اليوم العالمي للمدرس.. يوم لاجترار الآلام والمعاناة

* محمد بادرة

مضت أكثر من ستة عقود على استقلال بلادنا وما زلنا ننتظر قيام إصلاح شامل لسياستنا ومنظومتنا التربوية لإنقاذها من السكتة المميتة، مضى كل هذا الزمن ولا حكومة قوية قادرة فاعلة مسؤولة استطاعت إحداث تغيير في المجتمع والمؤسسة والإنسان، أو إحداث ثورة ثقافية لصالح أطفالنا وشبابنا قصد إدماجهم في مجتمع المعرفة والحداثة.

مضى زمن طويل ونحن ما نزال نرسف في أغلال من التجارب الفاشلة، التي تشكل بالنسبة إلينا عقدة مرضية تحول بيننا وبين ملاحقة ركب الحداثة، والإصلاح ليس مجرد نظريات قابلة للانتقاء، وليس ممارسة عمياء تعتمد التجريب ومبدأ المحاولة والخطاء.

والآن، يمضي الزمن سريعا ونحن لا نزال نسير في درب التجارب السالفة على ارتياد آفاق التطوير عن طريق التقارير التي ترفعها لجان الوزارة أو المجالس والهيئات الوطنية، وكذا المنظمات الدولية ذات التوجهات الاقتصادية العالمية ومنها البنوك والصناديق العالمية.. وهكذا تتراكم التجارب الفاشلة دون أن يكون بينها رابط  غير تنفيذ الإملاءات؟ وبشكل صادم، جاءنا تقرير البنك الدولي في شتنبر 1995، فعرى ما كان مخفيا وأفشى ما كان محظورا في العديد من القطاعات الحيوية عندنا، كالتعليم والإدارة والاقتصاد، واستتبعه خطاب الملك الراحل الحسن الثاني في افتتاح الدورة البرلمانية.. ((لقد قرأنا هذه التقارير، فوجدنا فيها فصاحة موجعة وأرقاما في الحقيقة مؤلمة ومقاربات تجعل كل ذي ضمير لا ينام))، جاء تشخيص البنك الدولي ووضع الأصبع على أهم اختلالات المنظومة، وكان إنذارا قويا دفع أصحاب القرار عندنا إلى أن يقوموا بمراجعة كل السياسات التعليمية الخاطئة والبرامج التربوية الفاشلة، منها: 1) ضعف تغطية الجماعات القروية بالبنيات التربوية الأساسية وضعف الميزانيات المرصودة لها في برامج محو الأمية والتربية غير النظامية. 2) ضعف انخراط الفاعلين المحليين في دعم برامج التربية والتكوين. 3) الانعكاسات السلبية للخصاص من المدرسين (منها تقليص البنيات التربوية، الأقسام المكتظة، حذف التفويج، اللجوء للساعات الإضافية…). 4) الانعكاسات السلبية للخصاص في الأطر الإدارية وأطر الدعم التربوي وتأثير ذلك على التنشيط، والنظافة، والصيانة، والمختبرات، والمكتبات والحراسة. 5) تغليب ثقافة التنميط والتنفيذ على التجديد والابتكار والمبادرة. 6) وجود اختلالات كبرى على مستوى المناهج التعليمية والتقويم المدرسي ونظام الامتحانات والتوجيه التربوي. 7) عدم تحسين الأوضاع المادية والاجتماعية لأطر قطاع التربية والتكوين، وغياب سياسة واضحة لتنمية الموارد البشرية والارتقاء بالمهارات والكفايات.

هذه الاختلالات سالفة الذكر، ما هي إلا أعراض لإشكاليات أعمق تحتاج لسياسات تعليمية تدرك العلائق العضوية الموجودة بين التنمية الاقتصادية وسياسة التمدرس، وتعيد الاعتبار للفاعل التربوي وهو المدرس، لأنه عماد كل إصلاح وتنمية وتأهيل تربوي.

