ملف الأسبوع | ملايير الصحراء.. “دولة في الدولة”

إعداد: عبد الحميد العوني

بنفقات تصل 160 في المائة في وادي الذهب، وتوجيه تنموي إلى طرفاية، وتأخر في فم الواد، يصل إلى ناقص 37 في المائة، عاشت الصحراء تكريسا لخارطة التقسيم بين العيون والداخلة، لأن المهم ألا تكون المنطقة، من خلال مشروع الحكم الذاتي، “دولة في دولة” رغم ما تعيشه من بوادر تبشر بخارطة رسمية لحكم ذاتي بإدارة برأسين، وقد ارتفع رسم مداخيل العيون من المعادن بـ 73 في المائة، والضريبة على الدخل بـ 62 في المائة، وتراجعت القيمة المضافة بـ 77 في المائة، ولا أحد يبوب ما يسمى المداخيل الطارئة التي واصلت ارتفاعها بـ 122 في المائة، وهي تكرس تحويلات للدولة بلغت 99 في المائة، وسجلت مداخيل تيفاريتي، التي تديرها جبهة البوليساريو، في شرق الجدار، مثلا “ناقص واحد في المائة” لخضوعها للمجلس الجهوي لجهة العيون، وهي نفس النسبة المسجلة في المرسى، وتنزل إلى ناقص 37 في المائة في الجديرية، حيث تراجعت مداخيل الجماعات ذات التجمعات السكانية واستقرت الجماعات ذات الامتداد الترابي بـ 2 في المائة، وبناقص 16 في المائة تراجعت مداخيل الجماعات بإقليم العيون، فيما زادت مداخيل التجهيز عام 2017 بـ 68 في المائة، وانتقلت في 2018 إلى مليار و868 مليون الدرهم، أي أننا أمام معدل قياسي يرتفع بـ 40 في المائة في السنتين الأخيرتين.

ودعما للإدارة المحلية في أفق الحكم الذاتي، فإن النفقات زادت في الشؤون التقنية بنسبة 74 في المائة، بزيادة ناهزت 50 مليون درهم ونفقات الدعم بنسبة 27 في المائة، بزيادة فاقت 33 مليون درهم، فيما واصلت النفقات الاجتماعية ارتفاعها بنسبة 27 في المائة بزيادة ناهزت 22.7 في المائة.

وتدفع الدولة أكثر، كي تبقى إدارة الحكم الذاتي المرتقبة، تابعة للأموال القادمة من المركز بـ 99 في المائة.

وهذا الضخ يزيد من تبعية الحكم الذاتي للحكم المركزي من خلال ضخ آخر لمواطني الشمال في الصحراء، وقد تحولت، الديمغرافيا في الصحراء، بشكل جذري، ولم يعد للقبائل دور في رسم المستقبل.

——————-

 

+ لعبة التمويل الجيد لقاطني الصحراء القادمين أساسا من شمال المملكة، تجعل التعديل الديمغرافي ينهي الحكم وإدارة القبائل الصحراوية لمستقبل الإقليم

 

ارتفعت نفقات الشؤون الاقتصادية في العيون بـ 100 في المائة، وهي موجهة لكل القاطنين في الصحراء، فيما تزيد النفقات الاجتماعية (عبر الكارطا) بـ 27 في المائة، أي الثلث تقريبا، وهي موجهة بالأساس للمنتسبين للقبائل، يبرر صرفها “بوليساريو الداخل”، لأن المغرب يستغل الثروات الطبيعية للإقليم، وعليه أن يدفع لساكنة الصحراء هذه الضريبة.

وتحريك الاقتصاد المحلي الذي يديره ما يسميهم الانفصاليون “مغاربة الشمال”، في الجملة بحوالي 300 في المائة ما تنفقه الدولة في البند الاجتماعي للقبائل، مؤثر قوي على حدوث تحول في المسار، قد يجعل الحكم الذاتي مستقبلا “دراعية” أو جبة أكبر من القبائل الصحراوية الخمس، وهي تعيش بـ”فيتو” (حق النقض) نتيجة استمرار البوليساريو في  حمل السلاح والتهديد بالمواجهة.

ويبدو الضعف كبيرا في خفوت مسعى الحكم الذاتي الموسع، بل إن حلم “دولة في الدولة” لم يعد من الناحية الاجتماعية والاقتصادية أمرا واقعيا.

وتبعا لهذه السياسة المتبعة، فإن الزيادة الكبيرة في نفقات التسيير، دفعت إلى انخفاض في فائض ميزانية التسيير، وشكليات وأعراف هذه الإدارة غير مسبوقة في أي مكان في العالم.

