تحليل إخباري | هل تساهم التقارير الرسمية السوداء في ظهور “محمد علي” بالمغرب؟

مخاطر الاعتراف بوجود الفساد دون معاقبة المفسدين

إعداد: سعيد الريحاني

لم يكن كثير من المغاربة يعرفون محمد علي كفنان، إذ أن أدواره التمثيلية لم تكن بالقدر الذي يمكن أن يعطيه شهرة كافية، ولكن عددا كبيرا من المغاربة عرفوه مؤخرا كنجم من نجوم الدعوة إلى إسقاط نظام الرئيس السيسي، وربما سمحت الفرصة لكثير من المواطنين لمعرفته كمقاول ثائر ضد الفساد.. ورغم أنه كان جزءا من الآلة المقاولاتية للجيش المصري، باعترافه هو نفسه، إلا أنه استطاع أن يصنع لنفسه جمهورا ثائرا يخرج للهتاف باسمه في الشارع كل يوم جمعة.

وبغض النظر عن انتمائه للجيش المصري، أو “الإخوان المسلمين” الحالمين بالعودة لحكم مصر، فقد تحولت دعوته يوم الجمعة الماضية للخروج عن طاعة السيسي، محكا حقيقيا للنظام، بعد أن ردد بعض المحتجين شعار “كفاية يا سيسي”، كما أنه كسب بعض الشرعية بعد توريط الرئيس السيسي في الرد عليه بشكل مباشر.

وها هو محمد علي يتحول من مجرد ثائر غاضب في إسبانيا، إلى ثائر ينشر أسماء المتعاونين مع الجيش المصري، ويتهم محيط الرئيس وكوادر الجيش بالفساد، مستفيدا من الهالة الإعلامية الدولية التي صنعت له، حتى أنه أصبح يوجه أوامره مباشرة إلى وزير الدفاع(..) والله وحده يعرف مستقبل الاحتجاجات في مصر.

في المغرب، لم يظهر عندنا محمد علي، ليؤكد وجود الفساد(..) وبغض النظر عن عدم التشابه في الأحداث والسياقات، فقد خرجت إلى حيز الوجود تقارير رسمية تتهم عدة وزراء بالفساد، آخرها تقرير إدريس جطو رئيس المجلس الأعلى للحسابات، الذي همت ملاحظاته 15 وزيرا في الحكومة الحالية، وقد كان حريا أن تتحرك النيابة العامة مباشرة لاستدعاء المتهمين، ولكن الذي حصل حتى الآن، هو محاولة إفراغ التقرير من مضمونه، عبر تحويله إلى مادة للنقاش السياسي، لتكون أكبر ضربة للتقرير هي التي وجهها له رئيس الحكومة العثماني، بتشكيل لجنة حكومية لمناقشة مضامين التقرير، بدل متابعة المتهمين ولم لا إقالتهم بناء على توجيهات الملك في عيد العرش، التي أمر فيها رئيس الحكومة بتطعيم حكومته بالكفاءات، والدخول في مرحلة جديدة(..).

تصوروا عزيز أخنوش، وزير الفلاحة والصيد البحري، والمسيطر على الملايير في مجال الفلاحة والتنمية القروية، والمحروقات، لم يتحرك من مكانه، بل إن وسائل الإعلام تداولت صوره وهو يشاهد بكل أريحية مباراة في كرة القدم، وأكثر من ذلك، فقد جمع بآلته الحزبية عددا كبيرا من المواطنين البسطاء ليقيم مهرجانا خطابيا في أكادير، يعد فيه المواطنين بغزو الحكومة من جديد، وضم وزارة الصحة لباقي الوزارات التي يحافظ عليها.

ولحد الآن، لم تظهر أي مؤشرات لمعاقبة المتورطين، رغم أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات يقول بوجود تلاعبات في التدبير، وفي الصفقات العمومية بعدة وزارات، على رأسها وزارة الفلاحة، ولا حياة لمن تنادي رغم أن “التقرير كشف عن جوانب مظلمة من تسيير عزيز أخنوش لوزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية، بوقوفه على اختلالات برنامج المغرب الأخضر، وعلى رأسها غياب تصور لتدبير المخاطر، واختلالات برامج فلاحية رصدت لها وزارة أخنوش الملايير” كما يقول التقرير.

باختصار، الحديث عن اختلالات في وزارة الفلاحية، يعني عمليا الحديث عن اختلالات بالملايير بالنظر إلى قيمة المشاريع وعدد المستهدفين في هذا القطاع الحيوي، الذي يضم أيضا قطاع الصيد البحري، ما يعني أن وزارة الفلاحة تشمل تدخلاتها البر والبحر، ورغم محاولات الحد من نفوذ أخنوش، فقد امتدت يد وزارته للغابات أيضا(..).

أخنوش ليس وحده معنيا بالفساد في وزارته، بل إن تقرير المجلس الأعلى للحسابات يهم أيضا 11 وزيرا، وهم أنس الدكالي وزير الصحة، ومحمد بنشعبون وزير الاقتصاد والمالية، وعزيز رباح وزير الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة، وكذا سعيد أمزازي وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي، ومحمد الأعرج وزير الثقافة والاتصال، ومحمد الطالبي العلمي وزير الشباب والرياضة، والوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بإصلاح الإدارة والوظيفة العمومية محمد بنعبد القادر، ووزيرة الأسرة والتضامن والمساواة والتنمية الاجتماعية بسيمة حقاوي، ووزير التشغيل والإدماج المهني محمد يتيم، والوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني مصطفى الخلفي.