وحتى يتمكن المدرسون من تأدية هذه الرسالة النبيلة ويواصلوا جهودهم، فإنهم يحتاجون إلى دعم إيجابي من جانب الدولة والمجتمع، وينبغي أن يشركوا إشراكا كاملا في القرارات التي تتخذ بشأن إصلاح التعليم، عندئذ يمكنهم أن يساعدوا في تهيئة بيئات تعلم منصفة يرتاح لها المتعلم فيندمج بشكل سهل ويتفاعل إيجابيا مع محيطه، لذا أوصت المنظمات العالمية، كمنظمة العمل الدولية، بشأن أوضاع هيئات التدريس بتحسين الأوضاع المادية للمدرسين ورفع روحهم المعنوية وإعلاء شأن مهنة التدريس، وتلك هي الطريقة المثلى للتعبير عن تأييدها ومؤازرتها للمدرسين الذين سيظلون القلب النابض للنظام التعليمي.

ولتقدير هذا الدور الطلائعي للمدرس، تحتفل الأسرة الأممية التعليمية في اليوم الخامس من شهر أكتوبر من كل سنة، باليوم العالمي للمدرس، تعرب فيه الجمعيات والمنظمات العالمية، كاليونسكو ومنظمة العمل الدولية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة اليونيسيف والنقابات العمالية.. كلها تعرب عن إجلالها وتقديرها واعترافها بالدور الذي ينهض به المدرس في تطور المجتمعات عبر تربية وتكوين الإنسان كمواطن فاعل في الجماعة والمجتمع، وفي تحقيق أهداف التنمية البشرية المستدامة، لذا تدعو هذه المنظمات العالمية إلى تجديد الالتزام بحماية وصيانة حقوق المدرسين وتحسين أوضاعهم المادية والاجتماعية والصحية، مع إعلاء شأن مهنة التدريس، وكباقي بلدان العالم، لا يمكننا إلا أن نشيد في مغربنا، بدور نساء ورجال التعليم، الذين قدموا تضحيات غالية عبر تاريخ المسيرة التربوية لتحرير كل الأفراد والمواطنين وكل المغاربة من الفقر الثقافي، حرروهم من الجهل والأمية الفكرية والانغلاق، استشعارا للأهمية القصوى للتعليم في تحرير العقل وترسيخ روح المواطنة لدى ناشئتنا.

لقد سبق لجان جاك روسو أن قال بأن ((أي إصلاح للمجتمع ولمؤسساته الاجتماعية ينبغي أن ينطلق من إصلاح نظام التربية))، فالعالم الجديد الذي نود بناءه هو في حاجة إلى إنسان جديد، ولاشك أن المدرسة هي السبيل لإنتاج هذا الإنسان الجديد ليكون وسيلة للتطور والتغيير، وبالتالي، فإن إصلاح للمجتمع مرهون بإصلاح المؤسسة التربوية، وإصلاح المؤسسة مقترن بإصلاح المنظومة التربوية، والأخير لا يمكنه أن يتحقق على أرض الواقع وبالأهداف المتوخاة منه إلا إذا كان مرهونا ومصحوبا ومتضمنا لإصلاح آخر، هو إصلاح وضعية المدرسين وكل الأطر العاملة بميدان التربية والتكوين، وهنا مربط الفرس في عملية الإصلاح الشامل.

إن إصلاح المنظومة التربوية، من مناهج وبرامج ومقررات وإرساء أسس المدرسة الجديدة، يحتاج إلى أطر تربوية وإدارية وتوجيهية لتحقيق الأهداف المسطرة والمرجوة، غير أن هذه الأطر إذا لم تنصف وتتبوأ المكانة اللائقة بها في المجتمع، فإن كل شعار للإصلاح يرفع بدون استحضار، واعتبار هذه المسالة يبقى حبرا على ورق.

إن رد الاعتبار للمدرسين ولمهنة التدريس، هو حجر الزاوية في كل سياسة تنموية، وهذا ما جعل منظمة اليونسكو تدعو الحكومات والدول إلى ضرورة تحسين شروط عمل الشغيلة التعليمية ماديا ومعنويا، فماذا عن وضعية المدرس المادية والاجتماعية؟ غياب التحفيز.. أنا أشكي – إذن – أنا أقول الحقيقة.

* مدير ثانوية بالدشيرة الجهادية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!