وارتفعت نفقات تسيير مجلس جهة العيون بـ 40 في المائة، من 131.9 مليون درهم إلى 182.2 مليون درهم، لارتفاع نفقات الإدارة العامة بمبلغ 23 مليون درهم، والشؤون الاجتماعية بـ 18.9 مليون درهم، والدعم بعشرة ملايين درهم، بما أوصل التدخل المغربي إلى تيفاريتي والمناطق التي تسيطر عليها البوليساريو شرق الجدار.

إن حوالي 30 مليون درهم إضافية تذهب في هذا الاتجاه المدروس والمخطط له، للوصول إلى إنسان وتراب شرق الجدار المعروف في إعلام البوليساريو بـ”المناطق المحررة”.

ومن اللافت، أن نفقات مجلس جهة العيون تساوي صفرا في الشؤون الاقتصادية، وهو من زاد من نفقات إدارته بـ 67 في المائة، وزادت نفقاته في الدعم الاجتماعي بـ 63 في المائة، وهي أرقام قياسية تجعل من القاطن في الإقليم عبدا للامتيازات، وأن تتخيل صفرا في  نفقات الاقتصاد، وناقص واحد (أي تحت الصفر) في النفقات التقنية، وتوجيه كل الأموال وكل نفقات الجهة، أي الزيادة السنوية بحوالي 30 مليون درهم، لـ”الكارطيات” والدعم في العيون فقط، هو ترتيب صعب يدمر عمليا إمكانيات إنسان الجهة من الوصول إلى ما يصطلح عليه بالحكم الذاتي.

وواصل الضخ الموجه لشؤون الدعم الاجتماعي ارتفاعه، من مليار درهم في جهة العيون وحدها، إلى مليار 258 مليون درهم و861 ألف درهم، وهو رقم ضخم، إذ لا تنفق عائلة ولد الرشيد على الشأن الاقتصادي درهما واحدا، وهو ما يشكل صدمة لا يقل عنها الانخفاض المدروس لنفقات المجالس الإقليمية، لانخفاض النفقات المدرجة في مجال النفقات العامة بأكثر من 5 ملايين درهم بين سنتي 2016 و2017.

وزادت نفقات المجالس الإقليمية، تبعا لهذه السياسة في مجال الدعم، بـ 165 في المائة في سنة واحدة، بين 2016 و2017، إذ تقلصت نفقات الإدارة تقلصا بـ 10 في المائة لصالح تمويل الدعم أو “الكارطيات” بلغة أهل المنطقة، وإلى جانب هذا المعطى، ارتفعت نفقات الشؤون الاجتماعية بمليوني درهم.

ويتساءل المراقب عن الفرق بين بند “الدعم” و بند “الشئون الاجتماعية”، ويتأكد للجميع أن لا تمييز بينهما، إنما هو لتقليل النسب المائوية العالية، والمرتفعة للغاية، وتقسيمها إلى بندين وتخفيف وقعها على المراقب والمواطن في آن واحد.

 

+ لغز صفر درهم في إنفاق المجلس الجهوي للعيون على الاقتصاد

 

لا يمكن تفسير هذا الوضع الملتبس إلا بمسألة واحدة، أن مسؤولي جهة العيون يكرسون الريع، ويريدون عدم بناء استقلال اقتصادي للإقليم يساعد الحكم الذاتي في الوصول إلى إدارة ناضجة ومتمكنة ومنافسة للإدارة والاقتصاد المركزي، وبالتالي، فإن ضخ الدعم الاجتماعي لصالح عدم ربط المصالح المعيشية للمواطن بالاقتصاد، هو تكتيك لإفراغ الحكم الذاتي من بعده الانفصالي أو الاستقلالي، وهذا الأمر مقبول عند الكثيرين، وخصوصا “البونسيون” الخصوم التاريخيون للبوليساريو منذ الإدارة الإسبانية للإقليم.

وقد استأثرت في هذه السياسة الجماعات المتواجدة بإقليم العيون، وعددها خمسة، بـ 65 في المائة من مجمل النفقات، فيما خمس هذه النفقات آلت إلى السمارة و9 في المائة لبوجدور و5 في المائة لطرفاية، أي أننا أمام فوارق تصل إلى 1300 في المائة بين العيون وطرفاية، وهي فجوة ضخمة.

وفي ملاحظة المجلس الأعلى للحسابات، فالجماعات ذات التجمعات السكانية تنفق أكثر مما تنفق الجماعات ذات الامتداد الترابي، فتجاوزت نفقات الفئة الأولى، وعددها خمس جماعات، الفئة الثانية التي تضم 15 جماعة، ويعود هذا الفارق إلى ارتفاع ميزانيات الدعم، وأيضا نفقات التسيير.

