضباط كبار.. يعرفون معنى الشرف الشخصي.. وهو ما أهله لأن يفرض مع الجيش الملكي، السيادة المغربية على الصحراء.. بعدما نظم عدة عمليات مدروسة، مثل عملية أحد، ويعتقل المآت من متمردي البوليساريو، ولست متأكدا من حكاية الخناشي التي كان يبعثها للرباط ملئى بالآذان المقطوعة لثوار البوليساريو. لأن الدليمي لم يكن يعتقد أن كسب معركة الصحراء، سيتم عبر التلاعب بميزانيات الجيش، أو تأمين الصحراء للسماح ببواخر الصيد الخاصة، أن تصبح مناجم الثروة الشخصية لبعض الكبار. ولم يكن مندوب الإنعاش الوطني في عهد الدليمي، يبعث الحقائب مشحونة بأموال الإنعاش الوطني للخزان المجهز في بيت المسؤول العسكري بالرباط، حيث عثر الباحثون، على القناطر المقنطرة من أموال الإنعاش الوطني. ما يكفي ليؤكد الخلفيات السياسية للجنرال الدليمي عبر هيمنته على الصحراء.. وتأمينها.. لدرجة جعلت الجزائريين – وهذا ليس سرا – يجتمعون به مرة في مدريد، ومرة في فندق ريشموند، في جنيف حيث كان الملك الحسن الثاني يبعث مستشاره أحمد رضى جديرة للحضور، وهي المفاوضات التي نشرت أخبارها وقتها، فأثارت وسط المجموعة المحيطة بالحسن الثاني موجة من التفسيرات، من قبيل أن الدليمي يخطط لإقامة دولة في الصحراء مع البوليساريو.

ولكن المؤكد في المسار السياسي للجنرال الدليمي، هو تلاقي أفكاره المتشبثة، بأن القوة، هي الضامن الوحيد لبقاء المغرب في صحرائه، مع الزعيم الاتحادي عبد الرحيم بوعبيد، الذي كان يحمل نفس الأفكار.

إلا أن الجنرال الدليمي كان أكثر جرأة من عبد الرحيم بوعبيد..ولازال شهود عيان حاضرين.. الذي طلب منه الملك الحسن الثاني أن يجتمع بالجنرال الدليمي، ليقنعه بتبريد مواقفه، حينما كان الدليمي مع الملك الحسن في نيروبي سنة 1981، وعندما أعلن الملك أمام القمة الإفريقية، قراره بقبول الاستفتاء في الصحراء، لاحظ الوفد الرسمي في نيروبي، أن الياوور الخاص للملك، الجنرال الدليمي، وقف وغادر القاعة ثم غادر نيروبي.. بدون إذن الملك.

لا السماء ولا الأرض، تحتملان ما كان معروفا عند الحسن الثاني من غضب تنوء به الجبال، بينما الزبانية الانتهازية المحيطة بالحسن الثاني، وجدتها فرصة سانحة لتحريك المواجع في ذهن الملك الغاضب.. ليبرعوا في تضخيم غلطة الدليمي، الذي أطلعه مدير الشؤون الأمنية في القصر الكولونيل بوعطار، على تقرير يهم العلاقات السرية(…) للحارس الشخصي محمد المديوري الذي كان يطمح لأن يصبح الرجل الثاني في القصر وعندما أمر الدليمي صديقه بوعطار بتقديم التقرير للملك، تذكر إحدى السيدات القديمات في القصر، واللواتي أبعدن من القصر بعد موت الحسن الثاني، إنها كانت شاهدة على غضبة الحسن الثاني وسط نساء القصر وهو يتهم الكولونيل بوعطار بالكذب.. وهي الغضبة التي اختفى معها هذا الضابط الوديع.. ولم يعثر عليه ولا جثته إلى اليوم.

وكان الزعيم الاتحادي، عبد الرحيم بوعبيد، قد أعلن معارضته هو أيضا، لقرار الملك بقبول الاستفتاء في الصحراء.. لتنمو في المحيط الملكي، فكرة اتفاق سري بين الجنرال الدليمي، وعبد الرحيم بوعبيد، الذي اعتقل وألقي به في سجن بمدينة ميسور.

وكان ذلك أول تحالف عسكري سياسي في المغرب، ضد اختيار سياسي ملكي، كان خليقا بالذين عايشوا هذه الفترة، ومن بينهم السياسي امحمد بوستة، أن يكتبوا لنا التفاصيل، ليضمنوا لنا مغرب المستقبل على أسس متينة.

هناك أخبار تكشف عن المسار، في موضوع تسلسل الأحداث، حول الموقف السياسي للجنرال الدليمي، واتفاقه الحاصل أو البديهي، ومع عبد الرحيم بوعبيد، والذي تطور بفعل تحركات المنتهزين، على تفاعل عنصر المؤامرة، ليس من قبيل التخمين أو الإشاعة.. وإنما في تلك الوثيقة التي حصل عليها الصحفي الفرنسي توكوا ونشرها في كتابه “غروب ملكية” مقدما لها بمعلومات حصل عليها بواسطة الوسيط الفرنسي الصحفي “رولان داركور” الذي وصف الوثيقة بأنها “مطبوعة على الآلة الكاتبة في ورقة مطبوع على رأسها القصر الملكي، لا تحمل تاريخا وإنما إمضاء محمد المديوري.

((وفيها محضر لاستنطاق الجنرال الدليمي، رغم أنها تهم قضية الدولة إلا أن المديوري في فقرتها الأولى يكذب تقرير الكولونيل بوعطار عن الحارس المديوري، ويقول أنها أخبار غير صحيحة(…) إذن المديوري يبرئ نفسه من أشياء، ولكن فيما يهم المسار السياسي للجنرال الدليمي يكشف أن الدليمي اجتمع مرتين مع البوليساريو والضباط الجزائريين، وأن الدليمي اجتمع بضباط المخابرات الأمريكية السيا الذين شجعوه على تنظيم انقلاب ضد الملك الحسن الثاني)) (كتاب غروب ملكية. بيير توكوا).

المخابرات الأمريكية.. التي ربما قد تكون على علم بنية الجنرال الدليمي في تنظيم انقلاب عسكري، أو قيام دولة صحراوية برئاسته، بعد أن أصبح فعلا سيد الصحراء، والذي التقى فعلا بأقطاب البوليساريو والجزائر في سويسرا وإسبانيا، سربت تقريرا إلى الحسن الثاني، بواسطة عميلة أمريكية.. هي زوجة عامل طنجة، البخاري، وهي جزئية أكدها القرار الملكي بتعيين زوج هذه العميلة، البخاري، مديرا للأمن الوطني، أربعة وعشرين ساعة بعد إعدام الدليمي.

التفاصيل المؤكدة، لمسار عملية التخلص من الدليمي، لا ينقصها شهود باستثناء إدريس البصري والجنرال بنسليمان اللذان كانا في مهمة بالرباط وسمعا المذيع الصديق معنينو في الحادية عشرة ليلا يذيع خبر وفاة الجنرال الدليمي في حادثة اصطدام. أما ما حصل مساء 23 يناير 1983، فقد دخل الدليمي إلى قصر مراكش، وعلى غير عادته، منعه مدير التشريفات الجنرال مولاي حفيظ، من الدخول على الملك، واستمهله في إحدى قاعات الانتظار، حيث سمع في ما بعد، إطلاق للرصاص من طرف ثلاثة مصادر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box