حتى الآن، وبينما نسمع في العالم تحركات قضائية ومسطرية لمعاقبة الوزراء والرؤساء، لم يصدر عندنا أي قرار ذي طابع جزائي، بل إن المغاربة باتوا يتحملون الآن جرائم الفساد، كما يتحملون تكلفة مراقبة الفساد اعتبارا للإمكانات التي يتطلبها عمل الهيئات الرقابية.. في المغرب فقط، يمكنك أن تسمع وتقرأ عن صدور تقرير عن قضاة المجلس الأعلى للحسابات يدين فلانا وعلانا، وبالمقابل، تسمع المعنيين بالأمر يكذبون بكل أريحية رئيس المجلس الأعلى للحسابات، والحال أن أجوبة من هذا النوع لا تتطلب رد فعل سياسي بقدر ما تفرض نفي التهمة قضائيا.. وإلا ما فائدة وجود المجلس الأعلى للحسابات أصلا؟

الطامة الكبرى، أن الاعتراف الرسمي بوجود الاختلالات، لا يقف عند المجلس الأعلى للحسابات، بل إن الحديث عن الاختلالات المؤدية للهاوية، يوجد في التقرير الأخير لبنك المغرب، الذي يقول: ((إن الأمل الذي تنامى سنة 2017 بأن يكون الاقتصاد العالمي قد دخل مسارا جديدا من التوسع بعد مرور عقد كامل من تداعيات الأزمة، سرعان ما تضاءل خلال سنة 2018. ففي مناخ اتسم بالتوترات التجارية والجيوسياسية، وبالشكوك المرتبطة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلى جانب تشديد الأوضاع المالية، تراجعت نسبة النمو إلى 3.6 في المائة وقد شمل هذا التباطؤ، الذي رافقه تراجع واضح في وتيرة التجارة العاملية، عددا كبيرا من البلدان النامية والمتقدمة على السواء، فيما عدا الاستثناء البارز للولايات المتحدة الأمريكية)).

وبغض النظر عن تدويل القضية، يقول والي بنك المغرب الذي رفع تقريره مؤخرا إلى الملك برسم سنة 2019، أنه ((يتعين توخي الحذر واليقظة إزاء مستوى الدين العمومي وتجنيب الأجيال المقبلة مديونية لا تحتمل)).. هكذا إذن يظهر أن المشكلة مشكلة جيل كامل سيكون ضحية سوء التدبير، ألا يكفي هذا المبرر لفعل شيء ما من أجل مستقبل البلاد؟

إن السؤال الذي يطرح في المغرب، ليس أين يوجد الفساد، بل إن التقارير تؤكد حصوله، لكن في حالة المجلس الأعلى للحسابات، يبقى السؤال المطروح، هو ما جدوى الاعتراف بالفساد دون معاقبة المفسدين؟ ((ما جدوى تلك التقارير إن لم يتم تفعيل المبدإ الدستوري المتعلق بربط المسؤولية بالمحاسبة. التقرير الأخير مثل غيره من التقارير السابقة، تضمن نواقص واختلالات جسيمة في شتى المؤسسات والقطاعات العمومية التي شملها افتحاص قضاة المجلس وطنيا وجهويا، اختلالات أبانت عن حصول تبذير وإهدار للمال العام، يفترض معها تفعيل المحاسبة القضائية في حق المسؤولين الذين تشير تلك التقارير إلى خروقاتهم، وهو الأمر الذي لا يحدث، بينما لا يُعرف مصير تلك التقارير، ويطرح السؤال حول الجدوى منها أساسا؟)).. هكذا تعلق جل الصحف والمواقع الإخبارية.

إن عدم ربط المسؤولية بالمحاسبة هو خرق لدستور 2011، فضلا عن كون أجواء مثل هاته، تعيد المغرب إلى ما قبل سنة 2011، أي إلى ظاهرة 20 فبراير، وبالتالي، لن يعود هناك أي معنى لما كانت تكتبه وسائل الإعلام الدولية عن المغرب، فقد ((عرفت الحياة السياسية في المغرب مدا وجزرا في ما يخص تنزيل نص دستوري يربط المسؤولية بالمحاسبة، فبعد سنوات من “تجميد” تطبيق هذا المبدإ، الوارد في الفقرة الثانية من الفصل الأول من دستور المملكة، الذي صودق عليه باستفتاء شعبي في شهر يوليوز 2011، بدأت الحياة السياسية ومجال تسيير الشأن العام يعرفان نوعا من تفعيل هذا النص الدستوري.. ويعني النص الدستوري المتعلق بربط المسؤولية بالمحاسبة، عدم إفلات المسؤولين عن تدبير الشأن العام، سواء كانوا سياسيين أو وزراء أو منتخبين في مختلف المناصب، من المحاسبة، عند ثبوت تورطهم في تقصير أو اختلالات مهنية، والتي غالبا ما يتم استنتاجها من تقارير تطالب بها جهات معينة، مثل القصر الملكي أو رئاسة الحكومة، أو تعمل عليها مؤسسات معينة، من قبيل المجلس الأعلى للحسابات)) (المصدر: موقع العربي الجديد).

صورة المغرب معنية بالتأكيد بكل ما يخدشها، وأكثر ما يخدشها هو الحديث عن الفساد دون معاقبة المتورطين.. فهل يعقل أن نتمسك بالحديث عن الاستثناء، بينما تأتينا الدروس والعبر من دول شبيهة لنا مثل تونس والجزائر ومصر؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!