فالجماعات ذات التجمعات السكانية أنفقت في التسيير زيادة بنسبة 24 في المائة، بمبلغ ناهز 100 مليون درهم، في حين أن الجماعات ذات الامتداد الترابي زادت نفقاتها بـ 10 في المائة فقط، أي أن الفارق يصل إلى 105 في المائة.

وتزيد حصة كل فرد بـ 300 درهم كل سنة في نفقات التسيير، لتصل في مدينة العيون وبشكل سنوي، إلى 1500 درهم، فيما تصل في جماعة المرسى إلى 2.495.75 درهما،

أي أن كل مواطن في هذه الجماعة يكلف لإدارة أموره الإدارية حوالي 2500 درهم، ووصلت هيمنة جماعات السمارة على مصاريف التسيير بـ 51 في المائة، متبوعة بالجماعات التابعة لإقليم العيون بـ 20 في المائة.

 

+ تجهيز عاصمة الحكم الذاتي “العيون”، ينتقل إلى سرعة أخرى

 

ارتفعت نفقات تجهيز جهة العيون بأكثر من 102 مليون درهم في سنة واحدة، لتصل هذه المصاريف إلى 309.6 ملايين درهم، وبناقص 49 في المائة، في هذا البند المالي، على صعيد الشؤون الاقتصادية، يتقدم الدعم بـ 90 في المائة ليستهلك مصاريف هذا البند، حيث فاقت التكاليف المرتبطة بالممتلكات المنقولة، خاصة اقتناء السيارات والعتاد التقني والمعلوماتي، 91 مليون درهم خلال سنتي 2016 و2017.

وبلغت نفقات جماعات هذه الجهة 88 مليون درهم، أي بارتفاع يصل إلى 400 في المائة.

 

+ العمالات في الصحراء لا تقدم أي حسابات.. والبراءة هي سيدة الأحكام النهائية

 

66 حكما نهائيا بالبراءة، أي بمعدل 100 في المائة، وتبقى 37 حسابا في طور الإنجاز من طرف مجلس الحسابات، وتتحدث التقارير عن معطيات عامة للغاية، إذ الإقليم يسير بدون إنذارات، وبدون رسائل تذكير، وبتصاريح قليلة، لذلك لا تجد المحكمة المالية في المملكة إلا إعطاء إحصائيات من 2010، لرفع الأرقام.

ويحاول مجلس الحسابات الابتعاد عن المنتخبين، ويهتم بمراقبة تسيير المؤسسات، وفي هذه الحالة، تبرز المدرسة العليا للتكنولوجيا بالعيون، والمركز الاستشفائي ببوجدور، تبعا لنفس السياسة المتبعة من سنة 2015 بخصوص التدبير المفوض لمرفق جمع النفايات المنزلية وتنظيف الشوارع والساحات العمومية بجماعات العيون، وأيضا تسيير جماعات السمارة وفم الواد.

ومن أجل هذه الترتيبات، يلاحظ المراقب:

1) الاعتماد على أرقام استدلالية دون وقائع.

2) مهمات الرقابة تجري على التسيير، ولا توجد مساحة واسعة لنشر الخلاصات.

3) إصدار التوصيات، والتوصيات المفعلة في العيون 8 في المائة و20 في المائة في السمارة و23 في المائة في فم الواد، فيما تصل إلى 100 في المائة في الحكونية،

أي أن 47 توصية جرى تنفيذها، لأن منسوب التنفيذ هو 84 في المائة.

ومن بين التوصيات التي تم إنجازها:

1) وضع مخطط جماعي لتدبير النفايات المنزلية والمماثلة لها.

2) تأسيس شركة خاصة بتدبير مرفق النظافة لمدينة العيون.

3) القيام بجرد أموال الرجوع وأموال الاسترداد بالوثائق التعاقدية.

4) الإدلاء بتقارير تقنية مطابقة للعقد المبرم من طرف المفوض إليه.

5) المراجعة الدقيقة للتقارير المالية.

ويعتقد المجلس الأعلى للحسابات أن هذه التوصيات نافذة في الصحراء، بما يعطي مؤشرا مهما، هو أن المؤشرات التدبيرية مرتفعة إلى مائة بالمائة، لكن الأزمة البنيوية متعلقة بنقل أغلب الميزانية إلى الدعم، وأن باقي ميزانية التجهيز متعلقة بتقديم الخدمات عن طريق التفويض، وهو ما يزيد من الضغوط المباشرة على المقاولة المتعاقدة، ويزيد من المراقبة والمتابعة التي تباشرها السلطات الجهوية.

