الحقيقة الضائعة | الله يـلـطــف

بقلم: مصطفى العلوي

اللطيف.. تقليد مغربي أصيل تغلغل في أعماق كل مغربي عبر الأجيال، خصوصا وأنه يصدر عن كل مؤمن بالله وكتبه ورسله، وهي حالة الأغلبية الساحقة الصامتة في المغرب وكل مظلوم في أغلب الأحيان.. وهو حال الغالبية العظمى، لا يجدون جميعا ملجئا إلا في الاستنجاد باللطيف الخبير، الذي يسمع وحده دعوة الداعي إذا دعا..

وقد ذكر آباؤنا أن اللطيف سلاح خطير، وأن قراءة اللطيف التي كانت تجري في المساجد، أو في المجالس المغلقة، خوفا من التنكيل.. وبعيدا عن آذان البوليس(…) كان ضباط الاستعمار يقدرون خطورتها لأنهم يعرفون سرها، آباؤنا يحكون أنه عندما ضاقت أحوال التنكيل بالمغاربة وعلمائهم بفاس، أيام الفقيه “بلقرشي” وغيره من أقطاب الوطنية الصادقة وعلماء كانوا يسمون ضمير الوطن، كان الملجأ هو قراءة اللطيف، ويا حسرة على ذلك الزمان.

في بداية الأربعينات.. دخل علماء وحرفيو فاس إلى مسجد مولاي إدريس، وبدؤوا يقرؤون اللطيف.. حينما سارع “بياعة السلطة” و”مخازنية النظام” عند المراقب الفرنسي لفاس، وأخبروه بأن الناس كلهم في مولاي إدريس، يقرؤون اللطيف، فضحك المراقب الفرنسي، وقال لهم: بوف.. إنها صواريخ ومدافع المغاربة.. لن تتعدى صحن مولاي إدريس.

وبعد شهور قليلة، كانت جيوش هتلر تخترق شوارع باريس، بعد أن هدمت أطراف فرنسا بالصواريخ، حينما توصل المراقب الفرنسي بفاس برسالة خطية مكتوبة من مجهول، يقول له فيها: ((إنها مدافع اللطيف من مولاي إدريس بفاس هدت أركان فرنسا)).

قراءة اللطيف بمولاي إدريس كانت، إذن، وفرنسا تهدمت بعد قراءة اللطيف هدما.. كان إذن، وفي هذه الأيام الكالحة، ومع انتهاء عطلة الصيف التي لم تكن، لأول مرة، عطلة بالنسبة لأغلبية المغاربة، وبعد العودة إلى الحياة السياسية، برز استفحال ظاهرة غريبة، وهي تعليق كل المعلقين، والمتحدثين، والمتناقشين من كبار المسؤولين(…) وصغار الموظفين، والتائهين، والفاهمين، والغير فاهمين، والمستغربين لما زال يجري في المغرب من غرائب، والمتعجبين لما نعيشه من عجائب.. كبر شأنهم أو صغر مستواهم.. كلهم أصبحوا يعلقون على الأحداث بقولهم: الله يلطف.

إن الله حقا.. هو اللطيف بعباده، وإن كان كل في داخله، أو يصارح بقول الله يلطف هو رجوع إلى الله.. وفي نفس الوقت، خوف على هذا الوطن مما تزمجر به سماؤه وتميد.. من غيوم داكنة ليتها تفجرت مطرا لتطفئ الغضب(…) ولكنها، ومع الأسف الشديد، تراكمات لظروف سياسية، وهفوات سلطوية، واختيارات حكومية، وأخطاء برلمانية، ومسؤوليات حزبية زادتها أزمات اقتصادية، وجفاف وقحط طبيعية، وديون متراكمة، إنها أمراض أصبحت مزمنة، ونوايا أصبحت – كما نرى – متوقفة وحلول أصبحت – كما نرى – منعدمة.. كلها عناصر نخشى.. ويخشى أبناء هذا الوطن جميعا أن تكون قد وصلت إلى الطريق المسدود، فزادت فجيعتهم وخوفهم، مما يخبؤه هذا الزمان الذي أدار – كما يبدو- عن المغاربة وجهه الحسن، وعبس فيهم وتولى.. وكثير منهم ممن لم يمت بحد الطوفان، مات بسيف حوادث السير التي حصدت في هذا الصيف، أكثر مما قد يحصده هجوم بطائرات العدو على مدينة آمنة.