 

+ محاولة إنشاء “سلطة جهوية” واحدة يجهضها تقسيم الإقليم الموعود بحكم ذاتي إلى جهتين على إيقاع خارطة “اتفاق مدريد”، الذي سلم الداخلة لموريتانيا، والعيون للمغرب إلى جانب ثلثي تراب الإقليم

 

تتقدم جهة الداخلة لعرقلة بناء سلطة حكم ذاتي في إقليم الصحراء، لأنها تشكل نصف المنتوج الوطني من الأسماك (47.8) في المائة، وحوالي 65 في المائة من الإمكانيات الوطنية، وتصل المراعي إلى 12 ألفا و900 هكتار، مع فرشة مائية هائلة وجو معتدل.

ويزرع المغرب الطماطم والبطيخ في مساحة تصل إلى 800 هكتار، بإنتاج يصل في الهكتار الواحد إلى 120 طنا بالنسبة للطماطم و50 طنا بالنسبة للبطيخ، ويوجه الإنتاج إلى الأسواق الأوروبية والكندية والروسية، ويرعى في الداخلة 700 ألف رأس من الغنم والماعز، و25 ألف رأس من البقر وأيضا الإبل.

ويمكن التأكيد من خلال هذه المعطيات، أن تقسيم إقليم الصحراء ـ الموعود بحكم ذاتي ـ إلى جهتين: الداخلة والعيون، يهدف إلى عدم تشكيل وحدة سياسية، وأفق واحد لهذه الرؤية.

ويبدو أن مفترق الطرق واضح بين إنجاز المخطط التنموي للأقاليم الجنوبية وبين تطبيق الحكم الذاتي لجهتي العيون والداخلة، ومن اللافت أن 75 في المائة من ساكنة جهة الداخلة، توجد في مدينة الداخلة، وهو ما يؤثر سلبا على التوازن الترابي والاقتصادي للجهة.

وطبقا للإحصاء العام للسكان لسنة 2014، فإن ساكنة الداخلة تصل إلى 105 آلاف نسمة، فيما يتوزع ربع سكان الجهة الباقي (35 ألف نسمة) على 12 جماعة وإقليمين.

وهذه الخارطة تجعل مقولة “الجهة ـ المدينة” هي المعمول بها، وهو ما يؤسس لمنطق آخر في إدارة الحكم الذاتي، ويرتكز التحليل المالي على مؤشرات، منها أن مداخيل الداخلة بلغت تقريبا الملياري درهم، بتقدم يزيد في سنة واحدة عن 72 في المائة.

وينقل هذا الرقم القياسي مبلغ نفقات الجماعات بجهة الداخلة من 634 مليون درهم إلى أزيد من مليار و239 مليون درهم، أي بارتفاع قدره 95 في المائة، وحولت الدولة 486.7 مليون درهم في سنة 2017 لتحقيق هذه الغاية التي اختتمها توقيع العثماني لبناء ميناء الداخلة.

إن حضور الدولة القوي في الداخلة، يتجاوز الأهداف التكتيكية للمرحلة السابقة، ويوجه التنمية لتحقيق طفرة جديدة تكون لها انعكاساتها المستقبلية، وهو ما نلاحظه بشكل واضح في انتقال نفقات التجهيز من 121.5 مليون درهم إلى 634.5 مليون درهم، أي 500 في المائة.

 

+ ارتفاع بـ 500 في المائة في تجهيز جهة الداخلة المجاورة لموريتانيا، مؤشر هيكلي إلى تطوير الحدود المغربية الموريتانية

 

إن طي صفحة البوليساريو من خلال المخطط التنموي جزء رئيس من سياسة الرباط ، ويدخل المغرب في سباق لتغيير هيكلي ونهائي للحدود المغربية ـ الموريتانية .

وانتقلت نفقات تجهيز جهة الداخلة من 121.5 في سنة 2016 إلى 634.5 مليون درهم، وهي تكلفة مولت تجاوز الدولة لمشكلة “الكركرات”، حيث لا يظهر بشكل واضح التمييز بين مداخيل التسيير ومداخيل التجهيز، وتؤكد خلاصة المجلس الأعلى للحسابات في الصفحة 116 من تقريره الصادر مؤخرا، أن تفعيل الجهوية الموسعة رفع مداخيل جهة الداخلة إلى 120 في المائة، وهو ما يشجع المنطقة على دفع المغرب إلى تفعيل الحكم الذاتي.

 

+ تفعيل الحكم الذاتي قد يرفع المداخيل إلى 300 في المائة إن حققت الجهوية الموسعة ارتفاعا بـ 120 في المائة في سنة واحدة، حسب تقرير الأعلى للحسابات

 

ارتفعت مداخيل التجهيز في الداخلة من 53.6 في المائة إلى 71.11 في المائة، وقد استحوذت الجهة على 64 في المائة من مجموع موارد الجماعات الترابية، وتجدر الإشارة  إلى أن جماعات جهة الداخلة لا تستفيد من منتوج الرسوم المدبرة من طرف الدولة لفائدة  الجماعات الترابية (الرسم المهني والرسم على الخدمات الجماعية)، وقرار الدولة حجب استخلاص هذه الرسوم، يزيد من “استثنائية” هذا الإقليم تجاه وضعه في خارطة الحكم الذاتي، أو النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، ومع ذلك، ارتفعت مداخيل التسيير بحوالي مليون درهم عام 2017.

وتبلغ مداخيل المجلس الجهوي حوالي الخمسين في المائة (49.85 في المائة)، فيما كل الجماعات، بما فيها جماعة الداخلة، لا تتجاوز نسبة مداخيلها 38.46 في المائة، وترتفع مداخيل الجهة على كل الجماعات بـ 10 في المائة، في محاولة لتحويل جماعة إلى جهة، وهي أقل اعتمادا على تحويلات الدولة من جهة العيون.

ورفعت الدولة حصتها التمويلية بـ 24 في المائة، أي نسبة الموارد المحولة من مجموع مداخيل التسيير، وتبعا لإدارة الموارد المباشرة، فإننا نلاحظ الفوارق التالية بين جهتي العيون والداخلة:

أولا: أن رسم استغلال المعادن وصل رقما قياسيا يساوي صفرا في المائة في جهة الداخلة، وهو ما يفيد أن المغرب يلتزم إلى الآن، باستغلال المعادن في جهة العيون، ويمنع استغلالها في الداخلة، حفاظا على عدم إثارة الأمريكيين الذين طالبوا بعدم استغلال المعادن في الصحراء.

ثانيا: أن المداخيل الطارئة التي تشكل عنصرا مهما في إدارة جهة العيون تساوي صفرا في الداخلة، خوفا من أي تأويل يربط “النفقات الطارئة” بفعل الطوارئ في “الكركرات”.

ثالثا: بشكل صادم، ارتفعت مداخيل الرسم الجماعي على المقالع بـ 5000 في المائة، من 4928 درهما إلى 2455.14 درهما، وهو رقم قياسي في استغلال مقالع الرمال، وباقي المقالع في هذه المنطقة البكر التي تنقذ الإنتاج الوطني من الأسماك، لإنتاجها لوحدها نصف المنتوج.

إن استثمارات الداخلة تكشف أن عملية التحول إلى حكم ذاتي من خلال نصف المنتوج السمكي لكل المملكة، والثروة الفلاحية للداخلة إلى جانب المعادن وفوسفاط بوكراع، وغيرها، ستكون صعبة على الموارد المركزية للمملكة، إلا إن جاءت الإدارة الذاتية لإقليم الصحراء مرنة وخفيفة.

وتحاول الدولة إعادة تدوير مداخيل جهتي الداخلة والعيون، لتكون مقدراتها تحت سقف الدولة من خلال استغلال الموارد ثم إعادة تدويرها عبر الموارد المحولة من طرف الدولة.

وتبعا لهذا السياق، ترتفع مداخيل المجلس الإقليمي لأوسرد بـ 988 في المائة، في حين سجلت مداخيل المجلس الإقليمي لوادي الذهب انخفاضا شديدا (ناقص 56. 4 في المائة).

ولما حدث من أزمة في “الكركرات”، فإن الكويرة التي تعيش تحت الإدارة العسكرية الموريتانية، زادت ميزانيتها بـ 22.43 في المائة.

وتصحح هذه الزيادة السنوية أبعادا إدارية تشمل كل الخارطة الترابية لوادي الذهب، وتخطط من الآن، لإدماج شرق الجدار وما بعد نقطة “الكركرات” لإدارة الكويرة، من خلال ضخ التمويل وحل الجانب التنموي.

وتبعا لأهميتها العسكرية، زادت ميزانية تيشلا مثلا بـ 66 في المائة في سنة واحدة، وتراجعت بئر كندوز، وتبعا للخارطة الجديدة المعتمدة على المزيد من الدعم، يتمركز الإنفاق بنسبة 80 في المائة.

وتحظى جماعة الداخلة بمداخيل تسيير تفوق ثلثي مجموع مداخيل تسيير الجماعات التابعة لجهة الداخلة وادي الذهب، ووصلت نفقاتها إلى 158.4 مليون درهم، بزيادة سنوية تصل إلى 31 مليون درهم.