وها هم المغاربة.. وقد تجمدت مشاعرهم أمام حالة المئات الذين جرفهم السيل العرم، في أطراف تارودانت، فقال بعض الشهود إنهم رأوا يوم القيامة، وكان الغرق بالنسبة لمن ماتوا هو الطوفان.. حتى لكأنا بالذين واتتهم فترة التفكير قبل الغرق، كانوا يرون أن ((البحار سجرت))، كما قال القرآن: ((وإذا السماء كشطت.. وإذا الجحيم سُعرت))، وكأني بهم في لحظاتهم الأخيرة، وهم مجروفون بالسيل ((يقولون إنا لمردودون في الحافرة)).

إنه الزمن في وجهنا ((عبس وتولى)) لأن السيول المزمجرة التي تحيط بنا من كل جانب.. أكبر وأعتى من سيل تارودانت أو ميدلت، وما هو في الواقع إلا عبرة لمن يعتبر(…) إذا كان هناك من يعتبر(…) لذلك أصبحنا نرى الناس يقفلون قافية كل حديث بقولهم: الله يلطف.

ذلك أننا نرى – بوضوح وجلاء- أن الذين هم في نعيم، بدؤوا يشترون الجنسيات الأجنبية حيث وضع الكثير في حساب بكندا – مثلا- مئات الآلاف من الدولارات.. تكفيهم للحصول على رخصة الإقامة في الكندا، بينما أغلب الفاعلين الناعمين المثرين، دبروا شؤون جنسياتهم وحصلوا على الجواز الأجنبي الذي يمكنهم من الاحتماء ساعة تحصحص الساعة(…) لذلك تراهم ينظرون إلى هنا.. عبر نافذتهم من هناك.. بعد أن فقد الكثير منهم الأمل في أن يحصل هنا ما يجدونه هناك، من استقرار وكرامة وعدالة ومساواة، أو هكذا يتوهمون.

في شريط سينمائي سبق وعرض منذ سنوات في فرنسا بعنوان: “لاسيريموني” للمخرج “كلود شابرول”، تبرز فلسفة بشرية أصبحت تفرض نفسها قبل السينما على واقع الحقيقة عندنا.. وعندهم تقول: ((إن السيد لا يشعر بأن عبده عبد، لأنه يظن أنه يعطيه، ويتصور أنه يرضيه، ولكن ذلك العبد هو الذي يعرف ويشعر بأنه عبد)).

فما أكثر من يعاملوننا معاملة العبيد.. دون أن يشعروا.

ونحن الذين لم يقصر ذوو النيات الحسنة عندنا في إقامة صروح الديمقراطية والعدالة والمساواة، نرى، ونشهد أن الخلل موجود، وأن انعدام الإيجابية والواقعية هو المهيمن على كل ذوي الأيادي العليا.. وكل من له حبة خردل من نفوذ.

وسيكون من باب الكلام المعاد، في زمن لكل واحد فيه الحرية أن يقول ما يريد، ولكل واحد له الحرية أن يفعل ما يريد، سيكون من باب الكلام المعاد إذن، سرد الحالات الشاذة التي كثرت واستفحلت حتى أصبح المعقول هو الشاذ..

وأصبحنا نشعر بعجز مطلق.. أمام وقف التيار الجارف للخلل، إلا إذا كان الناس قد تعبوا، ووضعوا الحمل لمن يشيل.. كما يقول المصريون، ولا من يشيل.

ومصيبتنا أنه بقدر ما تستفحل أحوالنا الداخلية(…) والإدارية، والاجتماعية، والاقتصادية، والحضارية(…) بقدر ما يزداد العالم تقدما وتحضرا.. ولم يبق أحد عندنا يصدق أن النار عند جيراننا، وأننا نحن في الجنة، حينما تطور مستوى الوعي عند المغاربة، وأصبحوا جميعا يفهمون الخلفيات، ويقرؤون الرسالة من ظهرها.

لذلك مخطئ كل من يتصور أن هناك احتمالا لتعايش ممكن، بين من يعيشون بعقلية القمع والنهب والاستغناء، على حساب المستضعفين والفقراء، وبين الذين يشعرون بأنهم يعيشون حياة العبيد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box