وقد يكون الوضع الاستثنائي لـ”الكركرات” مبررا لهذه الزيادة السنوية بـ 3 ملايين دولار، وهو رقم هام لإدارة تصل نفقاتها إلى 16 مليون دولار موجهة لخدمة 43 ألف نسمة؟

وحسب تقرير المجلس الأعلى للحسابات (الصفحة 120)، فإن مداخيل التجهيز التي طمحت إلى تعبيد طريق، في المنطقة العازلة، تصل الحدود الموريتانية والمغربية، زادت بـ 118 في المائة، بفائض مداخيل السنة السابقة بـ 85.42 في المائة، وقد استفاد مجلس الداخلة من صندوق التجهيز الجماعي بمبلغ 405 ملايين درهم، وهو رقم مهم، حين نعرف انتقال مساهمة الدولة من 420 ألف درهم فقط سنة 2016 إلى 51.43 مليون درهم، أي ما يفوق 10000 في المائة؟

 

+ انتقال مساهمة الدولة مائة مرة، أي عشرة آلاف في المائة، وهو رقم قياسي في تاريخ الدولة ؟

 

في الفقرة الثانية من الصفحة 120 من تقرير المجلس الأعلى للحسابات، يتأكد أن مساهمة الدولة في التجهيز وصلت رقما قياسيا بدون قروض في سنة 2016، قبل قرض صندوق التجهيز الجماعي الذي يرهن إدارة الجماعة الترابية المؤهلة لحكم ذاتي إلى قروض طويلة الأمد.

وتبعا لهذه الأرقام، فإن ارتفاع النفقات زاد بما قدره 95 في المائة، لأن نفقات جهة الداخلة انتقلت من 261 مليون درهم سنة 2016 إلى 788 مليون درهم، فيما نفقات كل الجماعات الترابية في هذه الجهة تساوي 339060371.91 درهم، أي الضعف ونيف في حدود نفقات تصل إلى مليار و239 مليون درهم.

ويتضح أن هذه “الجهة / المدينة”، والتي تسمى الداخلة، تحاول أن تدفع  بمجلسها الجهوي إلى الواجهة، وهو يغرق في الديون من أجل التجهيز، وقد استولى على 23 في المائة من النفقات الفعلية المرتفعة بأزيد من 26.5 مليون درهم في سنة واحدة على صعيد التسيير فقط.

وضمن هذه الميزانية، زادت ميزانية الدعم بـ 28.7 مليون درهم، أي بنسبة الثلثين على المعدل السنوي السابق.

وتحاول الدولة في جهة الداخلة رفع تجهيزاتها المدنية لخدمة تواجدها العسكري، فالشؤون التقنية زادت نفقاتها رسميا بـ 13.52 في المائة، وهو رقم له مدلوله، إن قورن بجهة العيون التي لا تجد فيها الدولة مساعدا مدنيا لاستراتيجية عسكرية لا تلغي المواجهة أو الحرب الشاملة في المنطقة.

ولمزيد من الانخراط في هذه الدينامية، فإن رفع ميزانية الشؤون الاجتماعية بـ 62 في المائة، هو قرار دولة يخدم عدم تحويل سكان الداخلة إلى مناصرين لجبهة البوليساريو، خصوصا وأن الزيادة بلغت في مجموعها 70 في المائة (7.74 في المائة إضافية مدرجة في مجال الدعم في بند مالي مستقل).

وزادت، من جهة أخرى، نفقات تحسين الناتج في مدينة الداخلة بـ 23 في المائة، والمبلغ يزيد بـ 70 مليون درهم، وقد وصل عن سنة 2016 حوالي 368 مليون درهم، وهذه أرقام رسمية وموثقة يعمل عليها القضاء المالي، وفي هذا الصدد، زادت نفقات موظفي الجهة بـ 110 في المائة، وباقي الجماعات بـ 2 في المائة، لذلك، فالإدارة الجهوية تريد صياغة تقربها من الحكم الذاتي، لكن أطراف هذه الحرب، شرسة وذات أبعاد تكتيكية خطيرة.

 

+ الدعم يقفز بـ 406 في المائة في نفقات التسيير الفعلية لمجلس الداخلة وادي الذهب، وهو رقم قياسي أيضا !

 

تتوزع نفقات تسيير مجلس جهة الداخلة على مجال الإدارة العامة ومجال الشؤون الاجتماعية، اللذين يشكلان 80 في المائة، سنتي 2016 و2017، وعرفت نفقات الإدارة قفزة بـ 67 في المائة مقارنة مع 2016، وارتفعت نفقات مجال الشؤون الاجتماعية بنسبة 123 في المائة، أي  ملايين درهم، كما ارتفعت نفقات الدعم بنسبة 406 في المائة.

إن هذه المؤشرات المالية تؤكد على ضخ إضافي في دعم القاطن في الجهة، لتأكيد نصيب الفرد من الثروات الطبيعية، المعركة الرئيسية لجبهة البوليساريو، وقد وجدت صدى لها، في متابعة الاتحاد الأوروبي للمال الذي يضخه، مقابل اتفاق للصيد البحري، ومعظمه في جهة الداخلة.

ووقع مجلسا العيون والداخلة على هذا الاتفاق الدولي، رغم عدم وجود مسوغ دستوري لهذا الإجراء، ويوزع المغرب حاليا مبالغ مهمة على الساكنة، فيما يؤخر هذا الريع من حكامة الإدارة التي ستنبثق عن الحكم الذاتي، ورفعت الدولة من ضخ الأموال في العيون والداخلة.

وتسعى العاصمة الرباط إلى توازن نوعي بين ارتفاع نفقات الاستثمار على مستوى الجماعات الترابية للجهة، التي زادت بـ 422 في المائة، ونفقات دعم بـ 406 في المائة، وهذه الوضعية حساسة، لأن التوازنات المالية الحالية لا تخدم إطلاق “إدارة ذاتية”، من واقع:

أ) أن مجال الدعم يشكل الحصة الكبرى من توزيع نفقات التجهيز، إذ بلغت نسبته 77 في المائة، أي 487 مليون درهم، نتيجة ارتفاعه الكبير جدا بين 2016 و2017، وقد سجل نسبة 1291 في المائة، في حين انتقلت النفقات المتعلقة بمجال الشؤون التقنية بـ 97.1 في المائة، لمواجهة انعكاسات تعبيد الطريق عبر “الكركرات” إلى موريتانيا، حيث انتقل التجهيز المتعلق بمجال الإدارة العامة إلى 40 مليون درهم، بارتفاع نسبته 70 في المائة.

ب) أن تمويل نفقات التجهيز بمجال الدعم، يعد عقدة بنيوية قاتمة لإنشاء ما يسمى حكما ذاتيا في جهتي العيون والداخلة.

ومن جهة ثانية، مثلت النفقات العقارية والمنقولة ما يفوق 97 في المائة، حيث انتقلت الأموال المنقولة، أي السيارات وغيرها، من 15 مليون درهم إلى 29 مليون درهم، لكن نفقات التجهيز المتعلقة بالمشاريع المتكاملة لم تتجاوز مليون درهم.

 

+ الحكم الذاتي الترابي “وسيلة لتسوية النزاعات”، في مائدة نقاش مغربية في الأمم المتحدة

 

تنقل “ليبراسيون” الاتحادية، مائدة النقاش المغربية في الأمم المتحدة حول الحكم الذاتي، أن “الحكم الذاتي الترابي” وسيلة لحل النزاعات(1)، وتحت رئاسة الخبير مارك فينو من مركز السياسة الأمنية في جنيف، ركزت المداخلات على استراتيجيتين:

1) أن الحكم الذاتي ترابي، بما يعني أن “الإدارة الترابية” هي الهاجس الذي تركز عليه أرضية الحوار الدولي لحل قضية الصحراء.

ومن الإدارة الترابية الحالية، يمكن الوصول أو عدم الوصول إلى إدارة الصحراء عبر ساكنتها، بطريقة حرة، وهناك صعوبة واضحة في تصوير المرحلة الانتقالية، لأنها لم تبدأ بعد، وكل العناصر البنيوية لا تساعد في هذا المنحى.

2) الحل المغربي يسيرعلى الطريقة اليمنية بين الجنوب والشمال، كما قدمت “مدام بابا جياني” في الندوة، وهي صورة لم تنجح، رغم مشاركة المغرب في هذه الحرب، وانسحابه من إدارة الحل، وقد قابل مسؤولون مغاربة ورقة “بابا جياني” بكثير من الترحيب.

إنها عملية تتطلب النضج، لأن الاقتراح مبادرة حكيمة(2)، وتتطلب إدارة محوكمة قبل الانتقال إلى حكم ذاتي مكتمل الأركان، ومبادرة موسومة بالمصداقية(3) توجب إدارة انتقالية موصوفة بنفس المعيار.

وبناء على هذا الأساس، فإن الانتقال إلى حكم ذاتي يتطلب إدارة انتقالية ومعيارية تمتلك كل الإيجابية، خصوصا بعد ما يسمى بدعم لجنة 24 في الأمم المتحدة(4)، والإدارة الترابية لم تؤسس لهذه الروح العالمية، على الأقل في نظر المناصرين لهذه المبادرة.

إن إجماعا ما حدث حول الحكم الذاتي للصحراء من كل دوائر النظام، لكن شجاعة الدخول في مرحلة متقدمة، لا يزال يحير القادة الترابيين والأمنيين في المملكة.

وتحاول الدبلوماسية المغربية إبداء إجماع ما حول مبادرتها، رغم الخلافات الحادة مع البوليساريو، التي أخرها  كوهلر، المبعوث الأممي المستقيل مؤخرا، وهو رأي الأكاديميين أيضا(5).

ولا تتوقف المملكة عن عقد ندوات من نيوزيلاندا إلى السنغال(6)، وفي كل أطراف الأرض، وسيكون تحديا واسعا للإدارة المحلية في حال إشراف الأمم المتحدة على هيكلة إدارة منتخبة مباشرة ولها صلاحيات واسعة، لأن الهيكل الديمقراطي للمملكة لن يستوعب بسهولة حكما ذاتيا في ظل جهوية ضعيفة.

 

+ الحكم الذاتي تحدي غير مقروء في رهانات الإدارة الترابية

 

لا يزال المغرب سعيدا بإدارته الترابية التي هندسها إدريس البصري، وزير داخلية الحسن الثاني، لعقدين ونيف، ولم تتمكن الجهوية الحالية أن تشب عن الطوق لإقرار حكم ذاتي في جنوب المملكة.

وعلى ذلك، فإن الداخلية لم تكن مستعدة، وليست حاليا جهازا قادرا على تفعيل الخطوة المقترحة على الأمم المتحدة، لحل نزاع الصحراء، ومن الجرأة القول أن الداخلة تستطيع أن تربح رهان الاستفتاء، وقد تخسر الحكم الذاتي، لأنها أدارت وعملت من 1975 إلى الألفين على هذا الرهان، وكل ميكانيزمات الأمن والإدارة وتدبير الضبط، ثالوث خدم هدف ربح الاستفتاء باتجاه الاندماج، فيما حاليا لا تحديث يصل إلى إدارة حكم ذاتي في جنوب المملكة، ومن معايير عالمية تشرف عليها الأمم المتحدة.

إن الريع وتوزيع “الكارطيات” على طرفي نقيض في الصحراء، بهما كان يمكن التعامل مع زعماء القبائل، لأن الريع لهم ولباقي المنتسبين (الكارطيات).

وهذه السياسة تتواصل بسرعة قياسية تصل إلى 1200 في المائة، لأن الإداري المغربي لا يجرب شيئا آخر، ويواصل نفس الخطاطة القديمة.

وفي هذه الأوضاع، يصبح الحكم الذاتي تحديا قاسيا، ويصبح أشد وأقسى مع الزمن، لأن العقلية الإدارية الحاكمة لم تتغير، ولأن القدرة على التجاوز وبناء نموذج إداري جديد يساير انطلاق المملكة في النموذج التنموي الجديد، ليس واردا على الأقل في الخطابات المعلنة، لأن المملكة، في جنوبها أو شمالها، في حاجة إلى طفرة في العقلية الإدارية والنموذج الإداري على حد سواء.

ولأن لا أحد يناقش حكامة ترابية متقدمة، فإن تأخر المملكة في تأجيل إطلاق نموذج إداري جديد يساير النموذج التنموي الجديد، خطر على مبادرة المغرب بعد أن جعلها وحيدة على مائدة التفاوض والقبول، وبالتالي، فإن النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية لم يعط نموذجا إداريا، والمخيف، أن يكون مصير النموذج التنموي للمملكة بنفس النتائج، فهذا التحدي سيرهق المملكة، والفشل فيه سينهي الوحدة الوطنية الحالية.

هوامش

  • Sahara marocain: l’autonomie territoriale moyen de règlement politique des conflits; libération. 3/7/2019.
  • Le plan d’autonomie pour le Sahara marocain une initiative sage (responsable vénézuélien), atlas info.fr, 21/3/2019.
  • La question du Sahara et la proposition marocaine d’autonomie présentées a Wellington; le matin, 2/5/2019.
  • Sahara: le comite des 24 de l’ONU apporte un soutien pleine entier a l’initiative marocaine d’autonomie, le 360 (map) 1/7/2019.
  • Sahara occidental: divergences profondes autour d’un mode de règlement, Khadija Mohsen Finan, l’année du Maghreb. p: 553.
  • Colloque sur le projet d’autonomie au Sahara, CCme; ORG.7597.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!